story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

امرأة في رئاسة الحكومة.. هل يتغير مضمون السلطة؟

ص ص

لم يكن نضال النساء من أجل المشاركة السياسية سعيا إلى صورة أكثر تنوعا للحكم. كان صراعا على حقهن في تقرير شؤون المجتمع، وفي تغيير القوانين والمؤسسات التي أبقتهن على هامشه. لذلك فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يستحق أن يقرأ في ضوء هذا النضال: ماذا تحقق منه؟ وما الذي ما زال مؤجلا؟ ومن يستفيد حين تختزل معركة المساواة في هوية من يجلس على رأس المؤسسة؟

لتعيين أول رئيسة حكومة في المغرب قيمة رمزية واضحة. فهو يكسر احتكارا رجاليا لمنصب ظل، في المخيال السياسي كما في الممارسة، مرتبطا بالرجال. غير أن المسافة بين كسر هذا الاحتكار وتحرير النساء واسعة، تملؤها اختيارات سياسية وقوانين وميزانيات وموازين قوة. ولا يجوز أن يقفز الاحتفاء فوقها، فيحول تقدما في التمثيل إلى شهادة بانتصار المساواة، قبل أن يتغير شيء في حياة من يفترض أنهن المعنيات بهذا الانتصار.

تكتب الفيلسوفة سيمون دو بوفوار: «
الفكرة ليست ان تأخذ المرأة السلطة من يد الرجل، فهذا لن يغير شيئا، الفكرة هي تدمير فكرة السلطة من الاساس». في هذه العبارة ما يعيد النقاش إلى موضعه: الحرية مسؤولية تجاه العالم الذي نتقاسمه، وليست امتيازا يكتمل بمجرد أن ننجح في انتزاع موقع داخله. ومن هنا، فإن القيمة التحررية لوصول امرأة إلى الحكم تقاس بما تفعله بالسلطة التي صارت بين يديها، وبما تتيحه لغيرها من قدرة على الفعل والاختيار والاعتراض.

أنا مع وصول النساء إلى الحكم، دون تحفظ على حقهن، ودون شروط إضافية تفرض عليهن وحدهن بوصفهن نساء. لكنني أرفض أن تتحول هذه القناعة إلى التزام بالصمت عن المشروع الذي يحملنه. فلا شيء في الدفاع عن المساواة يلزمني بتأييد امرأة تختلف اختياراتها السياسية مع الحرية والعدالة. والمرأة التي تتولى مسؤولية عمومية ليست ممثلة تلقائية لكل النساء؛ إنها مسؤولة عن برنامج وحزب وتحالفات وقرارات، ويحق لنا أن نحاكمها سياسيا على هذا الأساس.

فالنساء لا يقفن في الموقع الاجتماعي نفسه، ولا يحملن المصالح ذاتها. وما يجمعهن من تجارب التمييز لا يمحو الفوارق بين من تمتلك الثروة والنفوذ، ومن تقضي عمرها في عمل هش، أو تتحمل وحدها كلفة الإعالة والرعاية، أو تعجز عن مغادرة بيت يعرضها للعنف. وقد تتسع المسافة بين هاتين المرأتين إلى حد تصبح معه رابطة المصالح بين امرأة نافذة ورجال نخبتها أقوى من رابطة الانتماء إلى الجنس نفسه.

لهذا أتحفظ على تقديم تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، الآتية من حزب الأصالة والمعاصرة، بوصفه انتصارا نسائيا مكتمل المعنى. لا أرى في صفة «الحداثة» التي يتبناها الحزب ما يغني عن امتحان مواقفه. فالحداثة السياسية تظهر حين تصبح الحرية مكفولة: حين يعتقل شخص بسبب رأيه أو احتجاجه السلمي، وحين تتعرض امرأة للوصاية باسم الأخلاق، وحين يصطدم مطلب المساواة بمصلحة انتخابية أو بتوازن داخل السلطة. هناك تتضح حدود المشروع، وتنكشف المسافة بين لغته وما هو مستعد للدفاع عنه.

إن مشروعا لا يجعل الاعتقال السياسي والحريات والمساواة الفعلية في صلب انشغاله لا يكتسب هذه القيم بمجرد أن تتصدره امرأة. ومن حقنا أن نسأل عن موقفه من القضايا التي تختبر ادعاءاته، دون أن يتهم سؤالنا بالانتقاص من النساء. فالخلط بين نقد المسؤولة السياسية والطعن في أهلية النساء للحكم يوفر حصانة لمن تحكم، ولا يوفر حقا لمن يحكمن باسمهن.

ويصبح هذا الخلط أكثر خطورة عندما تستخدم مشاركة النساء لتجميل مؤسسات لا تتسع للاختلاف. تستطيع السلطة أن تستوعب وجوها جديدة، وأن تمنح بعضها مواقع متقدمة، مع إبقاء قواعد الاختيار والطاعة وتوزيع النفوذ كما كانت. وقد تجد في هذا الحضور لغة حديثة تقدم بها نفسها، بينما يظل القرار بعيدا عن الرقابة، وتبقى المشاركة محكومة بالقرب من مراكز القوة.

عندئذ لا تكون المشكلة في حضور النساء، بل في الحدود المرسومة لهذا الحضور: هل يملكن تحديد الأولويات وتغييرها، أم يطلب منهن تدبير ما تقرر سلفا؟

من هنا تنبع ضرورة ربط المشاركة النسائية بدمقرطة إنتاج القرار. فالمرأة لا تصبح فاعلة سياسيا بمجرد إدراج اسمها في لائحة أو إسناد حقيبة إليها. تصبح كذلك حين تمتلك وسائل التأثير، وحين تستطيع التعبير عن موقف مستقل، وحين تكون مسؤولة أمام المجتمع عن اختياراتها. وهذه شروط تحتاج إلى أحزاب تقبل الاختلاف داخلها، ومؤسسات تسمح بالمراقبة، وفضاء عمومي لا يعاقب من يرفع صوته.

الديمقراطية، في عمقها القيمي، تعني أن يكون الناس أصحاب شأن في ما يقرر عن حياتهم. لذلك لا تنفصل قضية النساء عن حرية التعبير والاحتجاج والتنظيم، ولا عن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. فالمرأة التي لا تستطيع فضح ما تتعرض له، أو تنظيم نفسها مع غيرها، أو اللجوء إلى قضاء ينصفها، لن يعوضها عن ذلك أن تتولى امرأة أخرى منصبا رفيعا.

ولا تنفصل المساواة عن توزيع الثروة وأعباء الحياة. فحين تتراجع الخدمات العمومية، يتحول نقص الرعاية الصحية إلى عمل إضافي داخل البيوت، وتتحول هشاشة النقل إلى عائق أمام الدراسة والعمل، ويصبح غياب الحماية الاجتماعية تبعية لمن يملك مورد العيش. لذلك يمتد الامتحان النسوي لأي حكومة إلى تفاصيل ميزانيتها: لمن تخصص الموارد؟ وأي عمل تعترف بقيمته؟ ومن يتحمل كلفة اختياراتها؟

هذا هو المعنى السياسي الذي أبحث عنه في وصول النساء إلى المسؤولية. لا أطالبهن بأن يكن منقذات، ولا أفترض فيهن فضيلة فطرية يفتقر إليها الرجال. أطالب بأن يؤخذ حضورهن مأخذ الجد، بما يقتضيه ذلك من مساءلة لقراراتهن.

إن اختزال المسؤولة في كونها امرأة، ثم الاكتفاء بالتصفيق لها، ينتزع منها صفتها السياسية بقدر ما يبدو احتفاء بها.

أما تفكيك السلطوية، فلا يتحقق بتبادل المواقع بين الرجال والنساء. إنه يقتضي تفكيك احتكار القرار، وكشف المصالح التي توجهه، وتوسيع قدرة المجتمع على مراقبته وتغييره. فالرهان أن تصبح السلطة مقيدة بالحقوق وخاضعة للمحاسبة، وأن تتاح المشاركة لمن ظلوا خارج دوائرها، لا أن تتنوع وجوه القلة التي تحتكرها.

سأدافع عن حق امرأة في رئاسة الحكومة، وسأدافع بالوضوح نفسه عن حقي في معارضة سياساتها. ذلك جزء من المساواة التي أؤمن بها، ومن استقلال الموقف النسوي عن مصالح الحاكمات والحاكمين.

وحين يقال لنا إن النساء انتصرن، يحق لنا أن نسأل: أي نساء، وفي أي جانب من حياتهن؟ هل اتسعت حريتهن؟ هل صارت حقوقهن أقل عرضة للمساومة؟ هل امتلكن قدرا أكبر من الاستقلال والأمان والتأثير؟

فقد تصل امرأة إلى قمة السلطة، وتبقى نساء كثيرات تحت وطأة السياسات نفسها. والنسوية تفقد معناها حين يطلب من هؤلاء أن يحتفلن بمنصب امرأة، وأن يؤجلن حريتهن.