اليحياوي: 1.8 مليون شاب بين 18 و22 سنة تراجعوا عن التصويت والأحزاب لم تستوعب التحول الديمغرافي
قال الباحث في العلوم السياسية مصطفى اليحياوي إن قراءة نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 تقتضي تجاوز تحميل الناخب وحده مسؤولية مخرجات العملية الانتخابية، والنظر إلى التحولات التي طرأت على سلوك الناخبين وعلى طبيعة الفاعلين المتنافسين، محذرا من أن الأحزاب السياسية لم تستوعب بما يكفي التحولات الديمغرافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.
وأوضح اليحياوي، خلال مائدة مستديرة نظمها منتدى المتوسط للتبادل والحوار، اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، حول “المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات 23 شتنبر: تحولات الخريطة الحزبية، رهانات الشفافية، وهندسة التوازنات بين الأغلبية والمعارضة”، أن نتائج أبحاث المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية تكشف منذ سنوات عن وجود “عدم ثقة في جدوى الانخراط في العمل السياسي من داخل الأحزاب”.
وأضاف أن أحد التفسيرات لهذا الوضع يتمثل في أن “العرض الحزبي على مستوى التكوين السياسي” لم يعد ملائما، في نظره، لمزاج الجيل الجديد، معتبرا أن الأمر يتعلق بـ”عطب بنيوي” لا يقتصر على نوع محدد من الأحزاب.
وبحسب اليحياوي، فقد أفرز هذا التحول أنماطا جديدة من الفاعلين السياسيين على المستوى المحلي، لا تنسجم بالضرورة مع الصورة التقليدية لـ”الأعيان”، مشيرا إلى أن بحثا ميدانيا شارك فيه حول بروفايلات المستشارين الجماعيين في 537 جماعة أظهر، وفق عرضه، بروز بروفايلات “براغماتية جدا”.
واستدل الباحث على ذلك بتغير خريطة الأصوات خلال انتخابات 2026، قائلا إن حوالي 680 ألف صوت فقدتها بعض الأحزاب تركزت في الدوائر ذات الطابع القروي أو المدن التي يقل عدد سكانها عن 50 ألف نسمة. وأضاف أن حزب الأصالة والمعاصرة فقد، وفق معطياته، نحو 350 ألف صوت في هذه المجالات، بينما استفاد حزب العدالة والتنمية من جزء من هذه الأصوات.
وربط اليحياوي هذا التحول بما وصفه بـ”التصويت العقابي”، معتبرا أن استفادة حزب العدالة والتنمية لم تقتصر على المدن المتوسطة والكبرى، وإنما امتدت أيضا إلى أقاليم ذات طابع قروي. وشدد على أنه يفضل تحليل حجم الأصوات بدل عدد المقاعد، باعتبار أن “الشرعية هي حجم الأصوات”، وفق تعبيره.
وفي المقابل، حذر الباحث من تنامي ما سماه “المقاول السياسي”، الذي يدخل المنافسة الانتخابية من منطلق التفاوض حول المصالح أكثر من الانخراط في مشروع حزبي أو أيديولوجي، معتبرا أن هذا النمط يساهم في ارتفاع معدل تجديد النخب البرلمانية، إذ قد يدخل صاحبه إلى البرلمان لولاية واحدة أو ولايتين قبل مغادرته.
وربط اليحياوي مصالح هذا النوع من الفاعلين، بحسب تحليله، بمجالات من بينها الصفقات العمومية والاستثمار العمومي والولوج إلى المعلومة والاستفادة من برامج الدعم، إضافة إلى العقار وتصاميم التهيئة، معتبرا أن هذه المصالح أضعفت، خلال السنوات الماضية، وظيفة التأطير الحزبي على المستوى الترابي.
وفي سياق آخر، كشف اليحياوي عن تراجع عدد الناخبين الجدد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة بنحو 1.8 مليون شخص بين انتخابي 2021 و2026، متسائلا عن مدى استيعاب الأحزاب لهذا التحول في استراتيجياتها الانتخابية.
كما أشار إلى معطى آخر مرتبط بالحركية السكانية، قائلا إن حوالي 5.4 ملايين شخص، أي ما يعادل 34 في المائة ممن شملتهم معطيات الحركة الداخلية، انتقلوا جغرافيا داخل المغرب، بما في ذلك حركة من البادية إلى المدن وانتقالات بين الجهات، وهو ما قد يؤثر على التسجيل في اللوائح الانتخابية ومكان التصويت.
وانتقد اليحياوي عدم استثمار الأحزاب، بحسب عرضه، لمعطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 في بناء استراتيجياتها الانتخابية، معتبرا أن التحولات الديمغرافية والحركية السكانية أصبحت عاملا أساسيا في فهم المشاركة الانتخابية.
ودعا في هذا السياق إلى إدخال عامل “الاستقرار الديمغرافي” ضمن العوامل المفسرة لنسب المشاركة، محذرا من أن عدم أخذه بعين الاعتبار في الاستحقاقات المقبلة قد يطرح إشكالات جديدة أمام العملية الانتخابية.
وختم اليحياوي بالتأكيد على أن قراءة خريطة انتخابات 2026 تتطلب استحضار مجموع هذه العوامل، وعدم اختزال النتائج في اختيارات الناخبين وحدها، أو في التقطيع الانتخابي والمنافسة بين الأحزاب، بل ربطها أيضا بالتحولات الاجتماعية والديمغرافية وبنية الفاعلين السياسيين على المستوى المحلي.