قضية الصحراء.. الرباط كانت على “علم مسبق” بالفيتو الروسي
يأتي تصويت مجلس الأمن الدولي على مشروع القرار المتعلق بقضية الصحراء المغربية، في صيغته “الزرقاء”، التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، في سياق دبلوماسي اتسم بتباين مواقف القوى الدولية حول الصيغة الأمريكية المقترحة لتدبير ملف الصحراء، وانتهى برفض المشروع بعد استخدام روسيا حق النقض “الفيتو” وتقديمها مشروع قرار مضاد رُفض هو الآخر.
غير أن ما سبق التصويت وما أعقبه كشف عن تحركات واتصالات دبلوماسية لم تكن كل تفاصيلها معلنة، خصوصا على مستوى العلاقات المغربية الروسية، في وقت كانت فيه الرباط تستعد للتعامل مع مآلات القرار الأممي وفق تصور يتجاوز مجرد تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو” أو تعديل مهامها.
وفي هذا السياق، تكشف معطيات أوردتها صحيفة “لوديسك” (LeDesk) أن موسكو أبلغت المغرب مسبقا بمعارضتها للمشروع الأمريكي وبنيتها استخدام حق النقض “الفيتو”، وهو ما يسلط الضوء على خلفيات الموقف الروسي، وكيف تعاملت الرباط معه، وما ترتب عنه من خطوات دبلوماسية مغربية.
ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، فإن الموقف الروسي كان معروفا لدى الدبلوماسية المغربية قبل انعقاد جلسة التصويت، ما جعل مآلها لا يشكل مفاجأة للرباط.
وأوضحت “لوديسك”، استنادا إلى معلومات قالت إنها حصلت عليها، أن موسكو بعثت إلى الرباط رسالة تضمنت موقفها من المشروع الأمريكي، وأبلغتها رفضها له واستعدادها لاستخدام الفيتو ضده، مع الإشارة إلى عزمها تقديم مشروع قرار مضاد.
وجاء ذلك في سياق أسبوع من الاتصالات الدبلوماسية بين البلدين، شمل اتصالا هاتفيا أجراه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة بنظيره الروسي سيرغي لافروف في 23 أكتوبر 2026، قبل أن يلتقيه في موسكو يوم 28 أكتوبر الجاري، على هامش القمة الروسية الإفريقية الثالثة.
وفي اليوم نفسه، أعادت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا التأكيد على أن موقف موسكو من قضية الصحراء لم يتغير. كما قدمت روسيا، صباح يوم التصويت، مشروع قرار مضادا يقضي بتمديد ولاية بعثة المينورسو لمدة سنة، دون تغيير اسمها أو مهامها.
وبحسب الصحيفة، فقد حسمت الرسالة الروسية أي التباس بشأن موقف موسكو، خصوصا أن مشروع القرار الأمريكي، رغم إدخال تعديلات عليه خلال مراحل التفاوض، ظل يتضمن نقطتين تعارضهما روسيا، هما اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الوحيد للتفاوض، وتغيير اسم البعثة الأممية.
وصوت مجلس الأمن، يوم الجمعة 30 أكتوبر، على مشروعي القرار تباعا، حيث سقط المشروع الأمريكي، الذي حصل على تأييد 11 عضوا، بفعل الفيتو الروسي، فيما لم يحصل المشروع المضاد الذي قدمته موسكو، والقاضي بتمديد ولاية البعثة وفق صيغتها الحالية، سوى على ثلاثة أصوات.
بلاغ ملكي أُعد مسبقا
وتفيد “لوديسك” بأن الرباط كانت قد استعدت مسبقا لتداعيات التصويت، وأن بلاغ الديوان الملكي الذي صدر بعد رفض مشروعي القرار لم يُكتب على عجل، بل جرى الإعداد له في ضوء الموقف الروسي الذي أُبلغت به المملكة قبل الجلسة.
وبعد أكثر من ساعة على التصويت الثاني، صدر بلاغ للديوان الملكي تضمن تسعة فقرات، لم يقتصر على تسجيل عدم تمديد ولاية البعثة، بل دعا إلى رحيلها خلال الأيام المقبلة، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها.
كما طرح البلاغ تداعيات أخرى مرتبطة بإنهاء إحالة الملف على مجلس الأمن، ووقف تقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي، وتعليق المسار السياسي الأممي، مع الإعلان عن اتخاذ خطوات مماثلة داخل أجهزة أخرى تابعة للأمم المتحدة.
وأضافت الصحيفة أن البلاغ ربط هذا التطور بـ”عيد الوحدة”، الذي أقره الملك محمد السادس عقب اعتماد القرار 2797، ويُحتفل به في 31 أكتوبر من كل سنة، كما جدد التأكيد على تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، في ظل ما يطرحه انتهاء مهمة البعثة من تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى ضمان الاتفاق العسكري رقم 1.
واشنطن وباريس أُحيطتا بمضمون البلاغ
وفي سياق متصل، أفادت “لوديسك” بأن الولايات المتحدة وفرنسا كانتا على علم بمضمون البلاغ الملكي قبل صدوره، مشيرة إلى أن العاصمتين كانتا تدعمان مشروع القرار الأمريكي وتتقاسمان القراءة المغربية للملف.
وأضافت الصحيفة أن الموقف الأمريكي عقب التصويت جاء متماشيا مع توجه الرباط، إذ أعلن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، انتهاء ولاية البعثة في 31 أكتوبر 2026، واستعداد بلاده للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة من أجل انسحاب منظم لها.
أما فرنسا، فقد أعرب ممثلها عن أسفه الشديد لاستخدام روسيا “الفيتو”، وجدد التأكيد على أن قضية الصحراء المغربية تندرج، من وجهة نظر باريس، في إطار السيادة المغربية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الإغلاق المفاجئ للبعثة سيكون مثيرا للقلق في ظل تجدد التوترات، قبل أن تمتنع فرنسا عن التصويت على المشروع الروسي المضاد.
الرباط تتجنب توجيه الانتقاد إلى موسكو
وتربط “لوديسك” بين الإبلاغ الروسي المسبق للرباط وبين ما وصفته بتحفظ المغرب في التعامل مع موسكو عقب التصويت. فقد خلا البلاغ الملكي من أي إشارة إلى روسيا، فيما شكر السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، الجزائر خلال مداخلته، معتبرا أنها أظهرت الجهة المسؤولة عن الوضع، في إشارة إلى الجزائر بدلا من موسكو.
وفي المقابل، نقلت الصحيفة أن ممثل جبهة “البوليساريو” الانفصالية لدى الأمم المتحدة، سيدي عمر، شكر روسيا على إسقاط المشروع الأمريكي، معتبرا أنه كان من شأنه “تقويض أسس عملية السلام الأممية”.
وخلصت “لوديسك” إلى أن الرسالة الروسية لم تغير نتيجة التصويت، لكنها أتاحت للرباط الاستعداد المسبق للتعامل مع مآلاته، وتحويل سقوط مشروع القرار الأمريكي إلى منطلق لتحرك دبلوماسي لاحق، خاصة أن الفيتو الروسي أدى إلى عدم تمديد ولاية بعثة “المينورسو”، في وقت يطالب فيه المغرب برحيلها.
ومن المرتقب أن ينتقل النقاش إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سيُطلب من الممثل الروسي تفسير استخدام بلاده حق النقض “الفيتو”، خلال الاجتماع المقرر عقده قبل 13 نونبر المقبل.