أسود حتى آخر رمق
بعض المباريات، كهذه الموقعة التي جعلتنا نخوض غيابا جماعيا عن النوم هذه الليلة، تظل عالقة في الأعصاب، لأنها أخبرتا شيئا عنا وعن قدرتنا على الصمود دون أن نستسلم، وعن الإيمان حين يتأخر الفرج إلى الدقيقة الأخيرة، وعن وطن كامل ظل ممسكا بخيط رفيع، كاد ينقطع، ثم حوّله إلى حبل نجاة.
ما حدث في مونتيري، فجر اليوم، الثلاثاء 30 يونيو 2026 بتوقيت المغرب، لم يكن مجرد عبور إلى دور الثمن من كأس العالم، أمريكا 2026؛ بل كان درسا مغربيا جديدا في المقاومة والصمود حتى النهاية.
كانت هولندا متقدمة، وكان الوقت يذوب وينفلت بين حرارة أصابعنا، والدقائق الأخيرة تكاد تتحول إلى مقبرة صغيرة لأحلام كبيرة. لكن الأسود قاتلوا، واجتهدوا، وبرهنوا من جديد أن هذا الجيل لا يعرف جملة “المشاركة المشرفة”.
وحين جاء هدف عيسى ديوب في الوقت بدل الضائع من المباراة، لم يكن مجرد كرة تلامس الشباك. بل كان أشبه بعودة الروح إلى جسد وطن كامل. كأن آلاف المقاهي، وملايين البيوت، وشوارع كثيرة لم تنم، زفرت في اللحظة نفسها. كأن البلاد التي ظلت معلقة بين الفجر والخوف، وجدت فجأة سببا لتقول إن الليل لم يذهب سدى.
هذا هو المغرب الذي نحب. ليس لأنه يفوز دائما، بل لأنه لا يقبل أن يموت مستسلما. ولم يعد يصدق أن الخصم، مهما كان اسمه وتاريخه وقميصه، يملك وحده حق كتابة النهاية.
هولندا ليست خصما صغيرا. هي مدرسة كروية وتاريخ طويل وأسماء كبيرة وثقافة لعب يعرفها العالم. وحين تسجل في الدقيقة الثانية والسبعين، وتقترب من التأهل، فهي لا تفعل ذلك بالصدفة. لكن المغرب، هذه المرة، لم يكن ذلك الفريق الصغير الذي يقاوم كي يصفق الآخرون لشجاعته.
في هذه الليلة تابعنا أكثر من مجرّد مباراة. تابعنا معنى عميقا من معاني هذا المغرب. لم تكن ركلات الترجيح مجرد لعبة أعصاب. بل كانت تتويجا لامتحان عسير في الهدوء فوق العشب، وفي العبقرية في التخطيط والتدبير، وفي الثقة.
حتى عندما اضطررنا لخوض الضربات الترجيحية، لم يكن ياسين بونو يحرس المرمى فقط. بل كان يحرس شيئا أكبر في خيالنا الجماعي. كان يحرس فكرة عن المغربي الذي يستطيع، في اللحظة التي يرتجف فيها العالم، أن يبتسم قليلا، ويتأخر في الحركة جزءا من الثانية، ويقرأ الخوف في قدم الخصم، ثم يقفز في الاتجاه الصحيح.
ثم جاء إسماعيل صيباري، ابن تلك الجسور الطويلة بين المغرب وأوروبا، وبين المغرب وهولندا تحديدا، ليوقّع الركلة الحاسمة. كأن القدر أراد لهذه المباراة، تحديدا أمام هولندا، أن تُحسم بقدم لاعب يعرف معنى أن تولد في مكان، وأن تحمل بلدا في قلبك، وأن تختار القميص بوصفه جوابا على سؤال الهوية.
أجمل ما في هذا المنتخب ليس أنه جمع لاعبين موهوبين فقط. أجمل ما فيه أنه جمع سيرا بشرية مختلفة في حكاية واحدة. بونو من ذاكرة كندية ومغربية وودادية وإشبيلية وهلالية. وحكيمي ابن مدريد وباريس والقصر الكبير وواد زم. ومزراوي، وصيباري، وصلاح الدين، وبوعدي، والعيناوي، ودياز، وشادي رياض، وعيسى ديوب، وغيرهم، أبناء طرق متباعدة في الجغرافيا، لكنها التقت عند نقطة واحدة اسمها المغرب.
في أسمائهم تسمع أصوات المغرب المتعدّدة، تسمع العربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية والهولندية. وفي قصص آبائهم وأمهاتهم تسمع حكاية الهجرة والعمل والغربة والانتظار والتضحية. وفي وجوههم ترى أبناء أحياء أوروبية، ومدارس تكوين أجنبية، ومواهب اكتشفتها الأكاديمية المغربية.
لقد كانت هذه الليلة البيضاء في المغرب شيئا جميلا. ليست تفاهة. ولا هي قلة انشغال بما هو جاد. وليست هروبا من السياسة ولا من الخبز ولا من الفواتير ولا من الأسئلة الصعبة. من يقول ذلك لا يعرف ما معنى أن يحتاج شعب إلى لحظة جامعة، لا تفرق بين اليسار واليمين، ولا بين المدينة والقرية، ولا بين من يملك ومن لا يملك، ولا بين من ولد هنا ومن جاء من هناك.
كنا نحتاج إلى تلك الشاشة الواحدة. وإلى ذلك الصراخ الذي يخرج من المقاهي في وقت لا يليق إلا بالنوم. وإلى ذلك الأب الذي يوقظ ابنه كي يرى التاريخ وهو يحدث. وإلى تلك الأم التي لا تفهم كل تفاصيل التسلل والهجوم المضاد، لكنها تعرف أن ابنها يفرح لشيء كبير. وإلى هذا الشارع الذي خرج من بيته بعد الفجر للرقص والاحتفال.
أكبر هدية يمنحنا إياها المنتخب هي صورة ممكنة عن المغرب الذي نريده. مغرب لا يسأل أبناءه من أي زقاق جاءوا قبل أن يثق فيهم. مغرب يفتح الباب للموهبة والكفاءة. مغرب يعتبر الاختلاف رصيدا لا شبهة. مغرب يعرف أن الفوز لا يصنعه النسب العائلي، بل يصنعه العمل، والاختيار، والانتماء.
في مونتيري، انتصر المغرب لأنه ظل مؤمنا بحقه في الفوز إلى آخر رمق. وهذه عبرة ينبغي أن تخرج من الملعب إلى الحياة. نحتاجها في مدارسنا، وفي مستشفياتنا، وفي إداراتنا، وفي إعلامنا، وفي سياستنا، وفي اقتصادنا، وفي علاقتنا بأنفسنا.
نحتاج إلى تلك الروح التي لا تقبل الهزيمة لأنها مريحة. وإلى ذلك الإصرار الذي لا يخلط الواقعية بالاستسلام. نحتاج إلى أن نتعلم من هؤلاء اللاعبين أن الوقت بدل الضائع لا ينبغي أن يتحوّل إلى وقت ضائع بالضرورة. فقد يكون الوقت الوحيد الذي بقي لنا كي ننقذ المعنى.
هذه ليست لحظة وعظ. إنها لحظة امتنان. لكنها أيضا لحظة فهم. المغرب الذي هزم هولندا ليس معجزة سماوية. هو نتيجة عمل وتخطيط وتراكم واختيارات وشجاعة في التكوين والبناء واستقطاب أبناء الهجرة، وثقة في جيل لم يعد يقبل أن يعيش على ذكريات غيره. وهو أيضا نتيجة أمهات وآباء اشتغلوا في الصمت، وحملوا أبناءهم إلى الملاعب، وتركوا فيهم شيئا من المغرب حتى وهم يكبرون بعيدا عنه.
لذلك، شكرا لهم جميعا. شكرا لمن سجّل، ولمن أضاع، ولمن ركض حتى انقطع النفس. شكرا لبونو وهو يعيد إلينا تلك الطمأنينة القديمة. شكرا لعيسى ديوب لأنه ذكرنا بأن الدقيقة الأخيرة قد تكون بداية لا نهاية. شكرا لصيباري لأنه جعل الحسم مغربيا بقدم عبرت من ضفة إلى أخرى