story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ترامب خسر الحرب والسلام

ص ص

لأن البعض لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، والواقع بالنسبة إليهم هو ما يتمنونه لا ما هو كائن بالفعل، سوف نقوم في هذا المقال بجولة بين كبريات المجلات والمقالات الصادرة عن مراكز التفكير والتحليل الاستراتيجي، الأمريكية بالخصوص، لنلمس كيف خلّفت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لإنهاء الحرب بينهما، شبه إجماع على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومعه إسرائيل، لم يطلقان النار في حقيقة الأمر سوى على أقدامهما.

في الحروب بين الدول، لا تحتاج الهزيمة دائما إلى إعلان رسمي. بل تكفي أحيانا طريقة الحديث عنها. واللافت أن الخلاصة التي تقول بخروج إيران من الحرب التي أعلنت ضدها غدرا، بمكاسب أكبر بكثير مما كان يمكنها تحقيقه عبر التفاوض، لم تصدر عن منابر “ممانعة”، ولا عن “كوفيين” أو صحافة معادية للغرب، بل عن المجلات والمراكز التي تفكر عادة من داخل العقل الاستراتيجي الأمريكي نفسه.

نقرأ اليوم بوضوح في هذه المصادر كيف أن ترامب لم يحصل على الاستسلام، وإسرائيل لم تكتب خاتمة الحرب، وإيران، رغم الضربات والخسائر، وصلت إلى طاولة التفاوض وهي تملك أوراقا ثقيلة. والبداية من مجلة “فورين بوليسي” التي قالتها بعنوان واضح: “إيران ربحت الحرب لكنها قد تخسر السلام”.

والفكرة المركزية لهذا المقال أن إيران ربحت الحرب لأنها لم تُهزم، ولم تسقط، ولم تتنازل تحت النار، ولم تدخل التفاوض من موقع المنكسر. لكن المجلة تحذر من أن طهران قد تخسر السلام إذا بالغت في استثمار هذه اللحظة، وتعاملت مع المذكرة كما لو أنها تفويض مفتوح، بدل أن تعتبرها فرصة تفاوضية.

بدوره مركز الدراسات الدولية الاستراتيجية (CSIS) انتهى إلى خلاصة لا تقل قسوة. في تحليل يعتبر أن ما جرى ليس اتفاق سلام كامل، بل إطار تفاهم مؤقت، ينص على وقف للقتال، وفتح لمضيق هرمز، وبداية مفاوضات حول النووي والعقوبات والترتيبات الإقليمية.

ويقول المركز إن واشنطن لم تغلق الملف، بل أجّلت انفجاره، وإن الحرب توقفت، لكن أسبابها ما زالت على قائمة، وإن الفرق كبير بين أن تنتصر وأن تطلب مهلة تفاوضية.

وفي تحليل آخر للمركز نفسه بعنوان “مناورة إيران في مضيق هرمز وحدود القوة العسكرية الأمريكية“، نجد مفتاحا آخر لفهم ما وقع. المقال يقول إن إيران لم تكن مطالبة بهزيمة البحرية الأمريكية، بل كان يكفيها أن تجعل كلفة الحرب موزّعة على أوسع نطاق ممكن. ويعتبر المركز أن مضيق هرمز كان السلاح الأذكى من جانب إيران، حيث باتت كل سفينة، وكل شركة تأمين، وكل برميل نفط، وكل سوق مالية، جزءا من معادلة الحرب.

هذا ما أظهر حدود القوة الأمريكية التي تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع دائما أن تمنع الخصم من رفع كلفة الضربة إلى مستوى لا يحتمله العالم.

أما موقع War on the Rocks المتخصص في التحليل الاستراتيجي، فقدم قراءة تكاد تكون عنوانا للهزيمة الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن. خلاصة هذا التحليل أن الولايات المتحدة ربما حققت نجاحات عسكرية محدودة، لكنها فشلت استراتيجيا. ويقول التحليل إن الحرب بدأت بأهداف كبرى، منها إضعاف إيران جذريا، وكسر أدواتها في المنطقة، وربما دفعها إلى تنازلات قاسية. لكنها انتهت إلى وقف إطلاق نار وتفاوض. وهذا هو الفرق بين إصابة هدف عسكري وخسارة هدف سياسي.

أما مؤسسة “بروكينغس” المرموقة، فطرحت السؤال بطريقة مباشرة: “هل خسرت الولايات المتحدة الحرب ضد إيران؟“، وخلصت إلى أن واشنطن لم تخسر معركة فقط، بل لم تعد قادرة على التحكم في عواقب الحرب التي تشعلها. وفي تحليل آخر للمؤسسة نفسها، نقرأ كيف أن القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط لم تعد محصنة. ويقول المقال إن إيران وحلفاؤها أثبتوا أن قواعد واشنطن ومصالحها وخطوط الملاحة التي تعتمد عليها قابلة للتهديد. وهذا تحول استراتيجي، لأن التفوق العسكري الأمريكي كان يقوم دائما على القدرة على الضرب من مسافة آمنة، وإن هذه المسافة تقلصت.

ما تجمع عليه هذه القراءات، بدرجات مختلفة، أن ترامب لم يخرج من الحرب بما وعد به. لم يكسر إيران، ولم يمنح إسرائيل نهاية على مقاسها، ولم يضمن ملفا نوويا إيرانيا مغلقا كما وعد، ولم يحسم وضع حزب الله ولا باقي “الوكلاء”. كل ما فعله أنه أوقف حربا بدأت كلفتها تكبر أكثر مما تحتمل واشنطن، وفتح تفاوضا مع إيران من موقع أقل تفوقا مما كان يعتقد.

أما إسرائيل، فخسارتها، حسب هذا الإجماع الاستراتيجي، أعمق من أية خسارة عسكرية. فقد اكتشفت أن الحرب التي سعت إليها منذ سنوات لتصفية حساب طويل مع إيران انتهت في قصر فرساي، الفرنسي بتوقيع أمريكي يكاد يتجاهل المخاوف والمطالب الإسرائيلية. تفاهم يشمل لبنان وهرمز والعقوبات والنووي، لا أمن إسرائيل كما كانت تتخيّل تل أبيب.

لكن، هل انتهى الأمر وقطعت “إيران” الواد و”نشفوا” رجليها؟

قطعا لا. مذكرة التفاهم أجلت القضايا الأخطر إلى ما بعد ستين يوما. أي أن ما جرى هو تجميد للانفجار، وليس تفكيكا للقنبلة.

طهران ما زالت في عين العاصفة، والغرب لا ينسى “دقّتو”. والخطر الأول، كما سجّلت التحليلات الغربية نفسها، أن تبالغ إيران في قراءة “نصر” اللحظة، فتدفع خصومها إلى إعادة بناء جبهتهم ضدها.

والخطر الثاني هو أن يحاول ترامب بيع الاتفاق داخليا كفتح تاريخي، ثم يعود إلى لغة القصف إذا شعر أن طهران لا تمنحه ما يكفي من الصورة السياسية التي بحث عنها طويلا.

والخطر الثالث أن ترفض إسرائيل أن تكون خارج الخاتمة، فتبحث عن جبهة جانبية في لبنان أو عبر ضربات انتقائية تعيد خلط الأوراق.

والخطر الرابع أن تصبح الأسواق التجارية، لا الجيوش، هي الحكم الحقيقي. إذا اهتز هرمز، اهتز الاتفاق كله.

لذلك، لا تقول المجلات المرموقة والمراكز البحثية الرصينة إن إيران انتصرت إلى الأبد، ولا إن أمريكا انتهت، ولا إن إسرائيل خرجت من اللعبة. لكنها تقول بكل وضوح إن الحرب كشفت أن ميزان القوة تغير، وأن أمريكا تستطيع أن تضرب، لكنها لا تضمن النتيجة، وأن إسرائيل تستطيع أن تشعل النار، لكنها لا تكتب نهايتها.