حكومة الفرصة/ حكومة الهمزة
وُلدت الأغلبية الحكومية لأول رئيسة حكومة في المغرب، وفي انتظار بلاغ الديوان الملكي بشأن لائحة الوزراء.
وكما كان متوقعاً، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري أن “ترمي” بحزب التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة.
في المجمل، يمكن القول إن ما انتهت إليه المفاوضات يشير إلى “معقولية سياسية”، ويمكن أن نضيف أن التحالف الحكومي بين حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر لانتخابات 23 شتنبر 2026 بـ97 مقعدا، وأحزاب الاستقلال ( ثالثا بـ65 مقعدا)، والاتحاد الاشتراكي (سادساً بـ26 مقعدا)، والتقدم والاشتراكية (سابعاً في الانتخابات بـ19 مقعدا، وبفريق برلماني يضم 22 برلمانيا بعد ضم 3 نواب جدد)، يعني اقتناعا بأن الحكومة المقبلة إمّا تكون سياسية، أو ستعاني مع معارضة قوية يقودها العدالة والتنمية.
كان بإمكان المنصوري أن تشكّل حكومة مريحة عددياً أكثر، لكنها فضّلت أحزابا بـ”شرعية تاريخية” يمكن أن تخفّف شكوكا تحوم فوق رأس “حزب الدولة”.
لقد تلقّت رئيسة الحكومة المكلّفة، التي جلست “كأن على رأسها الطير” أثناء خطاب الملك محمد السادس، خلال افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الحالية، الجمعة الماضية، إشارة واضحة بأنها تقود حكومة “الفرص التي قد لا تتكرر”.
اختيار المنصوري التحالف مع “أحزاب الكتلة” يعني محاولةَ استدعاء السياسة بعد 5 سنوات “قاحلة” سياسياً. هو تصريح مؤكَّدٌ على أن للسياسة محلاً في تطوّر النظام السياسي المغربي، وأن إدارة الحكومة بموجبات “العقل المقاولاتي” تظهر قصوراً وتنتج وضعيات غير مرغوبة وتحمل مخاطر. وقد كان لافتا تكرار بلاغ إعلان تشكيل الأغلبية الحكومية، الواقع في 316 كلمة، عبارة “سياسة” ومشتقاتها 13 مرة، ولا يخلو ذلك من دلالة نحو مزيد تأكيد على “هوية” الحكومة، وكيف تريد أن ينظر إليها المواطنون.
كما قد نجازف بالقول إن طبيعة تحالفات المنصوري يمكن أن تخدم “قولا ثقيلا” أورده الخطاب الملكي، الذي أشار إلى ضرورة تحقيق “توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”. لهذا ربما شدد بلاغ تشكيل الأغلبية على حرص مكوناتها على إفراز “حكومة سياسية قوية” من شأنها “مواكبة طموح صاحب الجلالة في بناء مغرب صاعد يسير بسرعة واحدة”.
هنا نتحدث عن انشغال ملكي تردّد صداه في الخطابات خلال السنوات الأخيرة، ويعبِّر عن نفسه شعبياً على شكل رصدٍ لنمو وتطوّر ملحوظ في البنيات التحتية والواجِهات، دون أن تشمل فوائدُه كل المغاربة.
والمنطوق الملكي في خطاب افتتاح البرلمان، إذ يُقَيِّم مرحلةً سابقة بأنها حقّقت نموا اقتصاديا، ويقدّر أنها لم ترْقَ إلى “تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”، يصوِّب تركيز الولاية البرلمانية الحالية وحكومة المنصوري نحو هذه المعركة، متحدثاً عن “ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات”، التي قال إنها “غيّرت وجه المغرب”، لكنها لا تزال قاصرة عن جعل الإنسان في قلب هذا النمو والتطور.
هو ترسيخ لمعادلة تعتزّ بالمنجز وتطلب “تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية”، لكنها تنظر توازياً، وعلى سبيل الاستدراك، إلى وجوب “إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي”، وتشدد على ضرورة “التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية”.
محاولة استنطاق الخطاب تُظهر أنه محكومٌ بثقل الأحداث الجارية في العالم والمخاطر التي تسوقها بعدما لم يعد أحد بمنأى عن التداعيات، وأيضا مسكونٌ بالرغبة في الاستفادة من ثقل تجارب حديثة، بدأت على الأقل مع أزمة كورونا، وعمقتها سنوات الجفاف، وزادت من إظهارها تحولات دولية عنيفة تضيف مشاكل “مستوردة” يمكن أن تخلخل كل استقرار محلي إن لم تتم معالجتها استباقياً.
وحديث الملك أمام البرلمان الجديد ورئيسة الحكومة المعيّنة عن قضية الشباب ودعوته إلى جعلها “في صدارة السياسات العمومية”، وتحديده الأهداف بوضوح في صياغة تصور “يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي”، يعيد صياغة كل تلك الأصوات التي خرجت خلال دينامية جيل زد، وما قبلها، ويعود إلى احتجاجات 20 فبراير على الأقل.
وليس كلاما غير ذي معنى أن يتحدث الملك بخصوص الشباب عن “بناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار”. وما شعارات 20 فبراير، لمن لا يزال يتذكّر، إن لم تكن هذه؟.
“حرية.. كرامة.. عدالة اجتماعية” طموحٌ للتغيير عبّر عن نفسه في الشارع ذات 20 فبراير، قيّده شرط “الإصلاح في ظل الاستقرار” في أطروحة سياسية حملت حزب العدالة والتنمية إلى صدارة المشهد السياسي والحكومي في 2011، وتُعاد صياغتها مجتمعةً، بعد 15 عاماً، في خطاب ملكي، تحدث عن (الحرية والكرامة والاستقرار.. والعدالة الاجتماعية والمجالية).
إن هذا النوع من الخطاب الملكي “التعبوي” الذي يؤكد على أن “المغرب أمة من أعرق الأمم في العالم”، والمشحون بـ”مضمون ترافعي”، والذي ينظر أيضا في “الفرص” الماثلة، تلزمه حكومة بعمق سياسي، وبأحزاب تحمل في ذاكرتها السياسية وجيناتها فكرة الدولة الاجتماعية. هذا وحدَه يمكن أن يسحب الانشغالات والمطالب من ساحات الاحتجاج، بكافة أشكاله، إلى الانتظام في نقاش سياسي داخل المؤسسات، في سياق تحتاج فيه الدولة إلى “الاستقرار”، بكل معانيه.
قصارى القول
وإن شئنا أن ننظر في الجزء الفارغ من الكأس، تظهر أثقالٌ على ظهر الحزب القائد للحكومة المقبلة، وكل ذلك السجل المليء بالاتهامات التي لاحقت شخصيات منه منذ ميلاده، وسلطوية كمَنت في نفوس من قياداته تجاوزت أدوار الفاعل الحزبي إلى ممارسات أضرّت بالسياسة، ولا تزال تثير الشكوك. كما أن حلفاءَ لحزب الأصالة والمعاصرة في الائتلاف الحكومي الجديد لم يعودوا بذلك الحضور الذي كانوا عليه، وقد تقلّص تأثيرهم بعدما خسروا مساحات في المجتمع، وبعضهم تحول إلى هيئات تتفشى فيها الولاءات على حساب الفكرة.
واستعادة الثقة في السياسة يبدأ من هنا. يجب أن تتبدّد شكوك، وقد تكون تشكيلة الحكومة عنواناً ورسالة. “الفرصة التي لا تتكرر” تعني مما تعنيه أنه لا مجال للخطأ. واحتجاجات جيل زد وجحافل الهاربين إلى سبتة، وغيرهما، تُغني عن كل بيان. فإما أن تكون “حكومة الفرصة”، أو “حكومة الهمزة”.