story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

رصاصة إيرانية على إسرائيل

ص ص

في دلالة على “انفصاله” عن الواقع أو محاولة إنكاره، يُخبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من لا يزال يتابع جنونه ويأخذه على محمل الجدّ، عبر مقابلة مع موقع “ذا أكسيوس شو”، باكتشافه أنه “لا حدود لسلطته” منذ دخوله الحرب مع إيران، وباعتقاده أنه قد يكون “الرجل الأكثر نفوذاً في التاريخ”، واضعاً نفسه مع شخصيات تاريخية مثل الغزاة، والدكتاتوريين، والحكام الأقوياء.

وتحدث ترامب عن شعوره بالقوة، وقاسَ ذلك بمدى خضوع الآخرين له، من ذلك قوله إن قادة مجموعة السبع صدّقوه عندما مازحهم: “أنا الرئيس (هنا)”. يرى نفسه أقوى من أتيلا الهوني، وجنكيز خان، ونابليون، وستالين، وماو تسي تونغ، وهتلر.

سياق إطلاق هذه التهويلات الترامبية مهمٌ. تعكس شعوراً بالانكسار غير المصرّح به، وتستبطن خطورةً بالغة حين تشير إلى عدم اتّزان نفسي لرئيس أقوى دولة في العالم.

يشعرُ كل من قرأ مذكرة التفاهم مع إيران أن طهران فرضت شروطها على ترامب، الذي اعترف قبل أسابيع بأن “الإيرانيين يجيدون التفاوض أحسن بكثير من القتال”.

يحاول ترامب، عبر “أقصافه الكلامية”، تذويب الفارق بين ما كان يتمناه، وما هي عليه الحقائق الآن بشأن إيران. لم تنهزم طهران بعدما كان طالبها في بواكير الحرب بـ”استسلام غير مشروط”، ثم فاوضته بعدما يئس من إخضاعها.

ومع ذلك، المعركة الأساسية مع إيران مؤجّلةٌ إلى مفاوضات الـ60 يوما (القابلة للتمديد). البرنامج النووي عنوان المواجهة المقبلة، ولا توافقات بشأنه في مذكرة التفاهم غيرَ “تجميد” الوضع الحالي حتى التوصل إلى تسوية.

انكسار ترامب يعبّر عن نفسه على شكل “مندبة” داخل إسرائيل، التي تشعر أن واشنطن تخلّت عنها في منتصف الطريق. تبحثُ طهران عن تسوية مع واشنطن، وفي نفس الوقت تسعى إلى “هزيمة” دولة الاحتلال، التي وجدت نفسها خارج مشهد التفاوض، فاضطرت إلى التجسّس والتسلّل عبر القنوات الخلفية للحصول على معلومات بشأن ما يجري طبخه.

من أعظم آثار هجوم 7 أكتوبر 2023 أن حوّل إسرائيل عبئاً، حتى على حليفها الأقوى والأوثق: أمريكا.

لنأخذ مثالا:

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، المكلف بإدارة التفاوض مع الإيرانيين، رمى حجراً ثقيلاً في بركة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية حين قرّع وزراء إسرائيليين ونبّههم علنياً إلى أن ترامب هو “الرئيس الوحيد المتعاطف مع إسرائيل حاليا”، وأن “ثلثي الأسلحة التي حمتكم خلال الأشهر الماضية صنعتها أيادٍ أمريكية، ومموّلة من دافعي الضرائب الأمريكيين”. قبل أن يدخل ترامب على خط السجال ويخاطب الإسرائيليين: “لولايَ لما كان لإسرائيل وجود”.

ومما لا يُتوقّع أن يحصل في أي مكان في العالم سوى مع إسرائيل، تكلّف السفير الأميركي في تل أبيب، مايك هاكابي، للرد على رئيسه بقوله: “بدون إسرائيل، وبدون الأساس اليهودي، لم تكن أمريكا لتوجد”، بل زاد في التقاليد الدبلوماسية سطراً، بتأكيده أن دوره “لا يقتصر على تمثيل الولايات المتحدة في إسرائيل فحسب، بل يشمل أيضا تمثيل أهمية إسرائيل للأمريكيين”. قبل أن يعود دي فانس للرد، غير المباشر، بالتشديد على أن “يكون القادة الأمريكيون حذرين للغاية فيما إن كانوا يسعون لتحقيق أجندة تخدم مصالح الولايات المتحدة أم مصالح دولة أخرى”.

هذا الذي نقرأُه أعلاه فريدٌ باعتبار سياقه، وهو من آثار طوفان الأقصى، والتدمير الذي طال صورة إسرائيل بسبب حرب إبادة غزّة، ثم جاءت الحرب الإيرانية لتزرع عوامل تفجير متراكمة في علاقة أمريكية إسرائيلية متململة.

يهمّنا أن نراقب تفكيكاً متدرجا ومؤثّرا على خطّ واشنطن ـ تل أبيب، وقد تنامت أسئلة بين الأمريكيين عن استنزاف إسرائيلي لمواردهم، وارتهان مُكلف، كان من “فضائحه” انسياقُ ترامب وراء نتنياهو لخوض حرب لم تحقّق أيّ نتائج، غير توجيه ضربة للاقتصاد العالمي، والإضرار تبعاً بجيوب المواطنين الأمريكيين، وتدمير أجزاء كبيرة من الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتكبيد “الحلفاء” الخليجيين في المنطقة خسائر فادحة وقد أقحمتهم طهران ضمن معادلاتها للردع، فضلا عن إضعاف صورة واشنطن في العالم، مقابل مكاسب إيرانية عبّرت عن نفسها في النقاط الـ14 بمذكرة التفاهم.

في الجوهر، حرب إيران الأخيرة ولّدت معادلات معقّدة داعمة للحظة 7 أكتوبر لجهة إضعاف المشروع الإسرائيلي. بمعطيات اللحظة، الحرب على إيران كانت خطأً أمريكياً في التقدير، وبالنسبة لإسرائيل ترقى إلى مستوى الخطأ الاستراتيجي، بعدما تأسَّسَت على فرضيات مغلوطة توقّعت انهيار النظام باغتيال المرشد الأعلى وقيادات في الصف الأول بالجيش والأمن والمسؤولية السياسية المدنية، واستهداف مُرَكّز وشديد لأساسات قيام الدولة ومواردها، قبل أن تُظهر طهران مقاومةً وقدرة على امتصاص الضربات، وتتحوّل إلى الهجوم وفرض توازنات ومعادلات جديدة.

إنّ التفاهم بين واشنطن وطهران الأخير عكس تفاعلَ عناصر القوة والضعف لدى دول الشرق الأوسط. لا خيار أمام إسرائيل، إنْ أرادت الاستمرار في حروبها العدوانية، إلا أن تخوضها مستقبلاً بدعم أمريكي أقل، بكل المخاطر التي يحملها مثل هذا التوجّه. طيلة الأيام الماضية لعبت واشنطن دورَ الحاضن المسؤول عن “مراقبة السلوك” الإسرائيلي، خاصة في لبنان، وهي وضعيةٌ يصعب على دولة الاحتلال تحمّلها طويلاً، وقد تدفعها لارتكاب أخطاء أخرى لن تصبّ إلا في حساب مقاومي المشروع الصهيوني.

قصارى القول

أطلقت واشنطن الرصاصة الأولى، لكنّها فقدت السيطرة منذ اليوم الأول على تفاعلات الحرب، وبالتبع على رسم نهاية لها. وإنْ كانت الحرب حقّقت حلم نتنياهو في خوض حربٍ كبيرة ضد إيران، إلا أنها شكلت فعلياً طعنة في مساره السياسي. خلال سنتين ونصف، تلقّت دولة الاحتلال الإسرائيلي تحت حكم نتنياهو ضربتين كبيرتين: الأولى بهجوم حماس المفاجئ في 7 أكتوبر 2023، والثانية حين قرّرت مع واشنطن شنّ حرب على طهران في 28 فبراير 2026.

خلاصة الحرب، طهران أقوى وقد اكتشفت معاملات ردعٍ جديدة في مواجهة أعدائها، وواشنطن بحدود قدرة أقلّ وقد تبيّن لترامب أنّ هناك فرقاً بين الأماني والحقائق الواقعية. إما إسرائيل فوضعها أكثرُ اهتزازاً، إذ لا خيار أمامها غير الاستمرار في القتال المدمِّر لمستقبلها، مادامت أية تسوية سياسية ستعني دخول مسار تآكل لـ”الإنجازات التكتيكية”.