انتخابات الأعيان
حسنا فعل حزب الأصالة والمعاصرة حين ذكّر، في بلاغه الصادر ردا على التجمع الوطني للأحرار، بأن الحزب الذي يشتكي اليوم من استقطاب برلمانييه سبق له أن مارس اللعبة نفسها على نطاق واسع.
بل إن قيادة “الجرار” بدت شديدة الأدب وهي تتوقف عند هذا الحد، ولا تذكّر خصمها بأن رئيسه محمد شوكي نفسه قادم من شبيبة الأصالة والمعاصرة.
لكن المشكلة هنا ليست من البادئ، وبالتالي فهو “أظلم”، ولا من يملك اليوم الحق الأخلاقي في الشكوى؛ الأهم أن هذا السجال أعاد إلى الواجهة، وبصورة شبه فجة، واحدة من أكثر القواعد ثباتا في الانتخابات المغربية، مفادها أنه حين تضعف الأحزاب بما هي تنظيمات سياسية، ترتفع قيمة الأعيان بما هم أصول انتخابية قابلة للنقل من حزب إلى آخر.
لذلك، فجوهر الصراع المتفجر اليوم بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة لا يوجد، في تقديري، في البلاغات المتبادلة ولا في الخلاف حول حصيلة الحكومة ولا حتى في القصف الكلامي السابق للانتخابات.
ما فجّر الأزمة فعلا هو وصول آلة الاستقطاب إلى أسماء من العيار الذي تعتبره الأحزاب جزءا من قدرتها على الفوز، وفي مقدمتها نواب ومنتخبون يملكون وراءهم دوائر وشبكات ورئاسات جماعات وتجارب سابقة في حصد الأصوات.
هذه فكرة بديهية عند الباحثين في العلوم السياسية والمتخصصين في الانتخابات المغربية منذ. الاستقلال. لكن دعونا نقوم بمحاولة جديدة للفهم. حاولت أخذ عيّنة من “الأعيان” الذين استقطبهم حزب الأصالة والمعاصرة في الفترة الأخيرة من حزب التجمع الوطني للأحرار بهدف تزكيتهم في انتخابات 23 شتنبر المقبل.
حصرت الاختيار، حرصا على دقة وتمثيلية العينة، إلى أقصى الحدود، لأقتصر في النهاية على النواب البرلمانيين الذين قضوا الولاية الحالية، أي انتخبوا عام 2021، في صفوف حزب التجمع الوطني للأحرار، وبات انتقالهم إلى حزب الأصالة والمعاصرة مؤكدا وثابتا، فكانت النتيحة خمسة أسماء.
يتعلّق الأمر بكل من بوشتى بوصوف، الذي دخل مجلس النواب سنة 2021 بعد تصدره دائرة تاونات-تيسة بـ39 ألفا و235 صوتا، وهو إلى جانب ذلك رئيس جماعة عين معطوف؛ ونور الدين قشيبل، الذي حصل في دائرة القرية-غفساي على 32 ألفا و249 صوتا، ويرأس جماعة مولاي عبد الكريم؛ ومروان شباعتو، الذي تصدر دائرة ميدلت بـ29 ألفا و490 صوتا، متقدما على الاستقلال والحركة الشعبية. ويضاف إلى هؤلاء الثلاثة عبد الحي حرطون، النائب عن دائرة طرفاية ورئيس جماعتها، وهو من الأسماء المرتبطة بالتجمع الوطني للأحرار منذ ما قبل انتخابات 2021؛ ثم زينب السيمو، التي دخلت مجلس النواب سنة 2021.
وفيما انتخبت زينب السيمو عبر لائحة جهوية وبالتالي لا يمكننا الحديث عن قاعدة انتخابية خاصة بها في دائرة العرائش حيث ستترشح اليوم، ولم نعثر على رقم نهائي موثق لأصوات لائحة حرطون في طرفاية؛ تسمح البيانات المتوفرة رسميا بقياس الرصيد الانتخابي المحلي السابق لكل من بوصوف وقشيبل وشباعتو. فقد حملت اللوائح التي قادوها سنة 2021 ما يفوق 100 ألف صوت.
لا يعني ذلك أن هذه الأصوات ستنتقل معهم إلى الأصالة والمعاصرة، فالناخب ليس قطعة أثاث يحملها المرشح معه حين يغير الحزب لكنه يعطي مؤشرا على نوعية الأسماء التي يدور حولها الصراع: منتخبون يجمع بعضهم بين نتائج محلية قوية ورئاسة جماعة وشبكات انتخابية سبق اختبارها في صناديق الاقتراع.
لا ينتمي المنتقلون الخمسة إلى النموذج نفسه. فزينب السيمو بدأت مسارها الانتخابي سنة 2015 مع الحركة الشعبية قبل أن تلتحق، رفقة والدها، بالأحرار في سياق انتخابات 2021، ونور الدين قشيبل كان نائبا باسم حزب العدالة والتنمية في ولاية 2016-2021، قبل أن يغادره نحو الأحرار ويفوز مجددا، ثم ينتقل اليوم إلى البام.
في المقابل، كان عبد الحي حرطون تجمعيا منذ انتخابات 2015 على الأقل، وبوشتى بوصوف كان يقدم رسميا بصفته منسقا إقليميا للأحرار منذ 2017، فيما ترجح المعطيات أن مروان شباعتو ينتمي إلى مسار تجمعي أقدم من 2021، وإن ظل تاريخ عضويته الأولى يحتاج إلى تدقيق، وكان “الماضي السياسي” لوالده اتحاديا.
أي أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يأخذ من الأحرار نوعا واحدا من الأعيان. فهو يستقطب في بعض الحالات، رأسمالا انتخابيا كان الأحرار نفسه قد “استورده” قبيل انتخابات 2021، كما هو الحال مع السيمو وقشيبل. وفي حالات أخرى، يقتطع من الحزب المنافس “أصولا انتخابية” كانت مستقرة داخله منذ سنوات، كما في حالتي حرطون وبوصوف.
أي أن الصراع لا يدور فقط حول تجميع مرشحين جدد، بل حول إعادة توزيع القوة الانتخابية الموجودة أصلا، بين الأحزاب.
تكاد حالة قشيبل تختصر الفكرة كلها. فالرجل كان نائبا عن حزب العدالة والتنمية، ثم التحق بالأحرار وفاز مجددا، وهو اليوم ينتقل إلى الأصالة والمعاصرة. مسار جعل منه حالة نادرة تسمح لنا بعد الانتخابات المقبلة بطرح سؤال كم من يبقى للحزب الذي غادره من أصوات، وكم ينتقل معه إلى الحزب الجديد، حين يبدل المرشح الحزب؟
هذا السؤال هو ما يجعل الأعيان بهذه الأهمية في الانتخابات المغربية. الحزب الذي لا يملك قاعدة سياسية صلبة تكفي لإنتاج مرشحيه وناخبيه يحتاج إلى أشخاص أثبتوا قدرتهم على الفوز من قبل. وكلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت قيمة هؤلاء كما ترتفع قيمة لاعب موهوب في الأيام الأخيرة من سوق الانتقالات، ليس لأن أصواتهم مضمونة، بل لأنهم يقللون من مساحة المجهول.
لهذا تبدو المعركة الحالية بين الأحرار والبام أقل اتصالا بما يقوله الحزبان عن نفسيهما وأكثر ارتباطا بما يعرف كل واحد منهما أنه يحتاجه للفوز. فالاحتجاج القوي للأحرار على استقطاب أسماء سبق له الإعلان عن تزكيتها أو ما زالت تمارس انتدابات باسمه، يقدم مؤشرا على القيمة التي يمنحها الحزب لهذه الأسماء.
ستسمح نتائج الانتخابات المقبلة باختبار بعض هذه الحالات على نحو شبه مخبري. قشيبل بعد العدالة والتنمية ثم الأحرار، وبوصوف بعد فوزه الكبير باسم الحمامة، وبقية الأسماء التي تنتقل وفي سجلها مقاعد ورئاسات جماعات. عندها سنعرف بصورة أدق أين ينتهي وزن الحزب ويبدأ وزن الشخص.
في انتظار ذلك، المؤكد أن حدة الصراع حول هؤلاء تكشف، أكثر من أي خطاب، موقعهم الحقيقي في الخريطة الانتخابية. وحين تتحول فترة ما قبل الاقتراع إلى معركة حول النواب ورؤساء الجماعات وأصحاب النتائج السابقة، فإن الأحزاب نفسها تقول لنا، عن قصد أو دون أن تقصد، أن أحد أهم مفاتيح الفوز يوجد في بعض الأشخاص الذين يمكن توجيههم، أو إغراؤهم، أو الضغط عليهم، وليس في الناخب الذي سيذهب إلى مكتب التصويت يوم 23 شتنبر 2026.