إنكار الفراقشية
ليس أخطر من الغلاء… سوى إنكاره. وأن يخرج وزير من حزب يقود الحكومة في شخص أكبر تاجر محروقات في البلاد، ليقول إن “الفراقشية” مجرد خيال، فذلك لا يمكن أن يقرأ كاختلاف في التقدير، بل كمحاولة لإعادة تعريف الواقع عبر نفيه. وهو ما خرج الوزير لحسن السعدي عبر القناة الثانية ليلة أمس لفعله.
هكذا، يتحول النقاش من مساءلة السوق إلى مساءلة اللغة التي تصفها، ومن تحليل الوقائع إلى التشكيك في وجودها.
لكن المفارقة لا تقف هنا. لأن هذا “الخيال” الذي يتم نفيه اليوم، هو نفسه الذي صاغه حزب الاستقلال سياسيا من داخل الحكومة، وتبناه حزب الأصالة والمعاصرة في بلاغ مكتبه السياسي الأخير، حين تحدث عن “تجار الأزمات” الذين يركبون على التقلبات الدولية لرفع الأسعار.
فجأة، يصبح ما يشبه الإجماع السياسي والاجتماعي مجرد وهم بالنسبة لوزراء الحمامة، لأن النقاش وصل إلى الجهة التي تدير السوق وتتحكّم فيه، ويعرفونها جيّدا. وهو أمر طبيعي في الحقيقة، لأن من غير المنطقي مطالبة طرف بالشهادة ضد نفسه.
غير أن الواقع، حين ينكر سياسيا، لا يختفي من الوجود، بل يعود عبر الأرقام، ويصبح أكثر صلابة وأقل قابلية للمناورة. مجلس المنافسة، وهو مؤسسة دستورية لا تحسب على المعارضة ولا تتكلم بلغة الشارع، وتبدو في غاية المهادنة مع الحكومة الحالية، قدّم معطيات تفيد أن الزيادة الدولية في أسعار الغازوال بلغت 2,92 درهم للتر خلال النصف الأول من مارس، لينعكس منها في السوق الوطنية 2,03 دراهم، أي بنسبة انتقال في حدود 69,5%.
رقم قد يبدو، في القراءة الأولى والسطحية، وكأنه يخفف من وطأة الصدمة. كأن السوق كانت “رحيمة” بالمستهلك، ولم تمرر له كامل الكلفة.
في الأدبيات الدولية، كما يمكننا أن نطالع في تقارير الوكالة الدولية للطاقة ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، لا ينتقل أثر الأسعار بشكل فوري، إلا في بعض النماذج التي تعيش قانون السوق “على حقّو وطريقو”.
هناك دائما زمن تقني يفصل بين السوق الدولية والمضخة، بفعل المخزون الذي تم اقتناؤه بأسعار أقل، وعقود توريد تعتمد متوسطات الأسعار وليس السعر الفعلي، وسلسلة اللوجستيك التي لا تتغير بنفس سرعة السوق ولا علاقة لها بتقلّبات المنتجات.
لذلك، فإن انتقالا في حدود 60% إلى 80% في الأيام الأولى يعد سلوكا طبيعيا في أسواق تنافسية مثل فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا. لكن الطبيعي، في هذه الحالات، ليس الرقم في حد ذاته، بل مساره الذي يجعل هذا التأخر مؤقتا، ويستدرك خلال أسبوعين أو ثلاثة مع تجدد المخزون.
هنا يتغير معنى نسبة 69,5%. لأنه لا يعني أن المستهلك نجا من 30% من الزيادة، بل يعني فقط أنه لم يدفعها بعد. الفارق البالغ 0,89 درهم لا يضيع بين السوق الدولية والمحطات، بل يبقى معلقا، ينتظر لحظة تمريره. وهذا ما تؤكده بوضوح دراسات صندوق النقد الدولي، التي تعتبر أن الفوارق قصيرة الأمد لا تعكس سياسة حماية، بل توزيعا زمنيا للصدمة.
وإذا كان الارتفاع الدولي للأسعار يعود إلى بداية مارس، فإن تسجيل زيادة محلية تفوق درهمين خلال نصف شهر فقط يعني أن السوق لم تنتظر نفاد المخزون القديم، بل بدأت في تمرير الزيادة بسرعة نسبية. هذا ما يعرف بالتسعير الاستباقي الذي يؤدي إلى رفع الأسعار قبل أن ترتفع الكلفة الفعلية بالكامل. وهو سلوك معروف، لكنه في الأسواق التنافسية يكون متوازنا، وما يرفع بسرعة يخفض بسرعة، وما يؤجل يشمله التأجيل في الاتجاهين، صعودا ونزولا.
غير أن المعطى الثاني الذي كشفه مجلس المنافسة ينسف هذا التوازن المفترض. ففي البنزين، لم يقتصر الأمر على ارتفاع نسبي للزيادة، بل تجاوزت الزيادة ما وقع في المتوسط العالمي. ارتفعت الأسعار الدولية بـ1,26 درهم للتر، بينما وصلت الزيادة في السوق الوطنية إلى 1,43 درهم، أي بفارق زائد قدره 0,17 درهم.
في مادة، يتم تأجيل جزء من الزيادة، وفي أخرى، يتم تمرير أكثر مما تفرضه الكلفة. لا تناقض في ذلك، لأنه يعكس نمط اشتغال سوق فاسدة. ولحسن حظّنا أن مجلس المنافسة انتبه أخيرا إلى أن قاعدة تعديل الأسعار كل أسبوعين، تفتح الباب واسعا أمام إمكانية التفاهم المسبق والتواطؤ لين الفاعلين الكبار.
يقول هذا النمط إن السوق لا تعكس الأسعار كما هي، بل تعيد تشكيلها زمنا وحجما. وما لم يمرّر هنا يؤجل، وما يمكن تمريره هناك يستبق أو يضخَّم. والنتيجة واحدة، هي مستهلك لا يستفيد من التأخر، ولا يحمى من الزيادة، بل يتلقى الكلفة كاملة، وأحيانا أكبر مما حصل بالفعل.
هذا هو جوهر النقاش الذي يتم الهروب منه. ليس لأن “الفراقشية” كلمة مزعجة، بل لأن الاعتراف بها يعني الإقرار بأن السوق لا تشتغل فقط بقانون العرض والطلب، بل أيضا بميزان القوة داخلها.
في هذا السياق، تبدو الإجراءات الحكومية نفسها اعترافا غير معلن. دعم النقل، وتثبيت أسعار الغاز، والحفاظ على تعريفة الكهرباء، واجتماعات اللجان الوزارية… كلها تدخلات لتخفيف الأثر، لا لمعالجة السبب.
الدولة تتدخل لحماية المواطن من نتائج السوق، لكنها لا تتدخل في قواعد اشتغالها وتخليقها. وهنا نلتقي مفارقة إنكار وجود اختلال، بينما يتم التعامل مع نتائجه كأزمة تستوجب الدعم.
المسألة في النهاية ليست لغوية، ولا تتعلق بتأكيد كلمة “الفراقشية” أو نفيها. المسألة أبسط وأخطر في الوقت نفسه، وتتعلّق بسؤال “هل تعكس الأسعار الكلفة الحقيقية فعلا، أم تعكس قدرة من يحدّدها على اختيار اللحظة المناسبة لتمريرها؟”.
الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد إن كنا أمام دولة لها سوق، أم سوق يتحكّم في الدولة.