بحضور لافت وغير متوقع.. لماذا يقود جمال العسري حملة اليسار من خارج اللوائح؟
في الجولات الميدانية والمهرجانات الخطابية عبر مختلف الدوائر، يظهر جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وممثل تحالف اليسار، محاطاً بمناضلي الحزب وفيدرالية اليسار الديمقراطي والمتطوعين المساندين للتحالف في حملته الانتخابية. وبينما كان منتظراً أن تنصرف أضواء الحملة إلى المرشحين المتنافسين على المقاعد، برز العسري، الذي لا يوجد اسمه ضمن لوائح المرشحين، كأحد الوجوه التي حظيت بحضور واهتمام خلال هذا الاستحقاق.
يتنقل العسري بين الفروع في مختلف المناطق، من طنجة والدار البيضاء إلى أزيلال والأطلس وخنيفرة والحاجب وسلا الجديدة وغيرها، عاقداً اللقاءات التواصلية والتأطيرية. ويتوازى هذا الحضور الميداني مع إطلالات إعلامية متكررة عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية، خاض خلالها سجالات حول الملفات السياسية والانتخابية المطروحة.
واللافت أن هذا الحضور يحدث بينما لا يوجد اسم جمال العسري ضمن لوائح المرشحين لهذه الاستحقاقات. فقد اختار أن يخوض الحملة من موقع أمين عام الحزب وأحد قيادات تحالف اليسار، من دون أن ينافس على مقعد برلماني شخصي.
وخلال الحملة، حظي خطابه السياسي باهتمام وتفاعل تجاوزا الدائرة التنظيمية للحزب، سواء من خلال السجالات التي أثارتها بعض تصريحاته أو النقاش الذي رافق مواقفه بشأن عدد من القضايا السياسية والانتخابية.
جمال العسري، الذي انتُخب أميناً عاماً للحزب الاشتراكي الموحد في نونبر 2023 خلفاً لنبيلة منيب، يخوض بذلك الانتخابات الحالية من موقع مختلف عن تجربته السابقة. فقد سبق له أن خاض انتخابات 2021 وكيلاً للائحة حزبه بدائرة طنجة-أصيلة، قبل أن ينتقل إلى قيادة الحزب.
مسار جمال العسري
قبل بروز اسمه في الواجهة الانتخابية والإعلامية، تدرج جمال العسري في مسار أكاديمي ونقابي وسياسي امتد لسنوات. إذ نال شهادة الإجازة في الأدب العربي سنة 1989، وتابع دراسته الجامعية لمدة سنتين بفرنسا، قبل أن يحصل على الماستر سنة 2014 والدكتوراه في التخصص ذاته سنة 2018.
وعقب تعيينه في مدينة الداخلة سنة 1992، انخرط في العمل النقابي؛ إذ ساهم خلال الموسم الدراسي 1992-1993 في تأسيس الفرع الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالداخلة، وكذلك الاتحاد المحلي بالمدينة.
وتدرج في الهياكل النقابية إلى أن وصل إلى المجلس الوطني والمكتب الجهوي، وشغل مهمة الكاتب الإقليمي لنقابة التعليم بالداخلة ثم طنجة. وعقب انتخابه أميناً عاماً للحزب، طلب إعفاءه من المسؤوليات القيادية النقابية، استناداً إلى مبدأ عدم الجمع بين القيادتين.
أما سياسياً، فبدأت تجربته من النضال الطلابي في صفوف “الطلبة القاعديين” بكلية الآداب بالقنيطرة. ثم ساهم في 23 مارس 1997 في تأسيس فرع منظمة العمل الديمقراطي الشعبي بالداخلة وتولى كتابته.
ومع تأسيس الحزب الاشتراكي الموحد، تولى مهمة نائب كاتب فرع طنجة، وانتُخب عضواً في المجلس الوطني منذ المؤتمر الاندماجي. وفي سنة 2018 انتُخب عضواً في المكتب السياسي وشغل مهمة المنسق الوطني للجنة الوطنية للتنظيم، قبل أن ينتخب أميناً عاماً للحزب في مؤتمره الوطني المنعقد في نونبر 2023 خلفاً لنبيلة منيب. كما خاض الاستحقاقات التشريعية لسنة 2021 وكيلاً للائحة الحزب بدائرة طنجة-أصيلة.
وإلى جانب ذلك، ارتبط اسمه بالعمل التضامني الداعم للقضية الفلسطينية، حيث انتُخب في أبريل 2022 منسقاً وطنياً للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، التي تضم أكثر من 15 تنظيماً سياسياً وحقوقياً ونقابياً، واستمر في هذه المهمة إلى مارس 2024. وظل ملف مناهضة التطبيع حاضراً في خطابه السياسي.
خطاب يتجاوز الوعود التقنية
في خرجاته الإعلامية والميدانية، لم يقتصر العسري على تقديم الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للتحالف، بل دفع النقاش نحو جوهر الممارسة السياسية واختصاصات المؤسسات المنتخبة.
ويركز العسري على مبدأ المسؤولية السياسية الصريحة للحكومة؛ إذ يرى أن الحزب الذي يكلّفه الملك بتشكيل الحكومة، وفق الفصل 47 من الدستور، مسؤول عن تنفيذ البرنامج الذي قدمه إلى الناخبين.
ويؤكد أن الحكومة ينبغي أن تتحمل مسؤولية قراراتها وبرامجها كاملة أمام المواطنين والبرلمان، دون أن تتنصل من التزاماتها أو “تختبئ خلف برنامج الملك أو توجيهاته”، إذ يعتبر أن الحكومة يفترض أن تكون مسؤولة عن البرنامج الذي تقدمت به إلى الناخبين.
ومن هذا المنطلق، يربط العسري تطبيق البرنامج الحكومي بضرورة إقرار إصلاحات سياسية ودستورية عميقة، تشكل المدخل الأساسي لأي تغيير. ويدافع عن الانتقال نحو ملكية برلمانية “يسود فيها الملك ولا يحكم، قائمة على السيادة الشعبية، وتفكيك الاحتكار والاستبداد، وإرساء دعائم دولة الحق والقانون وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
ولا يتعامل العسري مع الانتخابات باعتبارها تنافساً على المقاعد والبرامج الاجتماعية والاقتصادية فقط، وإنما باعتبارها مناسبة لإعادة طرح سؤال الصلاحيات والمسؤوليات: من يضع البرنامج، ومن ينفذه، ومن يتحمل مسؤوليته أمام المواطنين؟
“وزارات السيادة” والتطبيع والحريات
ضمن التصور السياسي نفسه، يرفض جمال العسري الفصل بين الجهاز الحكومي وبعض القطاعات بداعي عدم خضوعها للمساءلة السياسية المباشرة.
ويشدد على عدم وجود سند دستوري لفكرة “وزارات السيادة”، مؤكداً أن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية تدخل ضمن مجالات عمل الحكومة ومسؤوليتها السياسية أمام البرلمان، مستنداً في ذلك إلى المقتضيات الدستورية ذات الصلة.
ومن هنا جاء موقفه من التطبيع واحداً من أكثر مواقفه حضوراً خلال الحملة. فبعد الإعلان عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، أعلن العسري رفض تحالف اليسار لهذا المسار. وأكد أن التحالف يربط مشاركته في أي تشكيلة حكومية بإنهاء التطبيع.
وتتضمن رؤية العسري حزمة إجراءات عاجلة أعلنها كأولويات للتحالف في حال قيادته أو مشاركته في الحكومة، تشمل إلغاء اتفاق التطبيع، وإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي وتسليم مقره لسفارة دولة فلسطين، وإقرار عفو عام، ومراجعة القوانين السالبة للحقوق والحريات.
ولا يتعامل العسري مع ملف الحريات السياسية كإجراء جزئي، بل يراه مدخلاً رئيسياً للإصلاح السياسي الشامل. ويدعو التحالف إلى إصدار قانون للعفو العام يُفرج بموجبه عن المعتقلين الذين يعتبرهم التحالف معتقلين سياسيين، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف.
كما ينتقد العسري المقاربة الأمنية في التعاطي مع الاحتجاجات الشبابية، بما فيها احتجاجات “جيل زد”، مشيراً إلى أن هذه الفئات خرجت لمطالب اجتماعية أساسية تتعلق بالصحة والتعليم وفرص الشغل، وأن بعض المشاركين فيها واجهوا أحكاماً بالسجن ومتابعات قضائية.
“الكرامة أولاً” والعدالة الاجتماعية
وفي مقابل التأسيس للإصلاح السياسي، يضع العسري العدالة الاجتماعية في قلب خطاب تحالف اليسار. ولا يمثل شعار “الكرامة أولاً”، بالنسبة إليه، مجرد عنوان انتخابي للتحالف، بل يطرحه كمركب شامل يربط بين الحق في الشغل والتعليم العمومي والصحة والسكن اللائق.
ويرى العسري أن غياب هذه المقومات ينتج حالة من “الحكرة” تدفع الشباب إلى البحث عن فرص خارج البلاد، بما في ذلك المخاطرة بالهجرة غير النظامية.
وتتجسد هذه الرؤية الاقتصادية في البرنامج الانتخابي عبر مطلب الحد من تسليع الخدمات الاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، والتأسيس لاقتصاد تضامني يدعم الصناعة الوطنية والفلاحة المعيشية، ويقطع مع ممارسات الريع والاحتكار.
السلطة والمال.. سؤال المحاسبة
ويمتد حضور العسري في السجال الانتخابي إلى ملف الحكامة والمحاسبة، إذ يطالب النيابة العامة بالتدخل والتحقيق القضائي في اتهامات الفساد والخروقات المتبادلة بين مسؤولين داخل الحكومة نفسها، مشدداً على أن اتهامات من هذا النوع لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مناكفات انتخابية عابرة، دون فتح تحقيقات تترتب عنها المسؤوليات القانونية.
وفي ما يتعلق برقم 280 مليار درهم الذي أثير خلال الحملة، طالب العسري بفتح تحقيق حول أوجه صرف هذه الاعتمادات وتحديد المسؤوليات، محاولاً نقل النقاش من مستوى الرقم المتداول في الخطاب الانتخابي إلى سؤال المال العام والمحاسبة.
ويحذر العسري باستمرار من مخاطر زواج السلطة بالمال لما يسببه، وفق تعبيره، “من إفساد للمؤسسات البرلمانية والعملية الانتخابية”، داعياً إلى تفعيل المقتضيات المتعلقة بتجريم الإثراء غير المشروع.
كما يسلط الضوء على ما يعتبره اختلالاً في توزيع السلطة بين المسؤول المعين والمنتخب؛ إذ يرى أن العامل أو الوالي قد يمسك بالقرار والاعتمادات المالية دون الخضوع للمحاسبة الشعبية، مقابل وضع المنتخب في واجهة المساءلة الانتخابية، رغم القيود المفروضة على صلاحياته.
الموقف من المنظومة الانتخابية
وعلى صعيد المنظومة الانتخابية نفسها، ينتقد جمال العسري استمرار إشراف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية، ويدافع عن اعتماد البطاقة الوطنية أساساً مباشراً لممارسة حق التصويت لكل مواطن بلغ 18 سنة، بما يتجاوز شرط التسجيل في اللوائح الانتخابية.
كما يشدد على تفعيل الحق الدستوري لمغاربة العالم في التمثيل والترشح البرلماني، بدلاً من اختزال العلاقة معهم في جلب الاستثمارات.
ويربط العسري هذه المطالب بمواجهة نفوذ المال السياسي؛ إذ ينتقد اعتماد دوائر صغرى بمقعدين، ويدافع عن لوائح جهوية أو لائحة وطنية، يرى أنها يمكن أن تحد من تأثير المال على نتائج الاقتراع.
يسار بلغة جديدة
ورغم تمسك العسري بالمبادئ التأسيسية لليسار، فإنه يعترف بوجود ضرورة لتجديد لغة الخطاب السياسي. فبينما يطرح قضايا الملكية البرلمانية والسيادة الشعبية وإقرار العفو العام واقتصاد الإنتاج والتضامن، يشدد على ألا يظل اليسار أسيراً لمصطلحات تنتمي إلى القرن الماضي، بل ينبغي تطوير أدوات تحليل ومفاهيم تواكب تطلعات شباب القرن الحادي والعشرين.
ويرى العسري أن هذا التوجه يترجمه أيضاً تنوع اللوائح الانتخابية للتحالف، التي ضمت شباباً وأطباء وأطراً جامعية ونشطاء وشخصيات حقوقية، إلى جانب كفاءات من مجالات مختلفة.
لماذا لم يترشح جمال العسري؟
ويشكل قرار العسري الخروج من تنافس اللوائح الانتخابية خياراً تنظيمياً وسياسياً. فبعد خوضه انتخابات 2021، فضّل في هذه الاستحقاقات أن يقود الحملة من خارج اللوائح. ويختصر العسري خلفية القرار، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، بقوله: “لو لم أكن أميناً عاماً لترشحت”.
ويوضح أن مهام الأمين العام تفرض ألا ينحصر نشاطه في فرع أو دائرة محلية بعينها، بل تستوجب التواجد في المركز وإدارة التأطير والتنظيم والتنقل الميداني بين الفروع الوطنية كافة، من طنجة إلى أزيلال والأطلس وخنيفرة وغيرها، إلى جانب اللقاءات الصحافية والإعلامية.
ويشرح أن حملة انتخابية محصورة في طنجة كانت ستجعل من الصعب عليه القيام بما يراه ضرورياً من مواكبة الحزب في مختلف المناطق.
ورغم مطالبة مناضلي فرع طنجة بترشحه، فإنه فضّل عدم تقديم ترشيحه تطبيقاً لمنطق “تقديم الأهم على المهم”، إذ يتجلى “الأهم” بالنسبة إليه في بناء الحزب وتقوية التحالف والاضطلاع بمسؤولية الأمانة العامة الموجهة لجميع الفروع دون استثناء.
ويستحضر العسري في ذلك تجربته السابقة قائلاً إنه عندما لم يكن أميناً عاماً ترشح، وإنه سيترشح مجدداً عندما لا يكون أميناً عاماً، وفق المسطرة التنظيمية للحزب.
ما الذي يريده من 23 شتنبر؟
عندما يُسأل جمال العسري عن انتظاراته من استحقاقات 23 شتنبر، لا يربط الإجابة بمنافسة على مقعد شخصي أو موقع تنفيذي ينتظره عقب الاقتراع.
ويحدد العسري ثلاثة انتظارات أساسية لتحالف اليسار. يتمثل الأول في الوصول إلى “صوت قوي داخل البرلمان”، عبر إيصال أكبر عدد من البرلمانيين لتشكيل فريق نيابي “يمارس المعارضة الحقيقية وينقل المطالب الشعبية من داخل المؤسسة التشريعية”.
وينص ميثاق التحالف، في هذا السياق، على العمل المشترك داخل البرلمان من خلال تأسيس فريق أو مجموعة برلمانية يسارية موحدة خلال الولاية المقبلة.
أما الانتظار الثاني، فيتمثل في “إعادة الثقة للعمل السياسي وخاصة لليسار”. ويقول العسري إن خطاب اليسار بدأ، خلال الحملة، يحظى بالاستماع والنقاش والمتابعة، ويرى في ذلك مؤشراً على إمكانية إعادة بناء صلة مختلفة بين اليسار والمواطنين.
في حين يتمثل الانتظار الثالث في مصالحة الفاعل السياسي مع وظائفه السياسية والرفع من مستوى الأداء الحزبي.
ويعكس قرار عدم الترشح موقع العسري داخل الحملة، إذ اختار أن يضع موقع الأمانة العامة في خدمة التعبئة الوطنية والتأطير الميداني لمختلف الفروع، بدل خوض المنافسة على مقعد برلماني.
وفي 23 شتنبر، لن يكون اسم جمال العسري ضمن أسماء المرشحين في هذه الانتخابات، لكن حضوره السياسي سيظل مرتبطاً بالنتيجة التي سيحققها التحالف الذي يقوده، وبعدد البرلمانيين الذين سيتمكن من إيصالهم إلى مجلس النواب، وبالمساحة التي سيحصل عليها الخطاب اليساري داخل المؤسسة التشريعية.