story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حقوق وحريات |

“أمنستي” تتهم السلطات المغربية باستخدام شبكة مراقبة لإسكات الصحافيين والنشطاء

ص ص

اتهمت منظمة العفو الدولية “أمنيستي” السلطات المغربية بتشغيل منظومة مراقبة واسعة وممتدة تجمع بين برمجيات التجسس الرقمية عالية التقنية والأساليب الميدانية التقليدية، “تُستخدم لتعقب الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان ومراقبتهم، ثم إخضاعهم للملاحقة القضائية والتشهير وغيرهما من أشكال الضغط لإسكات أصواتهم”.

وفي تقرير حديث نشرته المنظمة، يوم الخميس 1 أكتوبر 2026، تحت عنوان “نبدأ بالحكم: في قلب آلة المراقبة المغربية”، أوضحت أن أجهزتها البحثية جمعت بين شهادة مصدر أمني سابق، وتحليل جنائي رقمي، وبيانات مراقبة مسربة، وسجلات استهداف ببرمجيات التجسس، ومعلومات من شركات تنشط في تقنيات المراقبة، لتقديم ما وصفته بـ”أكثر صورة تفصيلاً حتى الآن عن منظومة المراقبة في المغرب”. وذلك عقب تحقيق استقصائي دولي بالتعاون مع 14 منظمة إعلامية برعاية شبكة “Forbidden Stories”.

وفي هذا السياق، قالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنيس كالامارد، إن السلطات المغربية تبنت بالكامل ما وصفته بـ”ممارسات الاستبداد التقني” باقتنائها تقنيات مراقبة متطورة “لإرساء نظام قمعي يهدف إلى ترهيب النشطاء والصحافيين وعرقلة عملهم داخل المغرب وخارجه”، واصفة هذه المنظومة بأنها جزء من “اقتصاد القمع العالمي” الذي ترعاه شركات ودول تغفل عن التزاماتها الدولية.

مصدر من الداخل

يقدم التقرير شهادة تفصيلية لموظف سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، يُعرف بالاسم المستعار “سفير”، والذي اطلع من الداخل على العمليات الأمنيّة المستهدفة للمجتمع المدني. وقالت أمنستي إنها تحققت من شهادته عبر مصادر مستقلة وأدلة تقنية ومقابلة 10 أشخاص كانوا أهدافاً للمراقبة.

وتبرز الشهادة أساليب دقيقة للانتهاك؛ حيث شملت العمليات التصوير والتنصت السري على المستهدفين في أماكن الاحتجاز، والمكاتب، والسيارات، والمقاهي، وحتى داخل غرف النوم، إلى جانب تتبع تحركاتهم عبر بيانات المواقع الجغرافية.

كما أفاد “سفير” بوجود أساليب اختراق ميدانية مباشرة، من أبرزها؛ زرع برمجيات التجسس والاختراق المادي للهواتف والأجهزة الشخصية للنشطاء والصحافيين أثناء عبورهم عبر المطارات المغربية.

وأضاف أن عملاء المديرية استعانوا بأصحاب محال للهواتف لتوفير أجهزة محمولة “مزروعة مسبقا ببرمجيات تجسس، إضافة إلى تجنيد جيران بعض المدافعين عن حقوق الإنسان لتقديم معلومات عن تحركاتهم وأنشطتهم”.

وفي شهادة أخرى، كشف “سفير” أن المديرية زرعت برمجية “نظام التحكم عن بعد” (RCS) في عدد كبير من أجهزة مقاهي الإنترنت لمراقبة نشاط الأشخاص المستهدفين أثناء استخدامها. وتتيح هذه البرمجية تتبع المكالمات، وقراءة الرسائل، والوصول إلى الصور، وتسجيل الصوت.

التنصت في المنازل والتشهير

أورد التقرير حالات وثيقة لتنصت ميداني واختراق للمنازل؛ منها حالة الصحافي عمر الراضي الذي “زُرعت في شقته ميكروفونات لاسلكية صغيرة تعمل عبر بث إذاعي مشفّر داخل تجهيزات الإضاءة”.

كما استشهد التقرير بحالة الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني، الذي أظهرت المعطيات “تصويره سراً مع خطيبته داخل منزله عبر معدات دقيقة مثّبتة في وحدة التكييف”، لتجري بعد ذلك عملية “طمس للآثار” لتفادي ترك أدلة مادية على الكاميرات.

وأكدت المنظمة أن المعطيات الشخصية المجمّعة سراً “لا تُستخدم فقط في الملاحقات القضائية، بل تُستغل في حملات تشهير تنفذها منابر إعلامية موالية للدولة لابتزاز النشطاء ونزع الشرعية عنهم”.

وتشدد أمنستي على أن استهداف المراقبة “لا يتوقف حتى بعد الإفراج عن المعتقلين من السجن”، بل يظل المفرج عنهم “تحت وطأة التتبع والتشهير، كما تتوسع دائرة الاستهداف لتطال عائلاتهم، وأصدقاءهم، وشبكاتهم المهنية داخل المغرب وخارجه”.

“بيغاسوس”: تحليل لـ103 أرقام مستهدفة

تضع المنظمة برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” -المطور من شركة NSO Group- في قلب تقريرها، مؤكدة على مسؤوليّة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) عن تشغيله ضد الصحافيين والنشطاء بين 2017 و2021، وربما في سنوات لاحقة.

وأشار تحليل أمنستي لأرقام الهواتف المُدخلة إلى نظام “بيغاسوس” المغربي بين شتنبر ودجنبر 2017 إلى تحديد 103 أرقام مرتبطة بأشخاص أُدخلوا كأهداف محتملة.

ويتوزع هذا العدد بدقة على النحو التالي:

  • 65 رقماً لممثلين عن المجتمع المدني: تتوزع بين 34 مدافعاً عن حقوق الإنسان، و22 صحافياً وإعلامياً، و5 محامين، و4 أكاديميين.
  • 25 رقماً: مرتبطة بممثلين سياسيين أو مسؤولين حكوميين.
  • 5 أرقام: مرتبطة بدبلوماسيين أو ممثلين لمنظمات دولية.
  • 8 أرقام متبقية: شملت رجال أعمال ورجال دين وشخصيات أخرى.

وأشار رئيس مختبر الأمن الرقمي في أمنستي، دونشا أوجاربيل، والباحثة ربيكا وايت، إلى أن تصدر الصحافيين والنشطاء لقائمة الأرقام الأولى المُدخلة “يثبت أن الغرض الأساسي من اقتناء المنظومة كان استهداف الأصوات الناقدة في حملة مراقبة عابرة للحدود”.

وأظهرت الوثائق القضائية الصادرة عن دعوى شركة Meta/WhatsApp ضد NSO بالولايات المتحدة أن موظفي الشركة أجروا تدريبات واختبارات ميدانية في المغرب لصالح السلطات التي أُطلق عليها داخلياً الاسم الرمزي “Morgen”.

وشملت الهجمات المستخدمة: هجمات “النقرة الواحدة”، وهجمات “بلا نقرة”، وهجمات “حقن الشبكة” المعتمدة على شبكة شركة “اتصالات المغرب” المملوكة للدولة. وتعد حالة المحامي الحقوقي عبد الصادق البوشتاوي في أكتوبر 2019 أولى الحالات الموثقة جنائياً لاستهداف “بيغاسوس” في المغرب.

شبكة شركات دولية

ربط التقرير المنظومة المغربية بشبكة شركات دولية متخصصة في التقنيات المعتدية على الخصوصية؛ شملت NSO Group (إسرائيل)، وHacking Team / Memento Labs (إيطاليا)، وGamma Group وFinFisher (بريطانيا/ألمانيا)، إضافة إلى Cellebrite (إسرائيل) عبر أداتها للتحليل الجنائي الرقمي (UFED) المخصصة لاستخراج بيانات الأجهزة عند ضبطها.

وتبيّن، بحسب المصدر ذاته، أن للأجهزة الأمنية المغربية عقوداً معHacking Team منذ عام 2009 على الأقل لتشغيل برمجية التحكم عن بعد RCS.

وتؤكد أمنستي على أن قضية “بيغاسوس” لا تمثل سوى جزء من منظومة أوسع تشمل الاعتراض الشبكي والتنصت والمراقبة الميدانية، وتمتد لتطال عائلات المستهدفين وأصدقائهم وشبكاتهم المهنية داخل المغرب وخارجه.

وكانت المنظمة قد وثقت في أكتوبر 2019 أولى محاولات اختراق الهواتف ببرنامج “بيغاسوس” في المغرب، والتي استهدفت المحامي الحقوقي عبد الصادق البوشتاوي؛ إذ تظهر سجلات “مشروع بيغاسوس” إدخال رقم هاتفه إلى النظام المغربي في 19 شتنبر 2017، واستهدافه مجدداً في مناسبات عدة قبل تلقيه رسالة نصية تشتمل على رابط الاختراق.

غياب رد رسمي وتوصياتٌ حقوقية

أوضحت أمنستي أنها وجهت رسالة إلى السلطات المغربية تتضمن خلاصة نتائج أبحاثها قبل نشر التقرير، لكنها لم تتلق أي رد.

كما خاطبت المنظمة الشركات الواردة في التقرير؛ حيث أفادت شركة Verint بأنها تخلت عن هذا القطاع في فبراير 2021 وأحالت الاستفسارات إلى Cognyte Software، بينما أكدت Memento Labs عدم وجود أي عقد ساري المفعول مع أي جهاز أمني مغربي، مشيرة إلى تطبيقها برنامج امتثال داخلي صارم، في حين لم تتلق المنظمة إجابات من الشركات الأخرى.

ورغم النفي الرسمي المغربي المتكرر لاستخدام برمجيات التجسس ضد المواطنين، تؤكد أمنستي على أن الأدلة الجديدة، بما فيها شهادة المصدر الأمني والسجلات المسربة والأدلة الجنائية الرقمية، “تناقض هذا النفي”.

وتخلص المنظمة إلى أن المراقبة تكون غير قانونية عندما تُنفذ بالمخالفة للقوانين المحلية، أو حتى في حال اتباع الإجراءات الداخلية إذا كانت تتنافى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وطالبت المغرب بوقف المراقبة غير القانونية فوراً، ودعت القضاء إلى فتح تحقيق مستقل، كما حثت الدول على حظر تصدير برمجيات التجسس وتقنيات المراقبة إلى المغرب إلى حين توفر ضمانات حقوقية فعالة.

ومن جهتها، حاولت صحيفة “صوت المغرب” التواصل مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني للحصول على تعليق بشأن ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية، خصوصاً الاتهامات المتعلقة باستخدام تقنيات المراقبة وبرمجيات التجسس واستهداف الصحافيين والنشطاء، غير أنها لم تتلق أي رد على اتصالاتها المتكررة إلى حدود نشر هذا التقرير.