story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
ثقافة |

تيفيناغ تحت مجهر الباحثين.. جدل حول تاريخ الكتابة الأمازيغية القديمة بالمغرب

ص ص

برز في الآونة الأخيرة نقاش أكاديمي محتدم حول طبيعة الكتابة الأمازيغية القديمة بالمغرب وعلاقتها بحرف “تيفيناغ”، وحول هذا الأخير هل هو امتداد طبيعي وأصيل للكتابة في المغرب القديم، أم أنه نظام كتابي متأخر جغرافياً ارتبط بصحراء الطوارق.

النقاش الذي اكتسى طبيعة الجدل بين الباحث في التاريخ امحمد جبرون والباحث في اللسانيات عبد الله الحلوي، توقف أيضاً عن مقروئية النقوش الليبية-الأمازيغية القديمة، وهل يمكن فك شفرة هذه النقوش وقراءتها علمياً بطريقة يقينية أم أنها لا تزال في جزء كبير منها مستغلقة وتطرح إشكالات علمية لم تُحسم بعد؟

“تمغربيت لا تختزل بتيفناغ”

ويعتبر امحمد جبرون أن بعض الأطروحات التي تربط بشكل مباشر بين تيفيناغ والنقوش المغربية القديمة ما تزال في إطار الفرضيات العلمية وليست حقائق نهائية.

وأوضح جبرون أن موقفه “لا يمثل رأياً معزولاً، بل يشاطره فيه عدد من الباحثين المتخصصين في الإبيغرافيا واللسانيات وتاريخ شمال إفريقيا”، مشيراً إلى أن التحفظ تجاه بعض القراءات المطروحة للنقوش القديمة “ليس نشازاً علمياً”.

ويرى جبرون أن ما يعرف بأطروحة “الأمازيغية الشاملة” التي تعتبر تيفيناغ نظاماً كتابياً أصيلاً وموحداً لكل شمال إفريقيا “تبقى بدورها مجرد أطروحة علمية قابلة للنقاش، وليست حقيقة نهائية”.

ويذهب المتحدث إلى أن تيفيناغ، بصيغته المعروفة، “ظهر في مرحلة متأخرة نسبياً داخل المجال الصحراوي والطوارقي”، معتبراً أن الربط الآلي بينه وبين مختلف النقوش المغربية القديمة يحتاج إلى مزيد من الإثبات.

كما شكك في درجة اليقين التي تُقدَّم بها بعض قراءات النقوش الليبية-الأمازيغية، معتبراً أن “تعدد اتجاهات الكتابة وصعوبة تحديد حدود الكلمات وتباين تأويل الحروف يجعل العديد من القراءات أقرب إلى الفرضيات المحتملة منها إلى الحقائق القطعية”.

وفي هذا السياق، استحضر الأكاديمي امحمد جبرون ما وصفه بالصعوبات التي تواجه الباحثين أثناء محاولة فك بعض النقوش، معتبراً أن “الحاجة إلى بروتوكولات معقدة ومراحل طويلة من التحليل تكشف أن المسألة ما تزال مفتوحة على النقاش العلمي”.

كما عرض جبرون نماذج لنقوش مكتشفة في شمال المغرب، من بينها مواقع ببني حكيم ودار الشاوي وليكسوس وأنجرة ومحيط سد ابن بطوطة، معتبراً أنها “لا تزال تطرح أسئلة علمية مهمة بشأن طبيعة الكتابة المستعملة فيها”.

وفي جانب آخر من السجال، دافع جبرون عن تصوره للهوية المغربية الذي يصفه بـ”التمغربيت”، معتبراً أن المغرب “تشكل تاريخياً من تفاعل مكونات ثقافية متعددة”، رافضاً ما اعتبره محاولات اختزال الهوية المغربية في بعد واحد.

كما ميز بين اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة، وبين تيفيناغ باعتباره نظاماً كتابياً، مشدداً على أن النقاش المطروح “يتعلق بتاريخ أنظمة الكتابة وليس باللغة الأمازيغية في حد ذاتها”.

“تيفيناغ.. تطور طبيعي للكتابة القديمة”

في المقابل، دافع عبد الله الحلوي عن أطروحة تعتبر تيفيناغ امتداداً تاريخياً للكتابة الليبية-الأمازيغية القديمة، رافضاً الحديث عن قطيعة بين النظامين.

وأوضح أن الدراسات الإبيغرافية واللسانية تميز بين النظام الصوتي للغة والنظام الكتابي الذي يمثلها، معتبراً أن الكتابة الأمازيغية مرت بعدة مراحل تطورية تبدأ بالمرحلة العتيقة ثم الكلاسيكية فالانتقالية وصولاً إلى مرحلة تيفيناغ.

واستدل الحلوي بوجود نقوش في عدد من المناطق المغربية، من بينها السمارة وورزازات وجنوب الصويرة، تحتوي على رموز وحروف يعتبرها من خصائص تيفيناغ، مثل حرف “ياز” والحروف المنقطة، معتبراً أن ذلك “يؤكد حضور هذا النظام الكتابي داخل المجال المغربي”.

ويرى الباحث أن تيفيناغ “لا يمثل نظاماً وافداً أو منفصلاً عن التراث الكتابي المغربي القديم، بل يشكل المرحلة الأكثر تطوراً ضمن مسار طويل عرفته الكتابة الأمازيغية”.

جدل المقروئية

ويحتل موضوع “مقروئية” النقوش القديمة موقعاً مركزياً في هذا السجال. فبينما يرى جبرون أن العديد من تلك النقوش “لا تزال تطرح صعوبات كبيرة في القراءة والتأوي، يشدد الحلوي على أن التطور الذي عرفته الدراسات اللسانية الأمازيغية “سمح بإحراز تقدم مهم في فهم عدد من النصوص القديمة”.

واستعرض الحلوي مواقف عدد من الباحثين الذين تناولوا الموضوع منذ أربعينيات القرن الماضي، مميزاً بين اتجاهات متشائمة ترى القراءة شبه مستحيلة، وأخرى متفائلة تؤمن بإمكانية فك النصوص اعتماداً على المعطيات اللغوية والسياقية.

وفي هذا الإطار، قدم ما وصفه بـ”بروتوكول مراكش” الذي طورته فرق بحث بجامعة القاضي عياض، ويتضمن مراحل متعددة تبدأ بالتحقيق الإبيغرافي للحروف، ثم تحديد قيمها الصوتية، فعملية التقطيع والتحليل التركيبي والدلالي والبلاغي والتداولي.

وبحسب الحلوي، مكنت هذه المنهجية من “اقتراح قراءات وتأويلات لعدد من النقوش المغربية التي كانت تعتبر سابقاً غير مفهومة”، معتبراً أن هذه النصوص “لا تقدم معطيات لغوية فقط، بل تفتح نافذة على الحياة الاجتماعية والثقافية للأمازيغ القدامى”.