story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ارفعوا ثمن أصواتكم!

ص ص

عانينا طيلة سنوات من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، والسبب كان من السياسة والسياسيين، واليوم، ابتداء من هذا الصباح، وطيلة 15 يوما، فرصتنا لنردّد الصاع صاعين، ونرفع الثمن على الذين سيطلبون أصواتنا، ونجعل عملة البيع والشراء مساءلة ومحاسبة واشتباك في التقييم، وحضور في مكتب التصويت، وجعل من حوّلوا حياتنا إلى “رحبة” مشؤومة يدفعون الثمن!

ابتداء من صباح اليوم، دخلنا مرحلة مختلفة. ليس لأننا فتحنا أعيننا على الملصقات وهي تملأ الجدران الحقيقية والافتراضية، ولا لأن السيارات ستجوب الأزقة بمكبرات الصوت، ولا لأن المرشحين سيكتشفون فجأة أن بينهم وبين المواطنين قرابة سياسية وإنسانية قديمة. بل لأن ميزانا صغيرا في علاقة القوة انقلب، ولو مؤقتا.

طوال خمس سنوات، كان المواطن هو من يبحث عن المسؤول. يطلب موعدا، أو جوابا، أو تدخلا، أو تفسيرا، أو مجرد التفاتة. قد يكتب فلا يُجاب، ويتصل فلا يُرد عليه، ويطرق الأبواب فلا تُفتح؛ أما الآن، ولو لأيام قليلة، فالأمر ينقلب.

السياسي هو الذي يبحث عنك. يريد وقتك، يريد أن يسمعك، يريد أن يراك، ويريد قبل كل شيء ما لا يستطيع أن يصنعه: ثقتك.

الحملة الانتخابية ليست موسما للوعود والخطب والصور فقط. هي الفترة الوحيدة تقريبا التي يصبح فيها السياسي مضطرا إلى النزول من موقعه، ولو قليلا، والاقتراب من المواطن الذي سيمنحه أو يمنعه ذلك الشيء البسيط والخطير في الآن نفسه: التصويت.

كثيرون منا لا يتعاملون مع الحملة بهذه الروح. نترك السياسي يتكلم، ونحن نستمع. يعرض برنامجه، ونحن نصفق أو نسخر. يعدنا، فنصدّق أو لا نصدق. ثم ننتظر يوم الاقتراع لنختار، أو لا نختار. وهكذا يضيع جزء مهم من الديمقراطية.

الحملة ليست حفلا يقدم فيه المرشح عرضه أمام جمهور صامت، بل هي فترة تفاوض. هو يريد صوتك، ومن حقك أن تكون لك شروط. هو يريد إقناعك بأنه سيمثلك، ومن حقك أن تختبر ما إذا كان يعرف أصلا من يريد تمثيلهم، وما إذا كان يملك جوابا عن مشاكلهم، أو مجرد خطبة محفوظة يكررها في كل دائرة.

لذلك، إذا جاء المرشح إلى حيك، فاذهب إليه. إذا عقد لقاء، فاحضره. إذا نشر وعدا، فاسأله كيف سينفذه. إذا قال رقما، فاطلب مصدره. إذا تحدث عن الشغل، فاسأله عن الأداة. إذا تحدث عن الصحة، فاسأله عن الكلفة. إذا تحدث عن محاربة الفساد، فاسأله عن موقفه حين يكون المتهم من حزبه لا من خصومه.

كل سؤال جدي يطرح في لقاء انتخابي يرفع من مستوى الحملة. وكل مواطن يرفض أن يتحول إلى مصفق مجاني، يضع حجرا صغيرا في بناء حياة سياسية أكثر احتراما. وكل مرشح يضطر إلى الدفاع عن فكرة بدل ترديد شعار يكون قد تلقى درسا مجانيا في معنى التمثيل.

اعتدنا أن يذهب المواطن إلى السياسي طالبا خدمة، وظيفة لابنه، أو تدخلا لمريض، أو إصلاح طريق أمام منزله، وربما وثيقة، أو رخصة، أو وساطة… وفي المقابل، يتعلم السياسي أن قيمة الناخب هي في حاجته إليه، لا في حقه عليه.

فلنقلب السؤال ابتداء من اليوم، وبدل أن تسأله: ماذا ستفعل لي؟ اسأله: ماذا ستفعل بنا جميعا؟ لا تطلب منه أن يجد عملا لابنك. اسأله ماذا سيفعل كي يجد الجميع عملا دون حاجة إلى واسطة. لا تطلب منه أن يتدخل لمريض تعرفه. اسأله لماذا يحتاج المريض أصلا إلى التدخل لكي يعالج؟

هناك فرق هائل بين المواطن الذي يطلب خدمة، والمواطن الذي يطلب سياسة. الأول يمكن احتواؤه بوعد صغير. بينما الثاني أصعب. الأول يريد حلا لنفسه. والثاني يريد قاعدة للجميع. والسياسة لا تصلح إلا عندما يكثر النوع الثاني.

المرشحون يعرفون ذلك جيدا. لذلك يحبون الناخب الذي يمكن التفاوض معه فرديا، ويخشون المواطن الذي يحول مشكلته الخاصة إلى سؤال عام. الأول يمكن أن يعدوه بشيء. أما الثاني فيجبرهم على تفسير نظام كامل.

لهذا لا تبع صوتك. ارفع قيمته، واجعل الحصول عليه صعبا، واطلب من المرشح جوابا واضحا، وموقفا يمكن حفظه، لا كلاما يتبخر بعد اللقاء. اطلب رقما يمكن مراجعته، وتعهدا يمكن العودة إليه بعد سنة أو سنتين أو خمس. إذا قال إنه ضد قانون، اسأله هل سيلتزم بالتصويت ضده. وإذا قال إنه مع إصلاح، اسأله ماذا سيفعل إن طلب منه حزبه عكس ذلك. وهذا هو الثمن السياسي للصوت.

الأحزاب أيضا ينبغي أن تعرف أن المواطن لم يعد مجرد رقم في لائحة. حين تقدم برنامجا، ينبغي أن تجد من يقرأه. وحين تعد، ينبغي أن تجد من يقارن. وحين تتناقض، ينبغي أن تجد من يذكرها بما قالت.

السياسة تفسد أكثر حين يعتقد الفاعل فيها أن ذاكرة الناس قصيرة. وتتحسن حين يعرف أن أمامه مواطنين يتابعون ويسجلون وي راقبون

لهذا لا ينبغي أن تمر الحملة أمامنا مثل مباراة بين فرق لا نشجع منها أحدا. نحن لسنا جمهورا في المدرجات. نحن جزء من النتيجة، بل نحن هم النتيجة. نحن من سيدفع الضرائب التي سينفقونها في التنمية أو في الاغتناء غير المشروع. نحن من سيدفع خمسة دراهم في كل لتر بنزين نستهلكه، كضريبة توضع تحت تصرّفهم. نحن من سيدفع درهمين في كل فنجان قهوة ندفع ثمنه لينضاف إلى ميزانياتهم. نحن من سيعرق و”ينشف” يوميا طية خمسة أعوام مقبلة، كي يحصلوا على أجور الموظفين، ويدفعوا فواتير الإدارات، وسيارات الخدمة، والمستشارين والكاتبات، ويموّلوا الصفقات… ويتصرّفون في رقابنا.

وهذه الأيام فرصة نادرة لكي نرى السياسيين عن قرب. استفيدوا من ذلك. اسألوهم عن مدارس أبنائكم، وعن مستشفياتكم، وعن فرص الشغل، وعن الضرائب، وعن الماء، وعن النقل، وعن القوانين التي سيصوتون عليها، وعن الحريات، وعن المال العام. وعن أبنائكم الذين يعتقلون ويسجنون لأنهم يتظاهرون سلميا ويطالبون بمدارس ومستشفيات.

اسألوهم عن شيء أبسط: لماذا ينبغي أن نأتمنكم أنتم على خمس سنوات أخرى؟

هذا السؤال وحده كفيل بإفساد كثير من الخطب الجاهزة.

ينبغي للحملة أن تكون فترة يستعيد فيها المواطن شيئا من موقعه الطبيعي في الديمقراطية: صاحب الشرعية، وصاحب القرار، وصاحب السيادة، لا طالب معروف أو صدقة.

سيأتي يوم 23 شتنبر، وسيدخل الناس إلى مكاتب التصويت، وسيضع كل ورقته في الصندوق. لكن السياسة لا ينبغي أن تبدأ هناك. فقد بدأت هذا الصباح. بدأت حين خرج أول مرشح يبحث عن أول ناخب.

منذ هذه اللحظة، صار لكل مغربي فرصة لأن يقول: قبل أن تطلب صوتي، اسمع سؤالي.

استعملوا هذه الفرصة. لا تتركوهم يحتكرون الكلام. بل كونوا مزعجين بالأسئلة. صارمين في الطلب. أذكياء في الاختيار.

ارفعوا ثمن أصواتكم، ليس بالمال، بل بالوعي والانخراط والمحاسبة.

السياسي، طوال الأسبوعين المقبلين، يحتاجكم أكثر مما تحتاجونه.

فلا تبيعوا أنفسكم “باطل”.