story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

انتخابات الشبكة والغربال

ص ص

لم يكن المغرب، هذا السبت (25 يوليوز 2026)، أمام عودة الحياة إلى السياسة، كما سارع بعض المتحمسين إلى الإعلان، بل كان أمام مشهد أكثر قسوة: حزب الأصالة والمعاصرة يعقد مجلسه الوطني في سلا ويقدّم فوزي لقجع عضوا جديدا في مكتبه السياسي متوّعدا بالزحف على الصدارة، فيما كان التجمع الوطني للأحرار يعقد لقاءه في الداخلة مصفّقا لصانعه، عزيز أخنوش، وهو يندد بما سماه «الميركاتو الانتخابي»، معلنا في ثقة أن «لّي عندو عندو، ولّي ما عندو ما عندو».

لا يتعلق الأمر هنا بمجرّد تبادل للغمز واللمز بين شريكين في الحكومة، ولا بمقدمة عادية لحملة انتخابية تقترب. المسألة أعمق: إننا أمام الصورة النهائية للمسخ الذي انتهى إليه المشهد الحزبي المغربي، بعدما أصبح الرهان كله، والتنافس كله، والتقاطب كله، يدور بين حزبين خرجا، في الأصل، من المطبخ نفسه، ورضعا من الثدي نفسه، واستُدعيا، كل في ظروفه، لأداء الوظيفة نفسها، وهي توفير ذراع انتخابية جاهزة للدولة، عندما تتعب الأحزاب الطبيعية، أو تتمرد، أو تعجز، أو تفوز أكثر مما ينبغي.

كان يفترض أن تظل هذه الوظيفة الاحتياطية مستترة، وتمارس على خجل، وبشيء من الحياء السياسي. شيء شبيه ب”صبعي تم” يظهر عند الضرورة ثم ينسحب، لا يد كاملة تستولي على الطاولة. لكن الذي وقع أن الإصبعين كبرا، وصارا ذراعين، ثم جلسا في مقدمة المشهد، وأخذا يتبادلان الاتهامات.

ما الذي يفصل، في الأصل، بين الحمامة والجرار؟ ألم يكن عزيز أخنوش وراشيد الطالبي العلمي وعدد من الوجوه التي تقود التجمع الوطني للأحرار اليوم جزءا من الفضاء الذي خرجت منه «حركة لكل الديمقراطيين»، قبل أن تنتهي إلى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة؟ ألم يكن محمد شوكي، الذي أصبح اليوم رئيس حزب الأحرار، منسقا جهويا سابقا للأصالة والمعاصرة وعضوا في مجلسه الجهوي بفاس مكناس؟

ما الذي نتابعه، إذن؟ تنافس مشروعين سياسيين، أم خلافا عائليا حول اقتسام الميراث؟ صراعا بين رؤيتين للمجتمع والدولة، أم مباراة بين خريجي النادي نفسه، يتبادلون اللاعبين والقميص والمقاعد، ثم يطلبون من الجمهور أن يقتنع بأن الأمر يتعلق بكلاسيكو الديمقراطية المغربية؟

المشهد أشبه بمباراة فتح أصحابها الملعب، في البداية، أمام بعض الهواة الهامشيين ليشاركوا اللاعبين الأصليين لعبة السياسة. جاء الوافدون باعتبارهم مساعدين، وبعد سنوات استولوا عليها، وأعلنوا ملكية الملعب، وطردوا اللاعبين الأصليين إلى المدرجات، قبل أن يتقاسموا أدوار التنافس في ما بينهم.

صار اللقب حكرا عليهم، وتحولت الأحزاب “الطبيعية” إلى متفرجين، وفي أفضل الأحوال إلى لاعبين احتياطيين ينتظرون إصابة أحد نجوم الفريقين حتى يُسمح لهم بالدخول لبضع دقائق.

لهذا لم يكن ظهور فوزي لقجع في المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة خبرا عاديا. كان مشهدا يبعث، في الوقت نفسه، على الإشفاق وعلى الخوف. لا لأن لقجع قاصر أو «يرضع صبعو» ولا يعرف إلى أين يذهب، بل لأنه تحول، عن جدارة واستحقاق، إلى أيقونة نجاح نادرة في البيئة المغربية.

الرجل صنع في كرة القدم ما عجز كثيرون عن صنعه في قطاعاتهم، وراكم نفوذا وكفاءة وحضورا، وأسهم في صناعة فرح وطني حقيقي. لكن هذه الشعبية المستحقة جعلته اليوم أشبه بلقمة جاهزة أمام فم السياسة، الذي يعرف المغاربة أن داخله لحم، والخارج منه عظم.

كان لقجع، لحظة دخوله القاعة، أكبر من الحزب الذي استقبله. وهذا ليس مدحا له بقدر ما هو تشخيص لحالة «البام». بدا التاريخ الشخصي للرجل أثقل من تاريخ التنظيم، وبدت طاقته الرمزية أقوى من بنيته، وظهر قادة الحزب ومناضلوه يتساوون في التهافت عليه، كما لاحظ الأستاذ الجامعي عبد المنعم لزعر، كأنهم يستقبلون زعيما منتظرا لا عضوا جديدا.

فالحزب الذي يملك نُخبا لا تتحول قياداته إلى طابور لالتقاط صورة مع عضو جديد. أما حين يصبح الفرد أكبر من المؤسسة، وتصبح شعبيته بديلا عن التنظيم، وتتحول كفاءته المهنية إلى رأس مال انتخابي جاهز للاستثمار، فنحن لا نكون أمام التحاق سياسي، بل أمام عملية استحواذ رمزي، لا يُعرف بعد من استحوذ فيها على الآخر: هل ضم «البام» لقجع، أم ابتلع لقجع «البام» منذ لحظة دخوله؟

ومن سلا إلى الداخلة، تغيرت القاعة ولم يتغير العبث. وقف عزيز أخنوش يستنكر منطق «الميركاتو»، ويحدّث أنصاره عن حزب يصنع كفاءاته من داخله، لا عن تنظيم فتح أبوابه، قبل انتخابات 2021، لاستقبال نواب وأعيان ومنتخبين قدموا من كل الجهات.

الرجل الذي قال «لّي عندو عندو» كان يقود الحزب الأكثر استفادة من الترحال البرلماني بين ولايتي 2016 و2021. فمن أصل 115 نائبا أعيد انتخابهم عام 2021، غيّر 21 انتماءهم الحزبي، وكان التجمع الوطني للأحرار المستفيد الأول باستقطابه تسعة نواب. وهذه ليست دعاية خصوم، بل نتيجة مقارنة دقيقة بين لوائح النواب في الولايتين.

ويكفي فتح دفتر الانتقالات نحو حمامة أخنوش: محمد السيمو جاء من الحركة الشعبية، ويونس بنسليمان غادر العدالة والتنمية، وحمدي واعيسي انتقل من الاتحاد الاشتراكي، وسيدي أحمد الشكر جاء من الاستقلال، ومصطفى توتو من الأصالة والمعاصرة… وكان الأستاذ مصطفى السحيمي قد قدّر في حوار صحافي يحتفظ به موقع الزميلة “ميديا24″، أجري معه بعيد انتخابات 2021، عدد البرلمانيين الذين انتقلوا من «البام» إلى الأحرار بنحو عشرين.

الأمر نفسه ينطبق على حديث الإنجاز والنزاهة الاقتصادية. فالرجل الذي وقف يطالب الآخرين بالعمل بدل الضجيج هو نفسه الرجل الذي كانت إحدى شركات مجموعته ضمن تسع شركات وجّه إليها مجلس المنافسة اتهاما صريحا بشأن ممارسات منافية للمنافسة في سوق المحروقات، قبل إبرام اتفاقات صلح أدت بموجبها الشركات ومنظمتها المهنية غرامة ناهزت ملياري درهم.

ومع ذلك، يمكن للرجل أن يقف في الداخلة متحدثا بلسان المربي الحزبي الذي يصنع رجاله في الميدان، ثم يغادر القاعة وهو ينادي أحد مرافقيه: «آجي ورايا»، كأنه يخشى الغدر وهو بين أنصاره. مشهد صغير، لكنه يلخص عالما كاملا: زعيم يطلب حماية ظهره، وحزب يطلب حماية صورته، وأغلبية تطلب من المغاربة حماية ذاكرتهم من الوقائع التي يعيشونها.

وحتى تكتمل الباهية، كان لا بد من «بنت الصالحين»، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة الظاهرة التنظيمية العجيبة المسماة «القيادة الجماعية»، وهي ترد على أخنوش بالغمز، مؤكدة أن حزبها لم يستعن بمكاتب الدراسات لإعداد برنامجه، بل أنصت إلى مناضليه وإلى المواطنين.

قد تكون هذه حقيقة، وقد تكون مجرد سهم انتخابي عابر، لكن المفارقة أن الحزب الذي يفخر اليوم بأنه لم يشتر برنامجا جاهزا، لم يجد حرجا في إدخال شخصيتين وازنتين مباشرة إلى مكتبه السياسي، واحدة منهما بلا تاريخ حزبي معلن، والثانية قادمة للتو من حزب آخر.

من حق المنصوري أن تضحك على أخنوش، ومن حق أخنوش أن يضحك على المنصوري، لكن لا يحق لأحدهما أن يطلب من المغاربة التعامل مع المشهد باعتباره ولادة لتنافس سياسي حقيقي. فالتنافس الحقيقي لا يكون بين نسختين من الفكرة نفسها، ولا بين حزبين يتقاسمان المنشأ والرجال والمصالح والحكومة، ثم يختلفان فقط حول من يستحق أن يكون الواجهة الأولى للمنظومة في المرحلة المقبلة.

هل علينا أن ننسى أن الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، عبد اللطيف وهبي، أعلن في بلاطو قناة عمومية عشية انتخابات 2021 أنه لن يشارك في حكومة يقودها أخنوش، ثم ها هو اليوم يكمل ولاية عنوانها “العجاج” ضمن هذه الحكومة؟

ما وقع هذا السبت ليس إحياء للسياسة، بل إعلان عن درجة متقدمة من إفلاسها. إنه انتصار كامل للأحزاب التي كان يفترض، على مضض وبمرارة، أن تكون مجرد أدوات احتياطية، وهزيمة للأحزاب التي نشأت من المجتمع وحملت ذاكرة، وصراعات، وأفكارا، وقواعد.

لقد استولى البدلاء على المباراة، ثم أقنعوا الجمهور بأن التنافس بينهم هو البطولة الأصلية.

وعندما يقول أخنوش إننا لسنا في «ميركاتو»، ويرد عليه «البام» بأنه لا يحتاج إلى مكاتب الدراسات، لا يبقى للمغاربة سوى استعادة مثلهم القديم: الشبكة كتضحك على الغربال، وتقول ليه يا بو الثقوب.

غير أن الشبكة والغربال، في انتخابات 2026، لا يكتفيان بالضحك على بعضهما؛ إنهما يطلبان منا، فوق ذلك، أن نصفق…

صفّݣو..!