فرساي2.. المباراة التي لا تُشاهد
يستغرب البعض لا مبالاة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمباريات كأس العالم لكرة القدم، التي تستضيفها بلاده إلى جانب كندا والمكسيك. والواقع أن أهم مباراة يعرفها العالم في الوقت الراهن لا تجرى على عشب الملاعب، بل على رقعة النار والدبلوماسية، حيث تواجهت أمريكا وإيران في مباراة كان كثيرون يظنون أنها ستنتهي بضربة قاضية، فإذا بها تدخل وقتا إضافيا اسمه مذكرة تفاهم.
لم يوقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المذكرة في مكتب بارد من مكاتب جنيف حيث كان يفترض ذلك، وحيث الحياد والوساطة واللغة التقنية، بل في قصر فرساي الفرنسي، خلال عشاء رسمي، وبحضور ماكرون ووزير خارجية أمريكا ماركو روبيو.
لا علاقة للأمر بأي شأن ثنائي فرنسي أمريكي، وكان يفترض في الأصل أن يكون المسار سويسريا، أي هادئا، وتفاوضيا ومحايدا. لكن ترامب نقله إلى فرساي، حيث التاريخ لا يشكل مجرّد خلفية جمالية، بل هو جزء من النص.
ففي قصر فرساي (كما تعلّمنا جميعا في دروس التاريخ المدرسية) وُقّعت ذات يوم نهاية حرب وبداية نظام دولي جديد بعد الحرب العالمية الأولى. وهناك اختلط الصلح بالعقاب، والدبلوماسية بإعادة توزيع القوة.
لذلك لا يمكن أن يكون اختيار المكان بريئا. فترامب بحث لنفسه طويلا، عن صورة رجل يوقف حربا في قصر من قصور التاريخ الأوروبي. وأراد أن يقول إن ما جرى ليس مجرد تفاهم مع إيران، بل لحظة إعلان مركّب، يفيد أن الحرب توقفت، والأسواق يجب أن تطمئن، والممرات البحرية ستفتح، وأمريكا ما زالت قادرة على ضبط الإيقاع وصناعة أسباب الرخاء العالمي.
لكن الصورة، مهما كانت قوية، لا تستطيع أن تخفي الحقيقة. فنحن أمام “اتفاق على تحضير اتفاق”، ولسنا أمام اتفاق نهائي. مذكرة من أربعة عشر بندا، وفي صفحة ونصف، تفتح ستين يوما من المفاوضات الصعبة حول السلاح النووي، والعقوبات، والضمانات، والترتيبات الإقليمية. أي أن الحرب العسكرية توقفت، لكن الحرب السياسية ستستمر بصيغة أخرى.
ومع ذلك، تكمن أهمية اللحظة في أن ما كان متوقعا من الغرب، بنواته الصلبة، وخصوصا محور واشنطن ـ تل أبيب، لم يحدث. لم تسقط إيران، ولا انهار نظامها تحت القنابل الضخمة، ولم تُجرَّد من قدرتها على التفاوض. كما أن نهاية القصة لم تُكتب في تل أبيب ولا خضعت لكل إملاءاتها، ولم يخرج ترامب من الحرب بصفته المنتصر الذي يفرض الاستسلام، بل بصفته الرجل الذي يوقع هدنة كبرى مع خصم لم ينكسر.
لقد دفعت إيران ثمنا عسكريا واقتصاديا، نعم. لكنها لم تخرج مهزومة سياسيا. بل حافظت على نظامها، وعلى موقعها التفاوضي، وربطت وقف التصعيد برفع الحصار، وتخفيف العقوبات، وفتح مسار مالي ونفطي، بل وبخطة لإعادة التأهيل الاقتصادي لا يقل تمويلها عن 300 مليار دولار.
يمكن أن نسمّي هذا أي شيء إلا أن يكون نص استسلام. إنه حدث تاريخي يقول إن القوة لم تعد تكفي وحدها لصناعة النهايات.
من الناحية الإقليمية، قد يكون أهم ما وقع هو أن المذكرة تشمل كل الجبهات، بما فيها لبنان. وهذه نقطة تكفي لفهم القلق الإسرائيلي الذي تجسّد في اليومين الماضيين في حالة من الهلع والاستنفار الداخليين.
فحين تدخل لبنان في نص التهدئة، فهذا يعني أن حزب الله لم يعد مجرد تفصيل جانبي، وأن خيار المقاومة قائم، وقصة “الأذرع” التي توظّفها إيران ثم تبيعها في أول بزار باتت أسطورة، وأن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتم وفق الشروط الإسرائيلية وحدها.
لقد أرادت إسرائيل أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في الإقليم، وفعلت كل شيء كي تُطلق الحرب الشاملة ضد إيران لإخراجها من المشهد، فإذا بها تجد واشنطن توقع نهاية الجولة فوق الطاولة الأوروبية، وليس فوق الدمار الذي كانت تريد أن تفرض منه شروطها.
أما مضيق هرمز، فهو القلب الاقتصادي للمذكرة ومفتاح فهم كل ما جرى وسيجري مستقبلا. الحرب انطلقت من أجل انتزاع الاستسلام الإيراني وتغيير النظام في طهران وتسليم اليورانيوم المخصّب، وانتهت بالاحتفال بإعادة فتح هرمز، وضمان حرية الملاحة فيه، ورفع الحصار البحري… وهذه ليست بنودا تقنية.
إنها اعتراف بأن العالم لا يستطيع تحمل حرب مفتوحة مع إيران، وأن الاقتصاد العالمي صار جزءا من ميزان الردع. لم تعد المعركة تدور حول الصواريخ والمنشآت النووية فقط، بل حول الطاقة، والتأمين، والموانئ، وحركة السفن، وأعصاب الأسواق… وهذه كلّها نجاحات إيرانية وسلسلة هزائم وانكسارات أمريكية-إسرائيلية، لا يمكن لعاقل يتطلّع إلى مستقبل النظام العالمي أن يتجاهلها.
لهذا تبدو لحظة “فرساي2” أكبر من نقطة نهاية حرب أمريكية إيرانية. بل هي إشارة إلى نظام عالمي يتشكل أمام أعيننا، لا تستطيع فيه القوة الغربية أن تحسم كل شيء كما كانت تفعل من قبل، ولا تستطيع فيه إسرائيل أن تحتكر تعريف الخير والشر.
إن اتفاق “فيرساي2” إيذان بميلاد عالم التسويات القسرية بدل الانتصارات الكاملة. عالم تتراجع فيه فكرة الضربة النهائية، وتصعد فيه فكرة الردع المتبادل، ويعرف فيه الجميع أنهم يستطيعون الإيلام، لكن لا أحد يستطيع الحسم بدون كلفة باهظة على الجميع.
لذلك، لا تكمن دلالة توقيع اتفاق فرساي الجديد في أنه أنهى الحرب، بل في كونه كشف حدود القوة التي أرادت إنهاء إيران فوجدت نفسها تفاوضها. وكشف أيضا أن النظام العالمي المقبل لن يرسمه المنتصرون وحدهم، بل سيرسمه كذلك الذين صمدوا وقاوموا ولم ينكسروا.