تفاعلا مع ملف الهجرة في الخطاب الملكي الأخير
1. يدافع الخطاب بوضوح عن حق المغرب في شراكة متساوية تقوم على المسؤولية المشتركة مع شركائه الأوروبيين….وفي مقدمتهم إسبانيا…..لكنه لا يمنح الوضوح نفسه لحقوق الأشخاص الذين تتأثر حياتهم بهذه الشراكة…..فهو يرفض الضغط على المغرب ويطالب بمراجعة شروط التعاون، بينما يقدم بعض القوانين والأحكام القضائية بوصفها عوائق أمام تدبير الهجرة والترحيل…..وهنا يظهر الفرق بين التقدير السياسي لمصلحة الدولة والتقييم الحقوقي لقراراتها….فما تراه الدول عائقا أمام تنفيذ اتفاقاتها قد يكون الضمانة التي تمنع إعادة طفل إلى الخطر أو تحمي شخصا من الاضطهاد…..لذلك فإن الدفاع عن استقلال القرار المغربي يقتضي أيضا مناقشة مضمونه وآثاره على حقوق الأشخاص وحياتهم……
2. تمنح حاجة أوروبا إلى المغرب قوة تفاوضية، لكن الاعتماد على هذه الحاجة قد يكرس اختزال دوره في ضبط حدودها وفقط….ومع بدء تطبيق الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء في 2026، ظل التعاون مع دول الجوار المتوسطي ضروريا لتنفيذ قرارات الترحيل …..فتسريع إصدار القرار داخل أوروبا لا يضمن تنفيذه خارجها…..وهذا يمنح المغرب قوة أكبر….لكنه يزيد أيضا المطالب الموجهة إليه. ….فكلما ارتبطت أهميته بمنع الوصول وتنفيذ العودة، تعزز الضغط عليه لتحقيق مزيد من النتائج…..لذلك لا يكفي الحصول على تمويل أكبر أو مكاسب دبلوماسية أوسع لاعتبار الشراكة متوازنة….
فقد تتحسن شروط المغرب داخلها….بينما يستمر في تحمل تبعات سياسة و حقوقية تحدد أوروبا أولوياتها ……
3. يكشف قرار البرلمان الأوروبي بشأن سبتة خلافا على تفسير الأزمة و طريقة تدييرها …..فتقديم الأحداث باعتبارها «توظيفا للهجرة» يضع الجانب الأوروبي في موقع المدافع عن أمنه…..ويضع المغرب في موقع المطالب بتبديد الشبهة وإثبات جدية تعاونه…. وفي هذا السياق ….يمكننا فهم رفض الضغط في الخطاب باعتباره رفضا لفرض هذا التوزيع غير العادل للأدوار والمسؤوليات. ….لكن الخلاف بين الطرفين لا يعفي أيا منهما من توضيح ما حدث للأشخاص……ولا ينبغي أن يؤجل التحقيق في العنف والوفيات والاختفاءات…..فالرد على الاتهامات السياسية لا يعوض المساءلة عن الانتهاكات، كما أن توجيه الاتهام لا يشكل في ذاته إثباتا للمسؤولية……
4. انتقاد القضاء يستدعي تمييزا لم يوضحه الخطاب بين بطء المساطر والضمانات التي تفرضها…..ففي يناير 2024 مثلا….أكدت المحكمة العليا الإسبانية عدم قانونية إعادة قاصرين من سبتة دون احترام الإجراءات و المساطر الفردية المطلوبة. …ولا أجزم بأن الخطاب يقصد هذا القرار ….لكن دلالته أساسية: اتفاق الدولتين لا يكفي لتحديد المصلحة الفضلى للطفل…. فالعودة إلى بلد الأصل ليست بالضرورة عودة إلى الأمان….إذ يجب قانونيا دراسة وضع الطفل وسماعه والتحقق من ظروف استقباله ورعايته…..لذلك يكون تسريع المساطر إصلاحا حين يحسن البت في الحالات، ويصبح تراجعا حين يتحقق على حساب الضمانات التي تحمي أصحابها….
5. الحديث عن «انتحال صفة اللجوء» مقلق قانونيا وحقوقيا، لأنه قد يجعل الاشتباه سابقا على فحص طلب الحماية الدولية ….ويزداد هذا القلق بعد إدراج المغرب ضمن القائمة الأوروبية لبلدان المنشأ الآمنة….فالاعتراف باستقرار الدولة لا يثبت أن الحماية متاحة فعليا لكل فرد فيها…. فقد يواجه شخص عنفا أواصطهادا ….لكنه لا يستفيد من الحماية بسبب الخوف من التبليغ أو التمييز أو غياب استجابة فعالة لشكايته….لذلك لا يكفي الاستناد إلى الصورة العامة للبلد، بل يجب التحقق من الخطر الذي يواجهه الشخص ومن قدرته على الحصول على الحماية……كما أن رفض طلب اللجوء لا يثبت وحده التحايل…..فقد يعود إلى عدم كفاية الأدلة أو عدم استيفاء الشروط القانونية، دون أن يعني اختلاق الوقائع.
6. حين يدعو الخطاب إلى مراجعة الشراكة وينتقد ما يعيق الترحيل….أستحضر أشخاصا التقيتهم خلال زيارتي لسبتة: قاصرين يعيشون الهشاشة، وطالبي لجوء، وضحايا اعتداءات جنسية وعنصرية. واستمعت أيضا إلى شهادات عن عنف منسوب إلى عناصر أمنية مغربية وإسبانية…..لذلك أقرأ أي مطالبة بإعادتهم في ضوء ما قد يترتب عليها في حياتهم. ….فهم يحتاجون إلى العلاج والمأوى والمساعدة القانونية، وإلى ظروف آمنة لتقديم الشكايات وحفظ الأدلة. وقد تؤدي إعادتهم قبل تأمين هذه الحقوق إلى انقطاع العلاج أو تعذر متابعة الاعتداءات التي تعرضوا لها….. فالمكتسبات السياسية والدبلوماسية التي تحققها الدول لا تعوض بالضرورة حق الضحايا في الإنصاف……لهذا يجب أن تشمل مراجعة الشراكة مسؤولية الدولتين عن حماية الضحايا والتحقيق في الانتهاكات، وأن يخضع تنفيذ الإجراءات لتقييم أثره على الوصول إلى العدالة…..
7. يجب أن يكون ملف المفقودين والموتى أحد معايير الحكم على جدية المراجعة المعلنة كذلك …..فالشراكة التي تحدد مسؤوليات المراقبة مطالبة بتحديد مسؤوليات البحث والتحقيق والتعرف إلى الجثامين وإبلاغ الأسر بالوضوح نفسه. ….ويتطلب ذلك جهات مسؤولة وموارد وإجراءات معلومة، حتى لا تظل العائلات تتنقل بين المؤسسات دون جواب. ….فتراجع العبور لا ينهي مأساة من يجهلون مصير أبنائهم، وهدوء الحدود لا يسقط واجب الكشف عما وقع عندها.
للمغرب أن يطالب بشراكة أكثر توازنا و مساواة ….وأن يدافع عن سيادته ومصالحه. ….وفي الوقت نفسه، تظل حقوق الأشخاص وكرامتهم التزاما لا يجوز أن يخضع للمساومة، أيا كانت جنسيتهم أو وضعيتهم الإدارية أو مسارات هجرتهم.