حين يستعمرنا لسان المستعمِر.. لماذا نصر على التقدم باللغة الفرنسية؟
أعادت الكلمة التي ألقتها رئيسة الحكومة المغربية المعينة حديثا، فاطمة الزهراء المنصوري، باللغة الفرنسية خلال مشاركتها في القمة الروسية الإفريقية بموسكو، يوم 29 أكتوبر 2026، طرح سؤال قديم يتجدد كلما تعلق الأمر بعلاقة المغرب بلغته وبإرثه الاستعماري. فالمسألة هنا لا تتعلق باللغة التي اختارتها مسؤولة حكومية للتواصل في محفل دولي فحسب، وإنما بما يعكسه هذا الاختيار من استمرار حضور الفرنسية في تمثيل الدولة، حتى بعد عقود من الاستقلال، وفي وقت ينص فيه الدستور على رسمية العربية والأمازيغية. وهنا تبرز مفارقة تستحق المساءلة: كيف لدولة تعلن استقلال قرارها السياسي وهويتها الوطنية أن تظل أسيرة إرث لغوي خلفه الاستعمار؟ وهل نحن أمام اختيار تواصلي تفرضه اعتبارات عملية، أم أمام امتداد لاستعمار ثقافي لم تنجح مرحلة الاستقلال في تفكيكه؟
ليس المقصود من هذا التساؤل الدخول في خصومة مع اللغة الفرنسية، فهي لغة ذات رصيد أدبي وفلسفي وعلمي معتبر، ومن حق المغاربة تعلمها وإتقانها والاستفادة من إنتاجها الثقافي والمعرفي. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول من لغة أجنبية نتعلمها إلى لغة امتياز، ومن أداة للتواصل إلى معيار ضمني للتقدم العلمي والكفاءة والرقي الاجتماعي، وحين يصبح إتقانها شرطا غير معلن للولوج إلى بعض مواقع المسؤولية والفرص المهنية والعلمية.
ولفهم هذه المفارقة، ينبغي العودة إلى السياق التاريخي للاستعمار الفرنسي، الذي لم يقتصر على السيطرة على الأرض والاقتصاد، بل امتد إلى إعادة تشكيل الإدارة والتعليم وإنتاج النخب. فقد أصبحت الفرنسية لغة الإدارة والوظيفة والارتقاء الاجتماعي، وتكونت حولها شبكات من المصالح والامتيازات استمرت بعد الاستقلال. ومع مرور الزمن، لم تعد الحاجة إلى فرضها تأتي من الخارج بالضرورة، بل أصبح المجتمع نفسه يعيد إنتاج مكانتها، وأصبحت بعض النخب الوطنية أكثر تمسكا بها، باعتبارها رأسمالا رمزيا واجتماعيا يميزها عن بقية المواطنين.
وهنا تكتسب فكرة ابن خلدون عن ولع المغلوب بالاقتداء بالغالب دلالتها العميقة؛ فالهزيمة لا تنتهي دائما بخروج المستعمِر، بل قد تستمر في الوعي الجماعي، حين يقتنع المغلوب بأن طريق التقدم يمر عبر تقليد المنتصر، وأن لغته وثقافته ونموذجه الحضاري أكثر أهلية للمستقبل من لغته وثقافته. غير أن المسألة لا تتعلق بعقدة نفسية فقط، بل أيضا بمصالح مؤسساتية واقتصادية واجتماعية تجد في استمرار هذا الوضع ضمانا لإعادة إنتاج امتيازاتها.
لكن هل كانت الفرنسية، تاريخيا، لغة العلم الوحيدة أو الأكثر تفوقا؟ الحقيقة أن مكانة اللغات في إنتاج المعرفة لم تكن ثابتة، بل ارتبطت دائما بمراكز القوة العلمية والاقتصادية. فقد كانت العربية، خلال قرون، لغة أساسية في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة، وأسهمت مؤلفات علمائها في نقل المعرفة وتطويرها. ثم احتلت اللاتينية موقعا مركزيا في الجامعات الأوروبية، قبل أن تصعد الفرنسية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لغة للفلسفة والدبلوماسية والعلوم. وبعد ذلك أصبحت الألمانية، خصوصا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، من أبرز لغات البحث في الفيزياء والكيمياء والطب. ثم انتقلت مركزية النشر العلمي والتواصل الأكاديمي، بعد الحرب العالمية الثانية، بصورة متزايدة إلى الإنجليزية، بالتوازي مع صعود الولايات المتحدة مركزا للقوة العلمية والاقتصادية.
إذن، لم تكن الفرنسية لغة العلم الوحيدة، كما أن الإنجليزية لم تولد لغة علمية متفوقة بذاتها. إنما تكتسب اللغات مكانتها من المؤسسات والجامعات والمختبرات والاستثمارات التي تنتج المعرفة بها. وهذه هي النقطة التي كثيرا ما يغيب استحضارها في النقاش المغربي: اللغة لا تصبح لغة علم بمجرد إعلان ذلك، وإنما حين تتحول إلى وعاء للتعليم والتأليف والبحث والتجريب والإنتاج.
وتقدم تجارب الدول دروسا واضحة في هذا الاتجاه. فتركيا بعد تأسيس جمهوريتها الحديثة، واليابان خلال تحديثها وإعادة بنائها بعد الحرب العالمية الثانية، والصين في تجربتها التنموية المعاصرة، لم تجعل من لغة أجنبية بديلا عن لغاتها الوطنية في بناء مؤسساتها. لقد انفتحت على العلوم والتكنولوجيا الأجنبية، واستثمرت في الترجمة والتكوين، لكنها احتفظت بلغاتها أدوات أساسية للتعليم والإدارة وإنتاج المعرفة. ولم يكن ذلك انغلاقا، بل ممارسة للسيادة المعرفية.
أما في المغرب، فتتجاوز المفارقة مسألة الاختيار اللغوي إلى آثارها الاجتماعية والتربوية. فحين يتلقى التلميذ تعليمه الأساسي بالعربية، ثم يجد نفسه أمام الفرنسية لغة للتدريس في عدد من التخصصات العلمية بالجامعة، فإننا نضعه أمام انتقال لغوي ومعرفي قد لا تكون له علاقة بقدراته العلمية. وتصبح الكفاءة في لغة أجنبية عاملا إضافيا للفرز الاجتماعي، يستفيد منه أبناء الأسر الميسورة أكثر من غيرهم. وهكذا لا تعود اللغة مجرد وسيلة للتعلم، بل تتحول إلى حاجز أمام تكافؤ الفرص.
والأكثر إثارة للانتباه أن الفصل الخامس من الدستور المغربي لم يكتف بإقرار العربية لغة رسمية للدولة، بل جعل الأمازيغية أيضا لغة رسمية، ودعا إلى حمايتهما وتطويرهما، كما نص على تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم باعتبارها وسائل للانفتاح والتواصل مع مجتمع المعرفة. أي إن الدستور لم يضع اللغات الأجنبية في مواجهة اللغات الوطنية، وإنما رسم علاقة يفترض أن تقوم على التكامل.
ولا ينبغي أن نقع، ونحن ننتقد الهيمنة الفرنسية، في استلاب جديد لصالح الإنجليزية. فاستبدال لغة أجنبية بأخرى دون تغيير فلسفة التعليم وسياسة إنتاج المعرفة ليس تحررا، بل مجرد انتقال من دائرة تبعية إلى أخرى. فالمطلوب ليس الاختيار بين الفرنسية والإنجليزية، وإنما امتلاك القدرة على تعلمهما معا، دون أن يكون ذلك على حساب بناء لغة وطنية منتجة للعلم والمعرفة.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يؤرقنا بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال ليس لماذا نتحدث الفرنسية، بل لماذا لم نستطع بعد بناء منظومة علمية وتعليمية تجعل لغاتنا الوطنية قادرة على احتضان المعرفة وإنتاجها وتداولها؟ ولماذا ما زلنا نربط التقدم العلمي والتكنولوجي بلغة المستعمِر، عوض ربطها بجودة المدرسة والجامعة والمختبر ومؤسسات البحث؟
فالأمم لا تتقدم لأنها تتحدث لغة الأقوياء، وإنما تصبح قوية حين تمتلك مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة بلغاتها، وتتعلم لغات الآخرين دون أن تتخلى عن لغاتها. والاستقلال الذي لا يمتد إلى المدرسة والجامعة والإدارة ومؤسسات إنتاج المعرفة يظل استقلالا منقوصا؛ ذلك أن أخطر أشكال الاستعمار ليس أن يفرض المستعمِر لغته علينا، بل أن نصل إلى مرحلة نعتقد فيها أن لغتنا لا تستطيع أن تحملنا إلى المستقبل.