الساعة الإضافية في الـVAR
“القرار جاء بعد الاستماع إلى مطالب المواطنين”.
وأخيرا استمع رئيس حكومتنا عزيز أخنوش إلى صوت المواطنين واتخذ قرارا لصالحهم بإلغاء الساعة الإضافية. أتى شيئاً نافعاً للعباد والبلاد على غير عاداته.
محظوظون أن أخنوش، في “الدقيقة التسعين” من ولايته الحكومية، سجّل هدفاً صحيحا في مباراة الانتخابات. ومع ذلك، لا بد أن نراجع الـVAR.
مع عِشقنا نحن جَمْهرة الصحافيين للكتابة عن “القطار المتأخر” و”الرجل الذي عضّ الكلب”، نأتي على ذكر أسفنا لأن “الاستماع إلى مطالب المواطنين” تأخّر 8 سنوات قبل اتخاذ قرار لم يكن يحتاج لا “تقييما” ولا يهم يحزنون.
لم يتواضع رئيس الحكومة لإنتاج لغة تليق بالتراجع عن “جريمة” الساعة المُضافة عُنْوة، حين اعتبر العمل بها “شكَّلَ إشكالا بالنسبة لعدد من المواطنين”. وبالنسبة له، آثار الساعة الإضافية مجرد “إشكال” لـ”عدد من المواطنين”، وانتهت القصة.
لو كان أخنوش صادقاً بشأن “الاستماع” للمواطنين لاتّخذ القرار في السنة الأولى من الولاية الحكومة، خاصة وأن هؤلاء الذين سمع صوتهم، فجأة مع قرب موعد الانتخابات، سبق أن عبّروا، منذ 2018، عن رفضهم لإضافة ساعة “جعلت صباحهم ليلا”.
ولأن السياسيين غالبا لا يتمتّعون بميزة الشعور بالحياء، أخبرنا أن قرار الحكومة العودة إلى الساعة القانونية “جاء عقب تقييم مختلف الآثار المرتبطة بالعمل بالتوقيت الحالي”. ومثلما لم نقرأ الدراسة “المكذوبة” التي تحدثت عن جدوى اقتصادية لإضافة ساعة لتوقيت المملكة، تعود القصة نفسها مع الإلغاء، بحيث لن ينشر أخنوش هذا “التقييم” ضمن حقنا في الاطلاع كمواطنين.
ومثلما لم يُخبرنا الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية (PJD) ورئيس الحكومة (السابق أيضا) سعد الدين العثماني، في 2018، عن فائدة واحدة قابلة للقياس مرتبطة باستهلاك الكهرباء، وهو الذي دافع بأن السبب الأساسي وراء الساعة الإضافية يتعلق بـ”الزاوية الطاقية والأمن الطاقي”، لن يُطلعنا رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI) السابق رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش عن محتوى التقييم الذي أفضى لاتخاذ قرار الإلغاء.
غير أننا هذه المرة، للأمانة، لا نحتاج دراسات ومكاتب خبرة لندرك حجم التداعيات التي تسبّبت بها الساعة الإضافية. لن نحتاج تفسيرات وقد عرفنا آثارها في ساعات نومنا، وتمدرس أبنائنا، وإرهاقنا اليومي، وحالة التوتر التي تسببت بها، دون أن نعرف لها فائدةً واحدة نحن جمهور المواطنين الذين لم يُطلعوا على “دراسة” تعاملت معها الحكومات كأنها سرّ من أسرار الدولة.
إلى حين إطلاعنا على “دراسة” حكومة الـPJD و”تقييم” حكومة الـRNI، يهمّنا أن نتبيّـن حالة إنكار سياسية ذات وجهين: الأولى تعني أخنوش وحزبه، والثانية بنكيران وحزبه.
أخنوش ومن معه يُسوِّقون قرار “الساعة الأخيرة” بالتراجع عن الساعة الإضافية باعتباره تصويباً لخطيئة حكومة العثماني/ البيجيدي السابقة. منذ ترؤس “الأحرار” للحكومة يُنتج خطابا سياسيا يريد التمايز مع الحكومتين اللتين ترأسهما العدالة والتنمية، في محاولة لـ”التبرؤ” من قرارات حكومية كان لحزب الحمامة فيهما سهمٌ وحضور، عبر وزارات نوعية.
وباعتبار “حالة الإنكار” التي يعيشها أخنوش بشأن “سوابقه الحكومية”، قد يفهم غير المتابِع أن رئيس الحكومة كان خلال العقدين الأخيرين “معارضا”.
الحقيقة أن رئيسَ الحكومة الحالي سبق حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكومات، ففي 15 أكتوبر 2007 عُيّن أخنوش وزيرا للفلاحة في حكومة عباس الفاسي، واستمرّ 14 عاما، قبل أن تتم “ترقيته” إلى “وظيفة رئيس حكومة”. هذا يعني أنه شغل، على امتداد 19 عاما، منصب وزيرٍ مع 3 رؤساء حكومات ( الفاسي/ بنكيران/ العثماني)، ثم رئيساً. لهذا يصدق فيه المثل المغربي: “الفقيه دحمان قرا لبرا سبعيام، وقاليهم الخط عيان”.
أما العدالة والتنمية، الذي “يحتفل” أنصاره بأنه “أنجز” وعداً انتخابياً حتى قبل أن يخوض الانتخابات، بعدما وعد أمينه العام بنكيران بأن يكون أول قرار يتخذونه، إن عادوا لرئاسة الحكومة، هو إسقاط الساعة الإضافية، فيظهر حقيقةً كمن “يقفز في الهواء” محاولاً أن يمحي من ذاكرة المغاربة أن إضافة الساعة جرى خلال ترؤسه للحكومة.
لا ينفع دائما ادعاء “انفصام الشخصية الحزبية” لعدم تحمّل المسؤولية. الحزبُ يتحمّل المسؤولية السياسية عن حكومة العثماني، ووضعُ قيادة الحزب الحالية “مسافة أمان” مع “تجربة العثماني ومن معه”، وإن كان “خلافاً عائلياً” لا يعنينا كثيرا في هذا السياق، فإنه يصير فعلاً غير نزيهٍ بشأن الساعة الإضافية، وإلا سيصدق فيهم أيضاً المثل القائل: “الهبيلة بنت الهبيل.. تاتجيها الحداگة غير بالليل” ( ويمكن استبدال “الليل” بالمعارضة لتقريب المعنى).
لا أخنوش يمكنه إنكار حضوره في الحكومات السابقة وتحمّله المسؤولية السياسية عن قراراتها وقد كان “سوبر وزير” فيها، ولا العدالة والتنمية يمكن أن يمنّ علينا بـ”إنجاز” إلغاء الساعة الإضافية بعدما كان غطاءً لإقرارها.
وأستعملُ عبارة “غطاء” وفي الذاكرة كثيرُ كلامٍ، في 2018، عن أن إقرار الساعة المشؤومة جاء بناء على “طلب” مدير شركة “رونو نيسان” كارلوس غصن (الذي استقبله الملك في 25 أكتوبر 2018 في مراكش) من المغرب توحيد التوقيت مع فرنسا/ أوروبا لتسهيل المعاملات الإدارية، وتقليص فارق الوقت الذي كان “يربك عمليات مصانع رونو”، فاعتمدت الحكومة، في 26 أكتوبر 2018، المرسوم رقم 2.18.855، والذي بموجبه جرى اعتماد التوقيت الصيفي (GMT+1).
والنتيجة: بدل إرباك مصانع رونو، أُربك شعب بأكمله..
لكن، ولسخرية القدر، اعتُقل غصن، بعد أقل من شهر (19 نونبر 2018) في اليابان.. فيما بقيت “ساعته” تُعذّب المغاربة طيلة 8 سنوات، قبل أن يبيّن “تقييم” أنها كانت قراراً خاطئاً.
قصارى القول
في ظل غياب رهانات انتخابية كبرى، يتقزّم النقاش إلى المستوى الذي نتابعه هذه الأيام، بكل رعوناته والاستخفاف بذاكرة الناس. الانتخابات تكشفُ عن الوجه الأبشع للسياسة، حين يُفتح سوقُ الكذب والمزايدة. سوقٌ يحمل من معاني السوقية، وأيضا الانتهازية، لأنه خُلوٌ من النزاهة.
هي لوثاتٌ تصيب حتى الديمقراطيات. وفي الأنظمة غير الديمقراطية، لا يبقى للمرشحين للاستعمال كـ”أثاث تزيين” لواجهات المؤسسات، غير تدوير الوعود، وإطلاق الألسن لرجْم الناس بأي كلام، إلا الحقيقة.
تخلصنا من ساعة مشؤومة، في انتظار التخلّص من بيئة سياسية وحزبية تكذب كأنها تتنفّس.. وكأننا بلا ذاكرة.