story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

التصويت لحماية الدولة

ص ص

قبل سنوات قليلة، عندما كنت أتولى إدارة نشر جريدة “أخبار اليوم” الورقية، كنت، رغم كثرة المهام ومشقة التنقل شبه اليومي بين الرباط والدار البيضاء، أحرص على حضور بعض الأنشطة واللقاءات بنفسي، ليس حبا في البروتوكول، بل حفاظا على ما أعتبره واحدا من أهم شروط الصحافة، وهو أن تبقى العين قريبة من الحدث، والأذن قريبة من مصادره، وألا يصبح الصحافي مجرد مستهلك لما يصله من بلاغات وتصريحات، وما يُنقل إليه من أخبار ومعطيات.

في أحد تلك اللقاءات، وبينما كنت أستعد للمغادرة، اعترض سبيلي مساعد أحد رجالات الدولة المخضرمين، وأبلغني بأن رئيسه يريد لقائي. ثم أضاف شرطا واحدا: ألا أخبر أحدا بالموعد الذي سنحدّده لاحقا.

بعد أيام، وصلت إلى المكان المتّفق عليه، وهو مكان عمومي حيث يوجد أحد مكاتب المسؤول المعني. تركت هاتفي الذكي عند مدخل البناية، كما طُلب مني، وصعدت عدة طوابق إلى مكتب مضيفي. اعتذر الرجل عن هذه الاحتياطات، وشرح لي مخاوفه من إمكان استعمال الهواتف الذكية في التجسس. ثم بدأ الكلام.

كانت جلسة استماع من جانبي، و”خويان قلب” من جانبه. تحدث عن الصحافة، وعن السياسة، وعن الدولة، وعن التراجعات التي كانت حينها لا تزال في بداياتها. وأبدى تعاطفا واضحا مع ما كانت “أخبار اليوم” تتعرض له، وهو الاستهداف الذي سينتهي لاحقا بتوقف الجريدة. بل قال إنه يتفق مع جزء كبير مما كنا نكتبه عن التراجع السياسي والحقوقي، وعن إضعاف الآليات التي يفترض أن تصحح أخطاء الدولة وتنبه إلى اختلالاتها قبل أن تتضخم.

لكن جملة واحدة بقيت عالقة في ذهني إلى اليوم. قال لي الرجل، وهو ممن أظهروا في أكثر من محطة سلوكا مقاوما لبعض تلك التراجعات: “لو كانت صحتي تسمح، لتركت مسؤولياتي ونزلت إلى الميدان لتأسيس حزب سياسي جديد”.

سألته: لماذا؟

فكان جوابه ما معناه: لحماية الدولة من الإضعاف الذي تتعرّض له، وتمكينها من أداة سياسية قوية ومتصلة بالمجتمع.

أتذكر هذه الجملة اليوم لأن المغرب الذي ننظر إليه عشية انتخابات 23 شتنبر 2026 مختلف كثيرا عن المغرب الذي كان يتحدث عنه ذلك المسؤول. فالأحزاب أصبحت أضعف. والصحافة أكثر تشرّدا. والمجتمع المدني أقل قدرة على الضغط والتأثير. وتراجعت مساحات الوساطة التي كانت تسمح بامتصاص الغضب وتصحيح القرار وإيصال التحذير قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات.

لهذا تحمل انتخابات 23 شتنبر 2026 معنى يتجاوز، في نظري، السؤال التقليدي حول أي حزب سيحصل على مقاعد أكثر، ومن سيشكل الحكومة المقبلة.

تُقرأ المشاركة في الانتخابات عادة بوصفها مؤشرا على علاقة المواطنين بالمؤسسات السياسية، ومدى استعدادهم للانخراط في آليات تجديدها. لكن هذا الاقتراع يأتي في ظرف أصبحت فيه أسئلة الدولة نفسها أكثر حضورا، حول قوة المؤسسات، واستقلال القرار، وحدود فعل مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي داخلها، وقدرة الأحزاب والبرلمان والصحافة والمجتمع المدني على مراقبة من يمارس السلطة ومحاسبته…

وها قد بات أكثر ما أفرزته واحدة من لحظات التحام الملك والشعب البارزة في التاريخ المعاصر للمغرب، عقب احتجاجات 20 فبراير 2011، عرضة لمحاولات التوجيه والاستدراج عبر تقنيات “اللوبيينغ”. وإلا كيف يمكن فهم سلوك “lobbyiste” مثل أحمد الشرعي عبر مقاله الأخير الداعي إلى تنصيب منسقة حزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة للحكومة.

كانت الخطوة لتكون “شرعية” وطبيعية لو تعلّق الأمر بمؤسسة وظيفتها إعلامية صرفة، أما وأن الرجل معروف، وبشكل علني ورسمي، بنشاطه، الذي قد يكون “وطنيا” أو لا يكون، ليس هذا ما يهمّ، كمحترف في مجال ال”لوبيينغ”؛ فإن الخطوة تعبّر بوضوح عن وصول “الجرأة” على المؤسسات والخيارات الحيوية درجة خطيرة.

الدستور واضح في هذا الباب، ويقول إن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. أي أنه قرار واختصاص حصري للملك، بعد تعبير الشعب عن اختياره بشكل حرّ وديمقراطي.

لهذا يصبح كل ما يحيط، قبل الاقتراع، بتسويق أسماء لرئاسة الحكومة، وباللوبيينغ السياسي والإعلامي، وبمحاولات صناعة الأمر الواقع وفرضه على الملك والشعب، قبل أن تقول الصناديق كلمتها، وقبل أن يضع الملك خاتمه على ظهير التعيين، أكثر من مجرد مناورة انتخابية عابرة. بل يطرح سؤالا أكبر: أين ينتهي التنافس المشروع، وأين يبدأ السعي إلى توجيه إرادة الناخبين أو استباقها والسيطرة على الدولة من خلالها؟

لا يتعلق الأمر هنا بالقول إن التصويت سينقذ الدولة، أو إن الامتناع سيهدمها. المسألة أكثر تعقيدا من ذلك. فالامتناع حين يكون خيار مقاطعة هو موقف سياسي له أسبابه، مثل فقدان الثقة، وضعف العرض الحزبي، والشعور بأن المؤسسات لا تستجيب بما يكفي، أو الاعتقاد بأن الصوت الفردي لا يغير شيئا. وهذه كلها أسباب لا ينبغي احتقارها أو تبسيطها.

لكن المشاركة بدورها من اللحظات القليلة التي يصبح فيها المواطن، ولو لدقائق، طرفا مباشرا في إعادة تشكيل المؤسسات التي ستقرر في الضرائب والأسعار والتعليم والصحة والشغل والحريات والسياسة الخارجية وتوزيع الموارد العمومية. وهنا تقع المسؤولية الجسيمة على عاتق هذا المواطن.

الدولة ليست مجموعة بنايات إدارية ولا مؤسسات منفصلة عن الناس. إنها، في أصل الفكرة، اتفاق على العيش داخل بيت واحد، وتقاسم قواعده وموارده ومخاطره ومستقبله.

وحين تضعف أدوات المراقبة، وينكمش المجتمع المدني، وتفقد الصحافة جزءا من قدرتها على كشف الاختلالات، وتتراجع الأحزاب عن إنتاج النخب والأفكار، تصبح كل ورقة متبقية أكثر وزنا مما كانت عليه في الظروف العادية. والورقة التي نحتفظ بها اليوم وإلى غاية مساء الأربعاء 23 شتنبر 2026، هي صوت الناخب.

من هنا أعود إلى ذلك المسؤول القديم وإلى رغبته، يومها، في ترك موقعه والنزول إلى الميدان لتأسيس حزب جديد. فهو لم يكن يتحدث عن طموح شخصي. بل كان يتحدث، كما فهمت منه، عن خوف على الدولة نفسها من أن تصبح أضعف من أصحاب المصالح الذين يتحركون حولها.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مغربي ومغربية يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، ليجيبنا من داخل “المعزل”، هل يريد مؤسسات أقوى من الأشخاص، وسياسة أقوى من المال، ومحاسبة أقوى من الشبكات، وصحافة ومجتمعا مدنيا قادرين على التنبيه والتصحيح؟ أم يعتبر أن اللعبة حُسمت سلفا ولا جدوى من الدخول فيها، ولنستعدّ للخراب؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال نيابة عن المواطن-الناخب. لكن ما لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج الحملة، أن خيار المشاركة أو الامتناع ليس قرارا بلا أثر ولا معنى. إنه جزء من العلاقة التي نقرر، نحن المغاربة، أن نقيمها مع مؤسساتنا ومع مستقبلنا الجماعي.

فحين تضعف الدولة، لا يدفع الثمن أصحاب النفوذ. بل يدفعه المواطن العادي، مثل ومثلك أيها القارئ.