ورقة تحليلية: أحداث سبتة تعكس أزمة اجتماعية وتدعو إلى سياسات أكثر إنصافاً
اعتبر باحثون أن موجة العبور الجماعي الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة لا تقتصر على كونها أزمة حدودية، بل تعكس اختلالات اجتماعية واقتصادية داخل المغرب، داعين صناع القرار إلى “تبني سياسات عمومية تعالج الأسباب البنيوية التي تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة”.
وجاء ذلك في ورقة تحليلية بعنوان “كيف يمكن ربط الأحداث الأخيرة في سبتة بتصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في المغرب؟”، اطلعت عليها صحيفة “صوت المغرب”، واستندت إلى نتائج “بارومتر ميغرابريس” الخاص برصد الخطابات المعادية للمهاجرين.
تناقض الخطاب المعادي للمهاجرين
تعتبر المنصة أن ما جرى في سبتة يضع الخطاب المعادي للمهاجرين أمام مفارقة واضحة، إذ “بينما تتزايد في الفضاء الرقمي خطابات تربط المهاجرين، خصوصاً القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، بالجريمة أو الفوضى أو المنافسة الاقتصادية، فإن آلاف المغاربة أنفسهم يواصلون محاولة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا”.
وترى “ميغرابريس” أن الشباب المغاربة الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى سبتة “يسلكون المسارات نفسها التي يسلكها مهاجرون آخرون، ويواجهون الأخطار والإجراءات الأمنية ذاتها”، ما يجعل الفصل بين “نحن” و”هم” في النقاش العمومي “طرحاً لا يعكس الواقع”.
وتربط الورقة بين تصاعد الخطابات العدائية تجاه المهاجرين وبين فترات التوتر الاقتصادي والاجتماعي، معتبرة أن المهاجر يتحول في كثير من الأحيان إلى “كبش فداء” تُحمّل إليه مسؤولية أزمات تعود، في الأصل، إلى عوامل داخلية، من بينها “بطالة الشباب، واتساع الفوارق الاجتماعية، وأزمة السكن، وضعف الآفاق الاقتصادية”.
وتؤكد المنصة أن أحداث سبتة “أظهرت أن هذه الإشكالات لا تمس المهاجرين المقيمين في المغرب فقط، بل تطال أيضاً شريحة واسعة من الشباب المغربي، الذي يرى في الهجرة منفذاً لتحسين أوضاعه”.
المغرب بلد عبور ومغادرة
وتنتقد “ميغرابريس” ما تصفه بالتصورات التي تقدم المغرب باعتباره ضحية لـ”غزو ديمغرافي”، مشيرة إلى أن الواقع أكثر تعقيداً، لأن المملكة تظل، في الوقت نفسه، “بلد مغادرة وعبور واستقرار للمهاجرين”.
وبحسب التحليل، فإن هذه الخصوصية تجعل من الصعب اختزال النقاش في ثنائية المواطن والمهاجر، لأن المغربي “الذي يعيش اليوم داخل بلده قد يصبح غداً هو نفسه مهاجراً يبحث عن فرصة في الخارج”.
كما توقفت الورقة عند ما وصفته بـ”التعاطف الانتقائي” مع ضحايا الهجرة، مبرزة أن وفاة شاب مغربي أثناء محاولة الوصول إلى أوروبا غالباً ما تُفسر بأنها نتيجة البطالة واليأس وانعدام الأفق، بينما يُنظر إلى وفاة مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء، في بعض الخطابات الرقمية، باعتبارها مرتبطة بالهجرة غير النظامية أو التهديد الأمني.
وترى المنصة أن الحالتين تعبران، من منظور اجتماعي، عن واقع واحد “يتمثل في اضطرار أشخاص إلى المجازفة بحياتهم بسبب غياب الفرص”.
وتشير “ميغرابريس” إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، “بل أصبحت تساهم في تشكيل التمثلات الاجتماعية تجاه الهجرة”، إذ يُقدَّم المهاجر القادم من إفريقيا جنوب الصحراء في كثير من الأحيان بوصفه “الآخر” أو “التهديد”، في حين يُنظر إلى الشاب المغربي المرشح للهجرة باعتباره ضحية تستحق التعاطف.
وترى المنصة أن هذا الاختلاف “لا يرتبط بطبيعة الوقائع، بقدر ما يرتبط بالهوية المنسوبة إلى الأشخاص المعنيين”.
دعوة إلى معالجة الأسباب البنيوية
وتخلص الورقة إلى أن مواجهة خطاب الكراهية تجاه المهاجرين لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية أو الحملات التواصلية، بل تستوجب، بالأساس، “معالجة العوامل التي تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة، وعلى رأسها البطالة، والهشاشة، والتفاوتات المجالية، وضعف فرص الحراك الاجتماعي”.
وتحذر المنصة من أن استمرار هذه العوامل سيؤدي، في نظرها، إلى “استمرار ازدهار الخطابات المعادية للمهاجرين، وفي الوقت نفسه إلى بقاء الهجرة غير النظامية خياراً يراه كثير من الشباب المغربي طريقاً نحو مستقبل أفضل”.
وترى “ميغرابريس” أن أحداث سبتة تتجاوز البعد الأمني أو الحدودي، لأنها تكشف، بحسب تعبيرها، عن “تناقض عميق” داخل المجتمع المغربي، حيث يُنظر إلى المهاجر أحياناً باعتباره تهديداً، في الوقت الذي يبرهن فيه آلاف المغاربة، بمحاولاتهم المتكررة للهجرة، أنهم “يتقاسمون مع باقي المهاجرين الطموحات نفسها، والقيود البنيوية ذاتها”.
وتخلص الورقة إلى أن هذه الأحداث “تدعو إلى تجاوز التقسيمات المبسطة بين “المهاجر” و”المواطن”، وإعادة توجيه النقاش نحو المحددات الحقيقية للهجرة، وفي مقدمتها التفاوتات الاجتماعية، وضعف الفرص الاقتصادية، والسياسات العمومية، والتمثلات الاجتماعية التي تغذي الأحكام المسبقة وخطابات الكراهية”.
وترى المنصة أن سبتة “تذكرنا بحقيقة غالباً ما يتم تجاهلها، وهي أن الهجرة ليست قضية تخص الآخرين فقط، بل هي أيضاً واقع مغربي لا يمكن فهمه أو التعامل معه إلا من خلال مقاربة علمية وإنسانية قائمة على المعطيات والوقائع، بعيداً عن الصور النمطية أو ردود الفعل الانفعالية”.