بعد أحداث سبتة.. هل يدفع المغاربة المقيمون في أوروبا ثمن الأزمة؟
مع اتساع تداعيات موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، لا تقتصر آثار الأزمة على الحدود المغربية الإسبانية أو على المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى الضفة الأخرى، بل تمتد، وفق مراقبين، إلى أوضاع ملايين المغاربة المقيمين في أوروبا، في ظل مخاوف من استغلال اليمين المتطرف لهذه الأحداث لتغذية خطاب معاد للهجرة وتشديد السياسات الأوروبية في هذا المجال.
ويرى باحثون ومتخصصون في قضايا الهجرة أن الأزمة الحالية قد تشكل منعطفاً جديداً في النقاش الأوروبي حول الهجرة، ليس فقط من خلال ما خلفته من صور صادمة لآلاف الأشخاص وهم يعبرون نحو سبتة، بل أيضاً بسبب توظيفها سياسياً من قبل الأحزاب اليمينية، وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على صورة الجاليات المغربية المقيمة بشكل قانوني في بلدان الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الصدد، حذر حسن بنطالب، المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، من أن تداعيات ما جرى لن تتوقف عند الأشخاص الذين شاركوا في محاولات العبور، بل قد تطال المغاربة المقيمين في إسبانيا وفي فضاء شنغن عموماً.
وقال بنطالب، وهو مدير منصة “ميغرابريس” المتخصصة في رصد وتحليل خطابات الهجرة، إن “ما وقع ستكون له تبعات، خصوصاً بسبب الطريقة التي سيستثمر بها اليمين المتطرف هذه الأحداث”، موضحاً أن الصور التي بثتها وسائل الإعلام الأوروبية، والتي أظهرت أطفالاً وشباباً ونساء وهم يعبرون بأعداد كبيرة، توفر مادة دعائية تخدم السردية التقليدية لليمين المتطرف المناهضة للهجرة.
وأوضح أن هذه التيارات تقدم المهاجر باعتباره “غازياً” أو “مستعمراً” أو “تهديداً” للمجتمعات الأوروبية، مضيفاً أن الأزمة الحالية ستمنحها زخماً إضافياً لإحياء أطروحة “الاستبدال الكبير”، التي تزعم أن الهجرة القادمة من إفريقيا ستؤدي إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لأوروبا واستبدال سكانها الأصليين.
ويرى بنطالب أن هذه السردية “ستكتسب قوة أكبر بعد أحداث سبتة”، متوقعاً تصاعد حملات العنصرية والتمييز ضد المهاجرين، بمن فيهم أولئك المقيمون بصورة قانونية ويحملون إقامات أو جنسيات أوروبية
ويأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه مواقف عدد من الأحزاب اليمينية الأوروبية عقب أزمة سبتة، إذ وصفت بعض الأصوات ما جرى بأنه “غزو” للحدود الأوروبية، مطالبة بتشديد سياسات الهجرة وتعزيز الإجراءات الأمنية على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
من جهته، اعتبر صلاح الدين المعيزي، الصحافي المتخصص في قضايا الهجرة والكاتب العام للشبكة المغربية لصحفيي الهجرات، أن الأزمة الحالية من شأنها أن تسهم أيضاً في تعميق تحولات أعمق داخل المشهد السياسي الإسباني والأوروبي.
وقال المعيزي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن هذه الأحداث، رغم صدمتها، “ستبقى في جانب منها أحداثاً عابرة قد ينساها الرأي العام مع مرور الصيف، لأنها ليست الأولى من نوعها”، إلا أن تأثيرها السياسي سيكون أكثر استدامة، لأنها تأتي في سياق يشهد منذ سنوات صعوداً متواصلاً لليمين المتطرف داخل إسبانيا.
وأوضح أن الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز تواجه أصلاً وضعاً سياسياً هشاً، معتبراً أن “الأزمة الحالية ستزيد من إضعافها قبل الانتخابات المقبلة، في وقت يستفيد فيه الحزب الشعبي وقوى اليمين من تصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة”.
وأضاف أن هذا التحول السياسي قد ينعكس مباشرة على أوضاع المهاجرين، بمن فيهم المغاربة، عبر تشديد الخطاب والسياسات المتعلقة بالهجرة والاندماج.
وعلى المستوى الأوروبي، يرى المعيزي أن الأزمة الحالية تختلف عن أزمة سبتة سنة 2021، إذ لم يعد الاتحاد الأوروبي، بحسب تقديره، يقدم الدعم السياسي نفسه للحكومة الإسبانية.
وأوضح أن بروكسل تبنت خلال السنوات الأخيرة مقاربة أكثر تشدداً في تدبير الهجرة، انسجاماً مع الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، معتبراً أن المؤسسات الأوروبية تشهد صعود تيار بيروقراطي يدفع نحو تشديد السياسات المرتبطة بالهجرة.
وأشار إلى أن عدداً من الحكومات الأوروبية، من بينها إيطاليا والدنمارك وفنلندا ودول من أوروبا الشرقية، لم تبد هذه المرة مستوى التضامن نفسه مع مدريد، وهو ما يعكس، بحسب قوله، “اتساع الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع تدفقات الهجرة”.
ويرى المعيزي أن هذه التطورات تعيد طرح أسئلة حول مستقبل سياسة مناولة الهجرة، التي تعتمدها أوروبا عبر إسناد جزء من مراقبة الحدود إلى دول الجوار.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي “أصبح يعتمد بصورة متزايدة على دول مثل المغرب وتركيا وليبيا ومصر لضبط تدفقات الهجرة”، معتبراً أن هذا الاعتماد يكشف، في المقابل، حجم الصعوبات التي تواجهها أوروبا في إيجاد سياسة هجرة موحدة ومستقرة.
ويجمع المتحدثان على أن أزمة سبتة لا تمثل فقط حدثاً حدودياً عابراً، بل تشكل محطة جديدة في النقاش الأوروبي حول الهجرة، في وقت يواصل فيه اليمين المتطرف استثمار الأزمات المرتبطة بالحدود لتعزيز حضوره السياسي، وهو ما قد تكون له انعكاسات مباشرة على الجاليات المغربية المقيمة في أوروبا، رغم عدم ارتباطها بمحاولات العبور الأخيرة.
ويخشى حقوقيون أن يتحول الجدل الذي أثارته أحداث سبتة إلى ورقة انتخابية جديدة تستثمرها الأحزاب اليمينية في عدد من الدول الأوروبية، بما قد ينعكس على السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة والاندماج، ويؤثر بشكل غير مباشر على أوضاع الجاليات المغربية المقيمة في القارة العجوز.