“إحراج للمنصوري”.. ما دلالات الاهتمام الإسرائيلي بتعيينها رئيسة للحكومة؟
لم تتعامل وسائل الإعلام الإسرائيلية مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية بوصفه شأناً داخلياً محضاً. فغداة تكليفها بتشكيل الحكومة، تصدّرت المنصوري التغطيات والتحليلات في تل أبيب، بالتزامن مع تسارع برقيات التهنئة من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ووزير الخارجية جدعون ساعر، في وقت دخلت فيه العلاقات بين الرباط وتل أبيب، قبل أيام فقط، مرحلة جديدة أعلن خلالها الطرفان التوجه نحو رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات.
وكان الملك محمد السادس قد استقبل المنصوري، يوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، وعيّنها رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، مكلّفاً إياها بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب تصدّر حزب “الأصالة والمعاصرة” -الذي تتولى تنسيق قيادته الجماعية- نتائج انتخابات 23 شتنبر بنيله 97 مقعداً من أصل 395 بمجلس النواب.
وفي هذا السياق، رأت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن وصول المنصوري إلى رئاسة الجهاز التنفيذي يمثّل تحولاً سياسياً “لن يمسّ جوهر العلاقات المغربية الإسرائيلية أو اتفاقيات أبراهام”. وعزت الصحيفة ذلك إلى طبيعة بنية النظام السياسي المغربي ومحورية المؤسسة الملكية في إدارة الملفات الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العلاقات التشاركية “أضحت تُدار عبر قنوات ومؤسسات تتجاوز الحكومة وحدها”.
كما أفردت الصحيفة ذاتها مساحة لتسليط الضوء على علاقة المنصوري بالجالية اليهودية في مراكش؛ حيث نقلت عن رئيس الجالية، جاكي قدوش، انطباعاته عن معرفته الوثيقة بها واستقبالها وفوداً يهودية في منزلها إبان توليها عمودية المدينة، مؤكداً أنها “ستواصل السير على النهج الملكي”.
من جانبها، توقّفت صحيفة “إسرائيل هيوم” عند موقع حزب “الأصالة والمعاصرة”، مبينةً أنه يُصنّف في الأوساط الإسرائيلية كحزبٍ قريب من القصر، وربطت تصدره الاقتراع بإمكانية بناء ائتلاف حكومي مرتقب مع حزبي “التجمع الوطني للأحرار” و”الاستقلال” لتأمين الأغلبية البرلمانية.
البوحسيني: محاولة إسرائيلية لتسويق القبول
في هذا الصدد، تسلّط الأكاديمية والمحللة السياسية لطيفة البوحسيني الضوء على محاولات تل أبيب استغلال الظرفية الانتخابية المغربية لتسويق انطباعٍ مفاده اتساع رقعة قبولها عربياً.
وتوضح البوحسيني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “الكيان الإسرائيلي يسعى لتمرير صورة إعلامية تدّعي أنه أضحى كائناً مقبولاً وتجمعه علاقات طبيعية ودولية، بغرض ترويج ذاته كطرفٍ يحظى بالقبول في المنطقة”.
وتلفت البوحسيني إلى أنه، ورغم اتخاذ العلاقات الرسمية مساراً تطبيعياً، فإن الشارع المغربي يواصل التعبير عن رفضه القاطع عبر مسيرات وتظاهرات حاشدة تُجسّد الموقف الشعبي التاريخي والثابت في دعم القضية الفلسطينية. وترى أن تل أبيب تحاول التظاهر باستقرار هذه العلاقات؛ إذ تسعى لإيحاء بأن النظام السياسي “مصممٌ على المضي قدماً في التطبيع مهما بلغت المعارضة الشعبية”.
وحول مواقف المنصوري إبان الحملة الانتخابية -ولا سيما محاولتها التبرؤ من الدعم المنسوب لجهات مقرّبة من الدوائر الإسرائيلية- تعتبرها البوحسيني محاولة لتحصين رصيدها الانتخابي، مشيرة إلى ظهور “ارتباك وتردد واضحين في تصريحاتها نتيجة إدراكها الجازم بالرفض الشعبي الشامل للتطبيع، دون اتخاذ موقف مبدئي حاسم”.
ولا تتوقع البوحسيني أن يُحدث وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة تحولاً في خيارات حزبها، لكنها تحذر من أبعادٍ أكثر خطورة تتمثل في تغلغل التطبيع وتجاوزه السقف السياسي إلى النسيج المجتمعي، عبر قطاعات حيوية كالتعليم، والجامعات، والثقافة، والفلاحة، والأمن الغذائي؛ وهو مسار تشدد على أنه “يضع البلاد عملياً في منطقة خطر حقيقي”. وعن تهنئة الرئيس الإسرائيلي، ترى البوحسيني أنها تنطوي على “رسالة إحراج سياسي مُوجّهة إلى المنصوري”.
حامي الدين: مناورة لإحراج رئيسة الحكومة
من جهته، يذهب الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عبد العالي حامي الدين إلى قراءة التهنئة الإسرائيلية في ضوء التصريحات السابقة للمنصوري، قائلًا: “ينبغي تسجيل أن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وقبل تعيينها رئيسة للحكومة، وضعت مسافة بينها وبين تيار ‘كلنا إسرائيليون’ وتبرأت منه علانية، وهو ما ينبغي ملاحظته”.
وفي الوقت ذاته، يتوقف حامي الدين، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، عند المركز الدستوري والسياسي للمنصوري لحظة ورود التهنئة، موضحاً أنها لم تستكمل بعد مسار التنصيب الرسمي.
ويشدد في هذا الصدد على أن “المنصوري هي رئيسة حكومة مكلفة بتشكيل الحكومة، ولم تستكمل بعد تنصيبها، إذ لا يتم ذلك إلا بعد توفرها على الأغلبية البرلمانية وتنصيبها من طرف مجلس النواب عقب المصادقة على برنامجها الحكومي طبقاً للدستور”.
ويخلص حامي الدين إلى أن التهنئة الصادرة عن تل أبيب تحمل أبعاداً مناورة، مشيراً إلى أنه “في إطار الخبث المعروف لهذا الكيان، تأتي هذه الخطوة لإحراج رئيسة الحكومة”.
واعتبر ذلك محاولة لشق الصف الشعبي والوطني “الرافض لممارسات هذا الكيان الغاصب المتابع بجريمة الإبادة الجماعية أمام القضاء الدولي”.
ويأتي ذلك امتداداً لسجال انتخابي حاد اندلع إبان الحملة الانتخابية، عقب إعلان الإعلامي أحمد الشرعي دعم مجموعته الإعلامية لحزب الأصالة والمعاصرة؛ قبل أن يطالب عبد الإله ابن كيران المنصوري باتخاذ موقف صريح من الشرعي ودعمه.
وكانت المنصوري قد سارعت، خلال مهرجان انتخابي بإقليم الرحامنة، إلى نفي أي صلة بالشرعي، مؤكدة أنها لا تربطها به أي معرفة شخصية أو اتصالات هاتفية، ورافضة تحميلها تبعات مواقفه السياسية.
وتساءلت مستنكرة: “لقد منح مليون و400 ألف مغربي أصواتهم لحزب الأصالة والمعاصرة في انتخابات 2021.. فهل يُعقل أن نعرف كل من يدعمنا؟”. واعتبرت أن إقحام اسمها في هذا الملف يهدف إلى التشكيك في مواطنتها الإساءة لصورتها، مشددة بالقول: “أعتز بتمغربيتي، وليست لدي أي أجندة سوى خدمة هذا الوطن”.