الدوائر المتأرجحة.. 15 دائرة التي ستحسم معركة انتخابات 23 شتنبر
تجرى الانتخابات التشريعية المغربية يوم 23 شتنبر 2026، رسميا، في 92 دائرة محلية و12 دائرة جهوية، أي ما مجموعه 101 دائرة انتخابية، تتقاسم المقاعد ال395 التي يتشكّل منها مجلس النواب. لكن عوامل عديدة تتضافر لتجعل عملية الاقتراع في 33 دائرة محلية و11 دائرة جهوية، شبه هامشي، بفعل القاسم الانتخابي الذي لم يعد يسمح بالفوز بأكثر من مقعد واحد في كل دائرة إلا استثناء (الاستثناء الوحيد في انتخابات 2021 كان عند حزب التجمع الوطني للأحرار الذي فاز بمقعدين اثنين في ثلاث دوائر جهوية)، وهو ما يجعل هذه الدوائر قد قادرة على ترجيح كفة أي من الأحزاب الثلاثة المتصدّرة للمشهد الانتخابي حاليا، أي أحزاب الأغلبية الحكومية: التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، إلى جانب حزب العدالة والتنمية الذي يظل الحرب الوحيد من بين أحزاب المعارضة الذي يمكنه كسر هذه الهيمنة، لحداثة عهده بالحضور الانتخابي الكبير.
التقطنا هذه الفكرة من حوار أجريناه مع أستاذ الجغرافيا السياسية، مصطفي اليحياوي، في حلقة حديثة من برنامج “لقاء خاص”، حين قال إن الانتخابات التشريعية المقبلة ستُحسم في 95 دائرة محلية التي يقل عدد مقاعدها عن أربعة مقاعد، أي ذات المقعدين وثلاثة مقاعد. فقدّدنا بناء على ذلك الدخول في رحلة تأخذنا إلى أعماق خصائص هذه الدوائر، ومحاولة الوصول إلي تلك؛ التي تبدو مؤهلة أكثر لحسم الصراع الدائر أساسا بين أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية، من خلال فحص وتحليل معطيات نتائجها في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي تعتبر الأولى التي يحكمها القاسم الانتخابي الحالي.
بحثنا من خلال جمع وترتيب وتنظيف ثم تحليل البيانات الخاصة بهذه الدوائر، عن تلك التي كانت نتائجها متقاربة للغاية في استحقاق 2021، وبالتالي هي أكثر “هشاشة” وقابلية لتغيير النتيجة بين الفائزين بمقاعدها، ثم فحصنا تلك التي كان فيها الحزب الأول ضمن قائمة الأحزاب التي تم إقصاؤها من توزيع المقاعد أقرب إلى الحزب الأخير ضمن “المتأهلين”، وهو ما يعني وجود احتمال كبير لخسارة حزب فاز في الانتخابات الأخيرة وتعويضه بآخر، ثم تعقّبنا حركة الترحال السياسي في هذه الدوائر “الصغير” من حيث عدد مقاعدها والكبيرة في تحديد مصير الخريطة الانتخابية، كما ثمنا أخيرا بتعقّب حركة الزيارات وتجمعات ما قبل الحملة الانتخابية التي قامت بها قيادات الأحزاب المتنافسة، لنخرج بنتيجة حصلنا من خلالها على قائمة بعشر دوائر تتركّز فيها مؤشرات التنافس الشديد، والقابلية لتغيير الخريطة.
ثلث مجلس النواب
قد يبدو المقعدان اللذان تنتخبهما دوائر كلميم أو جرادة أو طرفاية رقما هامشيا أمام دوائر أكبر، وقد لا تثير ثلاثة مقاعد في ميدلت أو تاونات أو أزيلال الانتباه نفسه الذي تثيره الدوائر الحضرية الكبرى. لكن جمع هذه الدوائر الصغيرة يغير الصورة كلها.
كما أشرنا سابقا، فتح أستاذ الجغرافيا السياسية مصطفى اليحياوي أعيننا على معطى مفاده أن من أصل 92 دائرة انتخابية محلية، توجد 59 دائرة لا تنتخب سوى نائبين أو ثلاثة: 21 دائرة بمقعدين و38 بثلاثة.
مجموع ما تمنحه هذه الدوائر “الصغيرة” هو 156 مقعدا من أصل 305 مقاعد محلية، أي أكثر من نصف المقاعد التي تنتخب مباشرة على المستوى المحلي. وبذلك لا يمكن اعتبار هذه الدوائر مجرد هامش جغرافي في الخريطة، بل هي كتلة انتخابية قادرة على إنتاج أكثر من ثلث مجلس النواب بكامل أعضائه. وكانت هذه هي نقطة الانطلاق التي وضعها هذا التحقيق تحت الاختبار: هل يعني هذا الوزن العددي أن معركة الصدارة تمر فعلا من هنا، أم أننا أمام مجرد تجميع إحصائي لدوائر مختلفة لا يجمع بينها سوى عدد المقاعد؟
أول جواب جاء من انتخابات 2021. فحين أعدنا تجميع المقاعد الـ156 بحسب الحزب الذي فاز بها، وجدنا أن التجمع الوطني للأحرار حصل على 53 مقعدا، والأصالة والمعاصرة على 44، والاستقلال على 37. أي أن الأحزاب الثلاثة التي أنهت الانتخابات السابقة في مقدمة الترتيب أخذت، وحدها، 134 مقعدا من أصل 156، بما يقارب 86 في المئة. وفي دوائر المقعدين تحديدا كان التركيز أكبر: 39 مقعدا من أصل 42 ذهبت إلى هذه الأحزاب الثلاثة، أي نحو 93 في المئة. وهو ما يعني أن هذه الأحزاب “تلعب” في ملعب هذه الدوائر أساسا وليس في مجموع المجال الترابي للمغرب.
واللافت أكثر هو موقع حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تصدر الاقتراع السابق، ويعتبر اليوم محور الاستراتيجيات الانتخابية، حسب الأستاذ اليحياوي، والتي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة ومعه حزب الاستقلال، لإخراج الحمامة من مرتبتي الصدارة.
كان الأحرار خلال الولاية السابقة ممثلين بنواب في 53 دائرة من أصل الـ59، أي في تسع دوائر تقريبا من كل عشر. وهذه النتيجة تكمل ما ظهر في تحقيق سابق لـ«لسان المغرب» حول المال والانتخابات: الأحرار لم يفوزوا في 2021 فقط بـ102 مقعد، بل كانوا قد حصلوا على مقعد محلي في 86 دائرة من أصل 92، وكانت 97.5 في المئة من أصواتهم المحلية موجودة داخل دوائر أنتجت لهم مقعدا.
بتعبير آخر: لم تكن قوة الحزب في عدد الأصوات وحده، بل في مكان وجود تلك الأصوات، وهذا هو الخيط الناظم الذي سيقود التحقيق الحالي خطوة أخرى إلى الأمام. فإذا كان توزيع الأصوات على الجغرافيا قد ساهم في صنع صدارة 2021، فأي جغرافيا ينبغي مراقبتها لمعرفة ما إذا كانت هذه الصدارة مهددة في 2026؟
هذا المقال جزء من العدد 123 من مجلة “لسان المغرب” حول الإنتخابات التشريعية 2026. لقراءة العدد كاملا، يرجى الضغط على الرابط