إيران بين البخور والحرير
حين ننظر إلى الحرب الجارية اليوم بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما الغربيين من جهة أخرى، بعين الأخبار اليومية وحدها، تبدو لنا كأنها مجرد فصل جديد من مسلسل الشرق الأوسط المألوف. لكن هذه القراءة، على أهميتها، تُخفي أكثر مما تكشف.
ما يجري حاليا ليس حربا على مشروع نووي فقط، ولا مجرد محاولة لترميم الردع أو إسقاط نظام أو تأديب دولة متمردة، بل هو أيضا، وربما أساسا، صراع حول الخريطة التي ستعبر منها تجارة العالم، وحول من يملك حق هندسة الجغرافيا المقبلة للنفوذ بين آسيا وأوروبا.
هذه الحرب هي انعكاس لمرحلة كسر العظام في معركة رسم شرايين التجارة العالمية، بين المشروع الصيني “الحزام والطريق”، الذي يرسم أحد مساراته إلى الشمال من ايران، و الممر الهندي-الخليجي-الأوروبي (IMEC)المعروف ب”طريق البخور” في إشارة إلى تجارة البخور الهندي نحو أوربا في التاريخ القديم، والذي تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، وتقع إيران ضمن مساره، وبالتالي لابد من إخضاعها للقوى الأساسية المهيمنة على هذا المسار، وهي أساسا إسرائيل.
أطلقت الصين خلال العقد الأخير مشروعها الضخم “الحزام والطريق” على منطق شبكة واسعة تضم موانئ، وسككا حديدية، وطرقا، وشبكات نقل الطاقة، ومصادر تمويل، وارتباطات طويلة النفس تمتد من شرق آسيا إلى إفريقيا وأوروبا.
ولم تكن بكين تبني طريقا تجاريا فقط، بل كانت تبني هندسة اعتماد متبادل تجعل من الصين عقدة لا يمكن تجاوزها بسهولة. وجوهر هذا المشروع ليس أن تصل البضاعة الصينية فقط، بل أن يمر جزء معتبر من مستقبل العالم عبر البنية التي ساهمت الصين في بنائها وتمويلها وترتيبها.
في المقابل، لم يأتِ المشروع المضاد، الذي صار يُعرف بالممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي، كفكرة لوجستية محايدة. كما أنه ليس مجرد خط لنقل الحاويات بطريقة أسرع عبر البحر، ولا مجرد تحسين للتكلفة والوقت؛ بل هو، في عمقه، مشروع توازن جيوسياسي.
فالولايات المتحدة وشركاؤها لا يبحثون عن مسار بديل للبضائع فقط، بل عن طريق بديل للنفوذ، وعن هندسة عبور ترفع من وزن الهند كقطب صاعد في مواجهة الصين، وتربط الخليج وأوروبا والهند داخل منظومة أكثر اندماجا، يمر قلبها السياسي عبر ترتيبات إقليمية محددة، ومنها إسرائيل.
هكذا تصبح الحرب الحالية على إيران قابلة للقراءة من زاوية أخرى غير الزاوية النووية المباشرة. نعم، الملف النووي حاضر ومركزي، والخطاب الأميركي الإسرائيلي يقدّم الحرب بوصفها ضرورة أمنية تتعلق بالتخصيب والردع والصواريخ. لكن تحت هذا السطح، هناك صراع حول من يضبط ممرات العبور الكبرى بين آسيا وأوروبا.
إيران ليست مجرد “عقبة” في هذا السياق؛ بل هي كتلة جغرافية وسياسية تقع في مفترق طرق بين الخليج وآسيا الوسطى، وبين الهند والشرق الأوسط، وبين بحر العرب وعمق القارة الآسيوية.
وبالتالي فإن إخضاع إيران أو إضعافها أو إعادة تشكيل موقعها، لا يتعلق فقط بعلاقتها بإسرائيل أو بالبرنامج النووي، بل أيضا بموقعها داخل خرائط الممرات التي يعاد رسمها.
هنا تبرز قصة مينائي “تشابهار” و”جوادر” باعتبارها نموذجا مصغرا يكشف المنطق الكبير. في الظاهر نحن أمام ميناء هندي في إيران وميناء صيني في باكستان. لكن في الحقيقة نحن أمام ترجمة عملية لصراع أعمق حول كسر الانسداد الجغرافي وصناعة البدائل.
الهند، وبحكم خصومتها البنيوية مع باكستان، احتاجت منذ زمن إلى منفذ يصلها بأفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور عبر الأراضي الباكستانية، فكان ميناء “تشابهار” الإيراني هو الرهان الطبيعي.
لهذا استثمرت فيه ووقعت ترتيبات طويلة المدى لإدارته وتشغيله، ليس باعتباره استثمارا اقتصاديا فقط، بل بوصفه فتحة استراتيجية في جدار باكستاني مغلق.
في المقابل، تحوّل ميناء “جوادر” الباكستاني إلى أحد الرموز الكبرى للممر الصيني-الباكستاني ضمن مشروع “الحزام والطريق”، أي إلى منفذ استراتيجي للصين على بحر العرب، وإلى جزء من منظومة تربط الداخل الصيني ببحر مفتوح عبر شراكة عميقة مع إسلام آباد.
الميناءان متجاوران تقريبا في المجال البحري نفسه، لكنهما ينتميان إلى عالمين استراتيجيين مختلفين. “تشابهار” يخدم أولوية الهند في الالتفاف على باكستان وفتح طريق نحو آسيا الوسطى، بينما “جوادر” يخدم أولوية الصين وباكستان في تثبيت محور بحري-بري طويل الأمد.
من هنا تتضح أهمية إيران في الحسابات الكبرى. فهي ليست “ملفا أمنيا” يزعج إسرائيل وواشنطن فقط، بل قطعة أساسية في لعبة الممرات الآسيوية. وكلما اشتد الضغط عليها، أو زادت عزلتها، أو تعثرت قدرتها على أداء هذا الدور، تتأثر تلقائيا خيارات الهند، وتتبدل حسابات الخليج، وتتعقد خرائط المنافسة مع الصين.
اللافت في قصة ميناء “تشابهار” أن الولايات المتحدة نفسها تكشف، من حيث لا تريد أحيانا، هذا البعد الجيوسياسي المعقد. فهي من جهة تعادي إيران وتفرض عليها عقوبات وتخوض ضدها سياسة ضغط قاسية، لكنها من جهة أخرى تعاملت مع هذا الميناء في فترات معينة بمرونة واضحة عبر إعفاءات من العقوبات سمحت للهند بتطويره وتشغيله، لأنه يخدم ترتيبات تتصل بأفغانستان وآسيا الوسطى، وتقلّل الاعتماد على المسارات الباكستانية.
وإذا كانت الصين تبني نفوذها عبر شبكة واسعة من البنى والممرات والعلاقات، وإذا كان المشروع الهندي-الخليجي-الأوروبي يحاول صناعة ممر يوازن هذا النفوذ، فإن الشرق الأوسط يتحول إلى ساحة صراع على الوساطة والعبور، تماما كما كان في الأزمنة القديمة، مع فارق الأدوات فقط.
دون استحضار هذا البعد الجيو-استراتيجي، تبدو الحرب الحالية كأنها انفجار مفاجئ بين خصوم قدامى، بينما هي في الحقيقة حلقة داخل صراع أوسع على مركزية آسيا، وعلى مستقبل الخليج، وعلى شكل العبور بين الهند وأوروبا، وعلى من يملك حق تحديد طرق التجارة في القرن الحادي والعشرين.