التصويت أم المقاطعة؟.. نقاش متجدد حول الثقة في المؤسسات مع اقتراب الانتخابات
على بعد أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، عاد النقاش حول المشاركة السياسية إلى الواجهة، ليس فقط من خلال دعوات الأحزاب إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية والتصويت، وإنما أيضاً عبر اتساع حضور خطاب المقاطعة في الفضاء الرقمي والنقاش العمومي.
فبينما تراهن الأحزاب السياسية على صناديق الاقتراع باعتبارها الآلية الأساسية للتغيير والتداول الديمقراطي، تواصل شريحة واسعة من المغاربة التعبير عن تشكيكها في جدوى المشاركة الانتخابية، مستحضرة تجارب انتخابية سابقة لم تنجح، في نظرهم، في إحداث التحولات المنتظرة على المستويين السياسي والاجتماعي.
ويأتي هذا النقاش في سياق تواصل عملية مراجعة اللوائح الانتخابية العامة، حيث فتحت وزارة الداخلية باب التسجيل أمام المواطنات والمواطنين غير المسجلين، أو الراغبين في نقل تسجيلهم، في أفق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وذلك في فترة استثنائية تمتد من 15 ماي الماضي إلى 13 يونيو 2026.
وبالعودة إلى انتخابات 2021، فإنه رغم وصول نسبة المشاركة فيها إلى نحو 50.35 في المائة، وهي من أعلى نسب المشاركة المسجلة خلال العقود الأخيرة، بحكم جمع الانتخابات التشريعية والجماعية في استحقاق واحد، فإن ذلك يعني في المقابل أن ما يقارب نصف الناخبين المسجلين لم يشاركوا في الاقتراع، فضلاً عن فئات أخرى واسعة من المواطنين غير المسجلين أصلاً في اللوائح الانتخابية.
وفي هذا السياق، تكثف الأحزاب السياسية خلال الأسابيع الأخيرة دعواتها للمواطنين من أجل التسجيل والمشاركة في الانتخابات المقبلة، والانخراط في العملية السياسية، معتبرة أن المشاركة تظل الوسيلة الأساسية للتأثير في القرار العمومي واختيار ممثلي الأمة.
وعلى سبيل المثال، لم يكتفِ حزب العدالة والتنمية بتوجيه نداءات عامة، بل ذهب نحو خطوات استباقية؛ من بينها الحسم المبكر في تزكية العديد من وكلاء ووكيلات لوائحه، في محاولة لبعث رسائل طمأنة واستعداد لقواعده. كما تركز الحركة الإعلامية للحزب في هذه الأيام الأخيرة قبل إغلاق اللوائح على خطاب سياسي محدد، مفاده أن “مقاطعة الانتخابات تخدم قوى التحكم والفساد”.
في المقابل، يواصل أنصار المقاطعة الدفاع عن موقفهم باعتباره خيارا سياسيا واعيا، وليس مجرد تعبير عن اللامبالاة أو العزوف. ويستند هذا الموقف إلى جملة من الاعتبارات، من بينها تراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، والاعتقاد بأن الانتخابات لم تعد قادرة على إحداث تغييرات ملموسة في السياسات العمومية أو في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. ويبرز ضمن هذا التيار تنظيمان معارضان، هما جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي العمالي.
اختيار من يدبر
في هذا الصدد، يعتبر عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن المشاركة في الانتخابات من عدمها سلوكان سياسيان، لكل واحد منهما دوافعه وأثره على مستوى المشروعية والجدوى.
وأضاف اليونسي أن المشاركة الانتخابية، التي تبدأ أساساً بعملية التسجيل في اللوائح الانتخابية، “تظل مرحلة مهمة ومؤسِّسة لباقي المراحل المرتبطة بالعملية الانتخابية”.
ويرى القيادي والأستاذ الجامعي أنه قد تكون لما وصفه بـ”العزوف عن المشاركة الانتخابية” دوافعه الموضوعية المعقولة والمقبولة، لكن “بالنظر إلى طبيعة الدولة الحديثة، حيث إن حياة الأفراد والجماعات مؤطرة بقوانين وسياسات عمومية تنتجها المؤسسات المنتخبة، فإن اختيار من يشرع ويدبر يحدد مستقبل الناس ومعاشهم”، بحسبه.
ويقول اليونسي: “صحيح أن المشاركة تحتاج إلى تحشيد، لكن ما عاشه المغاربة في السنوات الأخيرة يؤكد أن عدم المشاركة له ضريبة أكبر من الانسحاب أو العزوف”.
ويوضح أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، أن نتائج الانتخابات “تفرز مؤسسات تدبر شؤون المواطنين”، مشيراً إلى أن القرارات والسياسات التي تتخذها هذه المؤسسات تكون ملزمة للمواطن، “الذي يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يشارك في اختيار من يتخذ القرارات التي تؤثر في حياته، أو أن يترك هذا الاختيار للآخرين”.
وتقوم العملية الديمقراطية، بحسب اليونسي، “على الاختيار من حيث المبدأ”. ويرى أنه “بما أن مؤسسات الدولة الحديثة تُنتخب بالاختيار، فإن المشاركة تعتبر فعلاً إيجابياً يساهم في ترسيخ دعائم الدولة الحديثة”.
وفي مقابل ذلك، يعتبر المتحدث أن عدم المشاركة الانتخابية “لا ينسجم مع فكرة الديمقراطية في أساسها”. ورغم أن الأمر لا يتعلق، بحسب تعبيره، بإدانة أو تجريم عدم المشاركة الانتخابية، “فإن المشاركة تظل، من حيث النتيجة، الفعل الأقرب إلى منطق الديمقراطية وجوهرها مقارنة بعدم المشاركة”.
المقاطعة.. مقاومة سياسية
من جانبه، يرى عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أبو بكر الونخاري، أن مقاطعة الانتخابات “ليست موقفاً سلبياً كما يُروَّج البعض، بل هي في جوهرها موقف سياسي صريح يرفض الاستمرار في إعطاء الشرعية لمسار انتخابي لا يملك شروط التغيير الحقيقي”.
المشكلة اليوم، بحسب الونخاري، “ليست في ضعف المشاركة، بل في طبيعة النظام الذي يجعل من الانتخابات مجرد واجهة شكلية”، مشيراً إلى أنه رغم ما حمله الدستور من تعديلات، فإنه “أبقى القرار الفعلي خارج المؤسسات المنتخبة”. إذ إن القضايا الكبرى “تُحسم في دوائر لا تخضع للمساءلة الشعبية، بينما تُترك للحكومة مهمة التنفيذ وتحمل كلفة القرارات”. وفي ظل هذا الوضع، “يصبح الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد شعار بلا أثر فعلي”.
ويعتبر الونخاري، وهو باحث في الفكر السياسي المعاصر، أن القواعد المنظمة للانتخابات “لا تضمن تنافسا متكافئا”، مشيرا إلى أن “المال والنفوذ وتأثير الإدارة كلها عوامل تتحكم في النتائج، في حين يُفرز نمط الاقتراع مشهداً سياسياً مفككاً، عاجزاً عن إنتاج أغلبية منسجمة أو برنامج واضح”. والنتيجة، بحسبه، “حكومات ضعيفة وتوازنات مفروضة ووعود انتخابية سرعان ما تُنسى”.
ويضيف أن “التجربة تؤكد ذلك بوضوح. حكومة عبد الرحمن اليوسفي دخلت باعتبارها مدخلا لإصلاح سياسي، لكنها انتهت دون أن تغيّر قواعد اللعبة. وبعدها جاءت حكومتا عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، اللتان حظيتا بدعم انتخابي مهم، ومع ذلك وجدتا نفسيهما محكومتين بسقف لا يمكن تجاوزه، وتم خلالهما تمرير قرارات كبرى خارج منطق الاختيار الشعبي”.
وتابع أن “الأخطر هو أن المشاركة نفسها أصبحت تُستعمل لإضفاء مشروعية على سياسات لا تعكس إرادة المواطنين. وهنا تطرح المقاطعة نفسها كفعل سياسي واعٍ؛ رفضٌ للعب دور في مسرحية نتائجها معروفة سلفاً، واحتجاج على قواعد لعبة مختلة من أساسها”.
وبين أن أهم التحولات التي عرفها المغرب “لم تأت من داخل المؤسسات، بل فُرضت من الشارع، كما حدث مع حركة 20 فبراير، التي أجبرت الدولة على تقديم تنازلات لم تكن مطروحة من قبل”، معتبراً ذلك “دليلا واضحا على أن موازين القوة تُبنى في المجتمع، لا في صناديق اقتراع فاقدة للتأثير الحقيقي”، بحسبه.
وخلص الونخاري إلى أن “المقاطعة ليست انسحابا، بل هي شكل من أشكال المقاومة السياسية”، مشيراً إلى أنها “تسحب الثقة من مسار مغلق، وتضغط من أجل فتح أفق حقيقي للإصلاح”، معتبراً أن المشاركة في ظل الشروط الحالية “تزكية ضمنية للوضع القائم مهما كانت النوايا”.
وأبرز أن تحول الانتخابات “إلى آلية لإعادة إنتاج نفس التوازنات يجعل من المقاطعة موقفاُ عقلانياُ لا مزاجيا”، مشدداً على أنها “قول: لا في وجه واقع لا يسمح بأي ‘نعم’ حقيقية”.
وفي هذا الإطار، لا تبدو انتخابات 2026 مجرد منافسة على المقاعد والأصوات بقدر ما تبدو معركة حول استعادة الثقة في العملية السياسية نفسها. فبينما تواصل الأحزاب إقناع المواطنين بأن المشاركة والتصويت يظلان السبيل الأنجع للتأثير في القرار العمومي وتغيير موازين القوى، يتمسك دعاة المقاطعة بقناعتهم بأن صناديق الاقتراع، في ظل الشروط الحالية، غير قادرة على إحداث التغيير المنشود.
وبين الجانبين، يبقى الرهان هو مدى قدرة المؤسسات السياسية على استعادة ثقة المغاربة وإقناعهم بأن المشاركة الانتخابية يمكن أن تنعكس فعلاً على أوضاعهم المعيشية وعلى السياسات التي تؤثر في حياتهم اليومية.