أحمد التويزي.. من قواعد اليسار الاتحادي إلى ثالث مناصب الدولة عبر حزب “مستشار الملك”
انتُخب أحمد التويزي، رئيس الفريق النيابي السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسا لمجلس النواب، مرشحا للأغلبية البرلمانية التي تضم أربعة أحزاب، وذلك بعد تصدر حزبه نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، بحصوله على 97 مقعدا.
وكانت صحيفة “صوت المغرب” قد كشفت، الأسبوع الماضي، أن التويزي هو مرشح الأغلبية لرئاسة مجلس النواب، وفق ما أفادت به حينها مصادر مطلعة للصحيفة، بالتزامن مع المشاورات التي أفضت إلى تشكيل أغلبية حكومية جديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويصل التويزي إلى رئاسة الغرفة الأولى للبرلمان بعد مسار سياسي امتد لعقود، تقلد خلاله مسؤوليات متعددة في تدبير الشأن المحلي والجهوي والعمل التشريعي، من رئاسة جماعة آيت أورير ومجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز إلى قيادة الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية 2021-2026، التي شارك فيها حزبه في الأغلبية الحكومية إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.
غير أن مساره لم يخل من محطات أثارت الجدل، من بينها تنقلاته الحزبية، وملف قضائي مرتبط بتدبير المال العام، فضلا عن تصريحاته بشأن “طحن الورق” ضمن الدقيق المدعم، والتي أثارت جدلا واسعا، فضلا عن خلافات بشأن تدبير بعض الملفات داخل الأغلبية الحكومية السابقة.
من التعليم إلى السياسة
بدأ أحمد التويزي مساره المهني في قطاع التعليم، وانخرط في العمل السياسي سنة 1974 عبر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمراكش، الذي كان يقوده عبد الله إبراهيم. وكان الحزب قد تأسس سنة 1959 إثر انشقاق عن حزب الاستقلال، قبل أن ينقسم صفه سنة 1974، ويغير الجناح الذي قاده عبد الرحيم بوعبيد اسمه إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيما استمر جناح عبد الله إبراهيم تحت اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
انتقل التويزي إلى تدبير الشأن المحلي بإقليم الحوز، حيث تولى رئاسة جماعة آيت أورير خلال فترتين، الأولى بين 1992 و1997، عن حزب الاتحاد الدستوري والثانية بين 2002 و2012، حيث ترشح في انتخابات 2003 الجماعية باسم الاتحاد الدستوري، قبل خوضه انتخابات 2009 باسم حزب الأصالة والمعاصرة، إذ كان من الرعيل والأسماء الأولى التي التحقت وساهمت في تجربة تأسيس “البام”.
وبعد توقف لسنوات، عاد إلى رئاسة المجلس الجماعي إثر الانتخابات الجزئية التي شهدتها المدينة سنة 2020، قبل إعادة انتخابه في شتنبر 2021.
وشكلت آيت أورير قاعدة أساسية في مساره الانتخابي، إذ جمع من خلالها بين الحضور المحلي والتدرج نحو مواقع المسؤولية على المستويين الجهوي والوطني. ولم يقتصر نشاطه على الجماعة، بل امتد إلى مجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، حيث تولى مناصب داخل المجلس، قبل انتخابه رئيسا له سنة 2012 خلفا لحميد نرجس.
وغادر التويزي رئاسة جماعة آيت أورير سنة 2012، بعدما انتخب رئيسا لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، وخلفه في رئاسة الجماعة ابن عمه لحسن التويزي خلال ما تبقى من الولاية الانتخابية.
وبعد سنوات من ابتعاده عن رئاسة الجماعة، عاد إليها عبر الانتخابات الجزئية التي جرت في 23 يوليوز 2020، عقب حكم المحكمة الإدارية بمراكش في 11 فبراير من السنة نفسها بحل المجلس الجماعي الذي كان يقوده حزب العدالة والتنمية، بسبب حالة الجمود التي عرفها منذ أكتوبر 2017، خصوصا بعد تعثر المصادقة على الميزانية وعدد من المقررات.
وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة التويزي، نتائج الانتخابات الجزئية بـ19 مقعدا من أصل 29، وانتخب التويزي رئيسا للمجلس في 3 غشت 2020.
وسبق له أن شغل عضوية المجلس الأعلى للتعليم لمدة ست سنوات، كما اضطلع بمسؤوليات داخل مجلس المستشارين، من بينها مهام مرتبطة بمكتب المجلس ومحاسبته.
وخلال الولاية التشريعية 2021-2026، التي شارك فيها حزب الأصالة والمعاصرة في الأغلبية الحكومية إلى جانب حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، تولى التويزي رئاسة الفريق النيابي لحزبه بمجلس النواب، ليكون في واجهة الدفاع عن الحصيلة الحكومية وتدبير مواقف الفريق من الملفات الخلافية داخل الأغلبية.
تنقلات حزبية
لم يتشكل المسار الحزبي للتويزي داخل تنظيم سياسي واحد. فبعد بداياته في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، انتقل إلى الاتحاد الدستوري، ثم حزب الحركة الشعبية، قبل الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة.
وجاء التحاق التويزي بحزب الأصالة والمعاصرة في سياق تأسيس الحزب سنة 2008، بمبادرة من مجموعة من الفاعلين السياسيين الذين التفوا حول “حركة لكل الديمقراطيين”، التي أطلقها فؤاد عالي الهمة، وزير الداخلية المنتدب السابق ومستشار الملك لاحقا.
وفي إحدى مقابلاته سئل عن الانتقال من حزب ذي جذور يسارية إلى أحزاب أخرى تختلف عنه في التموقع السياسي. ورد بأن اختياره الاتحاد الدستوري ارتبط برغبته، مع مجموعة من الشباب، في المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، في وقت لم يكن فيه عبد الله إبراهيم راغبا في المشاركة السياسية آنذاك.
كما أوضح أن خلافاته اللاحقة كانت، حسب تعبيره، مع أشخاص داخل الحزب أكثر من كونها خلافات مع توجهاته ومبادئه، مضيفا أن الاتحاد الدستوري ظل بالنسبة إليه بمثابة “المدرسة المرجعية”، قبل أن ينتقل إلى الحركة الشعبية ثم الأصالة والمعاصرة.
وفي أكتوبر 2011، انتخب التويزي أمينا عاما جهويا للأصالة والمعاصرة بجهة مراكش تانسيفت الحوز، خلفا لحميد نرجس. ومن خلال هذا الموقع، عزز حضوره داخل الحزب، بالتوازي مع مسؤولياته الانتخابية بالجهة.
قضية تدبير آيت أورير
من أبرز الملفات التي أثارت الجدل حول أحمد التويزي القضية المرتبطة بتدبير جماعة آيت أورير خلال فترة رئاسته لها بين 2009 و2012، والتي انتهت قضائيا ببراءته من تهم تبديد أموال عمومية والمشاركة في ذلك.
وتعود خلفية القضية إلى ملاحظات أوردها المجلس الأعلى للحسابات بشأن تدبير المشاريع والصفقات العمومية بالجماعة، وهي الملاحظات التي استندت إليها شكايات طالبت بفتح تحقيق في شبهات اختلالات مالية وتدبيرية. وفي 2 يناير 2019، تقدمت الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب بشكاية في الموضوع، وفق ما أوردته تقارير صحافية آنذاك.
وفي فبراير 2020، استنطق قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمراكش التويزي في إطار التحقيقات المرتبطة بالملف، وأخضعه للمراقبة القضائية مع سحب جواز سفره، وذلك على خلفية شبهات بشأن صفقات عمومية وتدبير المال العام.
وفي 29 دجنبر 2023، كان الملف الذي يتابع فيه التويزي وموظف جماعي ومقاول بتهمتي تبديد أموال عمومية والمشاركة في ذلك لا يزال معروضا على غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش، التي قررت تأجيله إلى فبراير 2024 لاستكمال الخبرة التقنية المتعلقة ببعض الصفقات موضوع القضية.
وفي 3 ماي 2024، قضت الغرفة بعدم مؤاخذة التويزي ومن معه، وبراءتهم من التهم المنسوبة إليهم، مع التصريح بعدم الاختصاص في المطالب المدنية. وخلال المحاكمة، اعتبر دفاع التويزي أن الملاحظات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات لا تعني بالضرورة وجود فساد أو اختلاس للمال العام، وقدم تفسيرات لبعض المشاريع والصفقات التي شملتها القضية.
جدل طحن الورق
في أكتوبر 2025، عاد اسم التويزي إلى واجهة النقاش العام على خلفية تصريحاته بشأن الدقيق المدعم، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026.
فقد تحدث، خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، عن شركات قال إنها “تطحن الأوراق فقط” وتقدمها باعتبارها دقيقا مدعما موجها إلى الفئات الفقيرة، في سياق انتقاده طريقة تدبير الدعم العمومي المخصص لهذه المادة، والذي أشار إلى بلوغه 16.8 مليار درهم.
وأثارت التصريحات جدلا واسعا، بسبب ما حملته من إيحاءات بشأن احتمال وجود تلاعب في مادة غذائية موجهة إلى فئات اجتماعية هشة، قبل أن يصدر التويزي توضيحا قال فيه إن عبارة “طحن الورق” لم تكن مقصودة بمعناها الحرفي، وإنما استخدمها مجازا للدلالة على التلاعب في الوثائق والفواتير المقدمة إلى المصالح المختصة بغرض الحصول على الدعم العمومي.
وأكد التويزي على أن حديثه “لم يكن اتهاما بخلط الورق بالدقيق أو بمواد غذائية أخرى”، بل كان يستهدف ما وصفه بشبهات التلاعب في فواتير الدعم. غير أن التوضيح لم ينه الجدل الذي صاحب التصريحات.
وفي 30 أكتوبر 2025، أمر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط بفتح بحث قضائي بشأن المعطيات التي أثيرت حول خلط الورق بالدقيق أو طحنه معه. وأعلن التويزي ترحيبه بفتح البحث واستعداده للإدلاء بما لديه من معطيات، مشيرا حينها إلى أنه لم يتلق استدعاء.
وأثار الملف نقاشا داخل مجلس النواب حول الحصانة البرلمانية وفصل السلط، بعدما دعت فرق برلمانية إلى التعامل مع الموضوع في إطار احترام اختصاصات المؤسسات.
خلاف داخل الأغلبية
لم تقتصر الملفات المثيرة للجدل المرتبطة بالتويزي على القضايا ذات الطابع القضائي؛ فقد برز اسمه أيضا في خلاف سياسي داخل الأغلبية الحكومية السابقة بشأن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول استيراد المواشي والدعم الموجه إلى القطاع.
ففي يونيو 2026، انخرط فريق الأصالة والمعاصرة، إلى جانب الفريق الاستقلالي والفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، في مبادرة دعت مكونات المعارضة إلى التداول بشأن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول أشكال الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية، في خطوة غاب عنها فريق التجمع الوطني للأحرار.
وفي 4 شتنبر من السنة نفسها، انتقد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة آنذاك، موقف التويزي من الملف، متحدثا عن تواصل رئيس الفريق البرلماني للأصالة والمعاصرة مع المعارضة ودعوته إياها إلى تقديم طلب تشكيل اللجنة، مع إبداء الاستعداد لتوقيعه. وتساءل أخنوش عن “الوفاء داخل الأغلبية”، معتبرا أن ما جرى يعكس تناقضا في تدبير الموقف من المبادرة.
وكان موقف التويزي، في هذا الملف، مرتبطا بآلية من آليات الرقابة البرلمانية على الدعم العمومي، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تباين في المواقف بين مكونات الأغلبية، حتى قبل انتهاء الولاية الحكومية.
يصل التويزي اليوم إلى رئاسة مجلس النواب بعد ترؤسه الفريق النيابي لحزبه خلال الولاية التشريعية 2021-2026، التي شارك فيها الأصالة والمعاصرة في الأغلبية الحكومية إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.
وبانتخابه رئيسا للمجلس، ينتقل التويزي من قيادة فريق حزبي إلى رئاسة المؤسسة التشريعية، التي تشمل مهامها تدبير الجلسات وأشغال المجلس، والسهر على تطبيق نظامه الداخلي، وتنظيم العلاقة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، في إطار الاختصاصات التي يحددها الدستور والقانون.