الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.. أكاديميون يبرزون أبعاده الدستورية والدبلوماسية
أكد عدد من الأساتذة الجامعيين أن مقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية لم يعد يُطرح فقط كآلية لتسوية نزاع إقليمي، حيث بات يشكل مدخلا للنقاش حول تطور النموذج المؤسساتي والدستوري للمغرب في سياق التحولات الجيوسياسية والدبلوماسية التي يعرفها ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة.
وجاء ذلك خلال ندوة وطنية بعنوان “الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.. مقاربات أكاديمية”، احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال اليوم الإثنين 18 ماي 2026، بمشاركة أساتذة وباحثين ناقشوا الأبعاد الدستورية والسياسية والعملية لمبادرة الحكم الذاتي، وكذا التحديات المرتبطة بتنزيلها المؤسساتي .
في هذا السياق، أكد كمال هشومي أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية أكدال أن موضوع الحكم الذاتي يطرح، بالنسبة إلى الدولة المغربية، سؤال القدرة على الانتقال من منطق “السيادة الكلاسيكية” إلى “الدولة الذكية” القادرة على استيعاب التعدد الترابي والمؤسساتي داخل إطار الوحدة السياسية والدستورية.
واعتبر أن المبادرة المغربية لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد مقترح دبلوماسي قدم سنة 2007، “وإنما كتعبير عن تحول عميق في فلسفة الدولة المغربية ونمط اشتغالها المؤسساتي”.
وأوضح هشومي أن مقترح الحكم الذاتي يعكس انتقال المغرب من دولة مركزية تقليدية إلى دولة تسعى إلى إعادة توزيع السلطة والاختصاصات والثروة داخل إطار سيادي موحد، مشيرا إلى أن النقاش لا يتعلق فقط بتسوية نزاع إقليمي، “بل بإعادة هندسة العلاقة بين المركز والجهات”.
وأضاف أن الحكم الذاتي لا يمثل تنازلا سياسيا بقدر ما يعبر عن “ثقة الدولة في ذاتها”، لأن الدول الضعيفة، وفق تعبيره، تخشى توزيع السلطة، بينما الدول الواثقة من استقرارها هي القادرة على إعادة تنظيم سلطتها الترابية.
كما لفت إلى أن المقترح المغربي جاء في سياق استقرار مؤسساتي واستمرارية للملكية وإصلاحات دستورية، بخلاف عدد من نماذج الحكم الذاتي في العالم التي فُرضت على دول تعيش أزمات أو هزائم داخلية.
وشدد المتحدث على أن دستور 2011 شكل محطة مفصلية في هذا المسار، من خلال تكريسه لمفاهيم “التدبير الحر” و”الديمقراطية التشاركية” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، معتبرا أن الحكم الذاتي يشكل امتدادا متقدما لمنطق الجهوية المتقدمة.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة نموذج قانوني أو دستوري للحكم الذاتي، وإنما في توفر ثقافة سياسية ومؤسساتية قادرة على استيعاب هذا النموذج، محذرا من مخاطر ضعف النخب المحلية وتضارب الولاءات واقتصاد الريع.
وخلص هشومي إلى أن الحكم الذاتي يعني نقل جزء من السلطة والموارد والنفوذ إلى المستوى الترابي، بما يفرض تحديات جديدة على الدولة والمجتمع معا.
من جانبه، شدد أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عبد العالي حامي الدين على أن القرار الأممي الأخير المتعلق بملف الصحراء لم يعد يتضمن أي إشارة إلى خيار الاستفتاء، مقابل تكرار الحديث عن الحكم الذاتي “كحل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التفاوض”، معتبرا أن هذا التحول يعكس انتقال المنتظم الدولي نحو اعتبار الحكم الذاتي الإطار الوحيد المطروح لتسوية النزاع.
وأضاف حامي الدين أن قرارات مجلس الأمن كررت مصطلح “الحكم الذاتي” عدة مرات، إلى جانب تكريس مركزية “الموائد المستديرة”، وهو ما يعني، بحسبه، أن تسوية الملف أصبحت مرتبطة بالمفاوضات التي تشمل المغرب والجزائر وموريتانيا و”البوليساريو”.
كما لفت إلى أن الجزائر أصبحت تتحمل مسؤولية مباشرة باعتبارها طرفا في المفاوضات، بعدما كانت تقدم نفسها سابقا باعتبارها “طرفا محايدا”.
وشدد على أن المبادرة المغربية لم تعد مجرد “مغامرة دبلوماسية”، حيث تحولت إلى أرضية أممية للتفاوض، خاصة في ظل الدعم الذي تحظى به من قوى دولية كبرى، معتبرا أن ذلك يمثل “منعطفا حاسما” بالنسبة للمغرب على المستوى الدبلوماسي.
كما أشار إلى أن جبهة “البوليساريو” فقدت، وفق تعبيره، أهم أوراقها المرتبطة بخيار الاستفتاء، في مقابل تراجع هامش المناورة السياسية أمامها.
وخلص حامي الدين إلى أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في تحويل مبادرة الحكم الذاتي من تصور سياسي عام إلى مشروع دستوري ومؤسساتي متكامل، قابل للتفاوض والتنزيل العملي، موضحا أن هذا المسار يفرض معالجة قضايا مرتبطة بالسلطة القضائية والمالية والأمنية، إضافة إلى تدبير مرحلة انتقالية لبناء الثقة ومعالجة الملفات الحقوقية والاجتماعية والثقافية المرتبطة بسكان مخيمات تندوف.