بعد 5 سنوات.. الريع والبطالة والفوارق تكشف تعثرات تنزيل النموذج التنموي الجديد
أفاد تقرير حديث بأن حصيلة خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي الجديد تكشف عن مفارقة لافتة بين حجم الأوراش والإصلاحات التي أطلقتها الدولة منذ سنة 2021 وبين النتائج المحققة على أرض الواقع، إذ ورغم تسجيل تقدم في عدد من المجالات الاستراتيجية، فإن العديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية ما تزال بعيدة عن الأهداف التي رسمها النموذج باعتباره خارطة طريق “لمغرب أكثر عدالة وتنافسية وشمولا”.
وأوضح التقرير التقييمي الذي أنجزه مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي تحت عنوان “خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟” أن السنوات الماضية عرفت إطلاق إصلاحات كبرى همّت الحماية الاجتماعية والاستثمار والصحة والتعليم، غير أن أثر هذه الإصلاحات ظل محدودا في عدد من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وعلى رأسها التشغيل وتحسين الدخل وجودة الخدمات العمومية.
وسجل المصدر أن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط باستمرار تنزيل المشاريع والإصلاحات، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق تحول فعلي في أوضاع المواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتعزيز الثقة في المؤسسات، معتبرا أن عددا من المؤشرات يكشف استمرار فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة وواقع التنزيل.
نمو اقتصادي أقل
واعتبر التقرير أن أحد أبرز التحديات التي واجهت النموذج التنموي الجديد يتمثل في عدم تحقيق معدلات النمو الاقتصادي التي تم تقديمها باعتبارها شرطا أساسيا لإنجاح مختلف الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، حيث كان يراهن النموذج على بلوغ متوسط نمو يفوق 6 في المائة سنويا بما يسمح بخلق الثروة وفرص الشغل وتقوية الموارد المالية للدولة.
غير أن الاقتصاد المغربي واصل خلال السنوات الأخيرة تسجيل معدلات نمو تراوحت في الغالب بين 3 و4 في المائة، وهي مستويات اعتبرها التقرير غير كافية لإحداث التحول الاقتصادي المنشود أو للاستجابة لمتطلبات التنمية الاجتماعية المتزايدة.
وعزى التقرير هذا الوضع جزئيا إلى توالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على النشاط الفلاحي، فضلا عن تباطؤ الاقتصاد العالمي واستمرار تداعيات الأزمات الدولية المتلاحقة، سواء المرتبطة بسلاسل التوريد أو بارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.
و شددت الوثيقة في المقابل على أن هذه الإكراهات الظرفية لا تفسر وحدها محدودية النمو، مبرزا استمرار اختلالات بنيوية تتعلق بضعف الإنتاجية ومحدودية مساهمة عدد من القطاعات الاقتصادية في خلق القيمة المضافة، فضلا عن بطء التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.
البطالة تواصل الضغط
رغم الاستثمارات العمومية الضخمة التي عرفتها السنوات الأخيرة، فإن سوق الشغل ما يزال، وفق التقرير، أحد أبرز نقاط الضعف في حصيلة تنزيل النموذج التنموي الجديد، حيث لم تنجح الدينامية الاقتصادية المسجلة في امتصاص الطلب المتزايد على فرص العمل.
وأشار التقرير إلى أن معدل البطالة بلغ خلال سنة 2025 حوالي 13 في المائة، فيما تجاوز عدد العاطلين عن العمل 1.6 مليون شخص، وهي أرقام تعكس استمرار الفجوة بين النمو الاقتصادي المحقق وحاجيات سوق الشغل الوطنية.
وتزداد حدة هذا الوضع في صفوف الشباب، حيث تتجاوز البطالة ثلث الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، في وقت يفترض أن يشكل هؤلاء القوة الرئيسية القادرة على قيادة التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يراهن عليه النموذج التنموي الجديد.
كما سجل التقرير مستويات مرتفعة من البطالة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا، معتبرا أن ذلك يعكس استمرار الاختلال القائم بين مخرجات التعليم والتكوين من جهة، وحاجيات الاقتصاد الوطني من جهة أخرى، ويؤكد ضعف قدرة المقاولة المغربية على استيعاب الكفاءات المؤهلة.
ولفت المصدر إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد مناصب الشغل المحدثة، و لكن بطبيعتها وجودتها، إذ يظل جزء مهم منها متمركزا في قطاعات منخفضة الإنتاجية أو في أنشطة موسمية وهشة لا توفر الاستقرار المهني ولا تضمن دخلا كافيا للأجراء.
التعليم والصحة
في ما يتعلق بالتعليم، اعتبر التقرير أن الإصلاحات المتعاقبة لم تنجح بعد في إحداث التحول النوعي المنتظر داخل المدرسة العمومية، رغم الموارد المالية الكبيرة التي تم تخصيصها للقطاع خلال السنوات الأخيرة.
واستدلت الوثيقة بنتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ “PISA 2022″، والتي أظهرت استمرار تموقع المغرب ضمن المراتب المتأخرة عالميا في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم، ما يعكس استمرار الاختلالات المرتبطة بجودة التعلمات واكتساب الكفايات الأساسية.
وأوضحت أن حوالي 81 في المائة من التلاميذ المغاربة لم يتمكنوا من بلوغ الحد الأدنى من الكفايات الأساسية في القراءة، فيما لم تتجاوز نسبة التلاميذ الذين حققوا المستوى الأدنى المطلوب في الرياضيات 18 في المائة فقط، وهي مؤشرات اعتبرها التقرير مقلقة بالنظر إلى الرهان الموضوع على الرأسمال البشري.
كما سجل استمرار ظاهرة الهدر المدرسي، إذ ما يزال مئات الآلاف من التلاميذ يغادرون مقاعد الدراسة سنويا، حيث ناهز عدد المنقطعين عن الدراسة 294 ألف حالة خلال الموسم الدراسي 2023-2024، مع تمركز الظاهرة بشكل أكبر في الوسط القروي وفي السلك الإعدادي.
أما في قطاع الصحة، فرغم التقدم المسجل في تعميم التغطية الصحية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، فإن التقرير أكد أن المواطنين ما يزالون يواجهون صعوبات مرتبطة بجودة الخدمات الصحية والولوج الفعلي إلى العلاج، خاصة في المناطق القروية والهامشية.
فوارق اجتماعية ومجالية
بخصوص الفوارق الإجتماعية و المجالية لفت التقرير إلى أن الحسابات الجهوية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف استمرار التركز الكبير للثروة الوطنية في عدد محدود من الجهات، حيث تستحوذ جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة على حوالي 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني.
وأضاف أن جهة الدار البيضاء-سطات وحدها تنتج أكثر من 32 في المائة من الثروة الوطنية، وهو ما يعكس استمرار تمركز الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية والبنيات التحتية في عدد محدود من الأقطاب الحضرية مقارنة بباقي الجهات.
ورغم تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المائة سنة 2014 إلى 6.8 في المائة سنة 2024، فإن التقرير نبه إلى أن نحو 72 في المائة من الفقراء ما يزالون يتمركزون في العالم القروي، فيما يوجد 70 في المائة منهم في خمس جهات فقط.
كما أشار إلى أن الناتج الداخلي الإجمالي للفرد بالمغرب بلغ حوالي 3993 دولارا سنويا سنة 2024، بينما ما تزال نسبة الأمية تناهز 24.8 في المائة، مع تسجيل مستويات أعلى في الوسط القروي وفي صفوف النساء، الأمر الذي يؤكد استمرار اختلالات عميقة في توزيع ثمار التنمية.
هيمنة التكنوقراط والريع
من جهة أخرى اعتبر التقرير أن مرحلة تنزيل النموذج التنموي الجديد عرفت صعودا متزايدا للمقاربة التكنوقراطية في تدبير عدد من السياسات العمومية، مقابل تراجع نسبي لأدوار الوساطة السياسية والحزبية والمدنية.
وأوضح أن عددا من الإصلاحات الكبرى تم تدبيرها بمنطق تقني وإداري أكثر منه بمنطق سياسي ومجتمعي، ما ساهم في اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات وأضعف مستويات التفاعل الشعبي مع بعض الأوراش الإصلاحية.
وربط التقرير هذا المعطى باستمرار أزمة الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي، خاصة في صفوف الشباب، وببروز موجات احتجاج اجتماعي وقطاعي في عدد من المجالات، من بينها التعليم والصحة والنقل، للمطالبة بتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية.
وفي الجانب الاقتصادي، سجل التقرير استمرار النقاش حول مظاهر الريع والاحتكار في عدد من القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها قطاع المحروقات، الذي شهد تحقيقات من طرف مجلس المنافسة أفضت إلى رصد ممارسات منافية لقواعد المنافسة الحرة وفرض غرامات مالية على عدد من الفاعلين.
كما أثار التقرير الجدل الذي رافق برامج دعم استيراد المواشي واللحوم الحمراء، معتبرا أن الانتقادات التي صاحبت هذه البرامج أعادت إلى الواجهة أسئلة الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص، في ظل شعور متزايد لدى جزء من الرأي العام بأن بعض الفئات الاقتصادية استفادت أكثر من غيرها من الدينامية التي أطلقها النموذج التنموي الجديد.
وخلص التقرير إلى أن نجاح النموذج التنموي الجديد خلال المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد المشاريع المعلنة أو بحجم الاستثمارات المرصودة فقط،و إنما بقدرته على تحسين شروط العيش وتقليص الفوارق وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استفادة أوسع للمواطنين من ثمار التنمية.