story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

المملكة الثالثة

ص ص

إذا كان التحقيب في الزمن السياسي الفرنسي الحديث، يشير إلى “جمهوريات” متعاقبة، آخرها الجمهورية الخامسة القائمة منذ دستور 1958، يرتبط بلحظات فاصلة شهدت تغيير النظام أو الانتقال بين أشكال الحكم من ملكية إلى إمبراطورية إلى جمهورية؛ فإننا في المغرب، وإن كنا نعيش تحت ملكية عمرها يقترب من أربعة قرون، قد عرفنا نحن أيضا حقبا متباينة ومختلفة بوضوح، حتى داخل العهد العلوي نفسه.

وفي غياب تحقيب معتمد علميا، ومع ما عرفه المغرب من فترات اختلف فيها شكل الحكم وتوزيع السلطة ومصادر الشرعية بين “أرض المخزن” و”أرض السيبة” وسواهما، ودون أن نتورط في تقسيم تاريخي سيثير الخلاف حتما، يمكننا، دون كثير مجازفة، أن نتفق على ثلاث حقب كبرى واضحة المعالم: حقبة ما قبل الحماية بكل تشعباتها، ثم حقبة الحماية الفرنسية، ثم حقبة ما بعد الحماية إلى اليوم.

المعالم والخطوط الفاصلة بين “مملكة” وأخرى، في هذا التحقيب المقترح، ليست سيادية فقط، كما قد يوحي ظاهر التقسيم، بل تتصل أساسا بكيفية وضع القواعد الخاصة بانتقال العرش من سلطان أو ملك إلى آخر.

ففي مرحلة ما قبل الحماية، كانت هذه القاعدة تظل رهينة “أهل الحل والعقد” من جهة، وموازين القوة من جهة ثانية، وهو ما أدخل المغرب، أكثر من مرة، في قلاقل واضطرابات مريرة، يكفي أن نستحضر منها ما وقع بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل، حين تحولت الخلافة إلى باب واسع نحو الفوضى والصراع والتدخلات.

ثم جاءت مرحلة الحماية، فانتقلت اليد التي تؤثر في تقرير مصير العرش، أو تحسم فيه فعليا، من الداخل إلى الخارج. لم تعد المسألة، يومها، شأنا مغربيا خالصا، بل غدت جزءا من ترتيبات الإقامة العامة وموازين الهيمنة الاستعمارية. وبذلك، لم تعد قاعدة انتقال السلطة تستند فقط إلى الشرعية التاريخية أو البيعة أو التقاليد السياسية المحلية، بل صارت، في جزء حاسم منها، محكومة بقرار أجنبي مباشر أو شبه مباشر.

أما المرحلة الثالثة، فهي التي بدأت فعليا حين انتقل المغرب، بعد الاستقلال، إلى ترسيخ قاعدة جديدة لانتقال العرش، عنوانها الانتقال الخطي من الأب إلى الابن. وهذه ليست مجرد ملاحظة شكلية مرتبطة بتسلسل الأسماء داخل الأسرة الملكية، بل هي تحوّل عميق في مصدر القاعدة نفسها.

فالمنعطف لم يكن في أن يخلف ابنٌ أباه فقط، لأن ذلك وقع من قبل، بل في أن تتحول هذه الكيفية إلى قاعدة معلنة، ومقصودة، ومؤطرة، بدأت عمليا مع تعيين الراحل محمد الخامس ابنه مولاي الحسن وليا للعهد في حياته، ثم جاء الحسن الثاني فأدخل هذه القاعدة إلى صلب الوثيقة الدستورية، قبل أن يثبتها دستور 2011 في عهد محمد السادس، بوصفها جزءا من التعاقد العام الذي ينظم قمة الدولة في المغرب.

قد يقول قائل إن الانتقال الخطي من الأب إلى الابن لم يبدأ مع محمد الخامس، بل مع والده مولاي يوسف. لكن العبرة، هنا، ليست بطبيعة علاقة القرابة بين ملك سابق وآخر لاحق، بل بالسند الذي تقوم عليه القاعدة ومصدرها الحقيقي.

فاختيار محمد الخامس خليفة لوالده لم يكن ثمرة قرار وطني داخلي خالص، بل كان، في جوهره، قرارا فرنسيا بالدرجة الأولى، أو على الأقل قرارا وقع تحت سقف الحماية وبمنطقها. أما مع 9 يوليوز 1957، حين تسلم مولاي الحسن رسميا وثيقة تعيينه وليا للعهد من والده محمد الخامس، فقد بدأ المغرب يخط، بيده هو، قاعدة جديدة لوراثة العرش داخل الدولة الوطنية المستقلة.

صحيح أن هذا الترسيخ لم يكن كافيا في عهد الحسن الثاني، لتحقيق الاستقرار التام حول هذه القاعدة. فالملكية نفسها كانت محاطة، آنذاك، بتهديدات داخلية وخارجية حقيقية، من محاولات انقلاب أو ثورة، إلى جو إقليمي ودولي مشحون بالحرب الباردة، وصعود الأنظمة الثورية في العالم العربي وإفريقيا، وتنامي الخطابات الجمهورية الجذرية، وكلها كانت تجعل السؤال حول العرش، وحول من يخلف من، جزءا من سؤال أكبر حول بقاء النظام نفسه.

لكننا اليوم، في عهد محمد السادس، أمام وضع مختلف كليا. فالإجماع الداخلي حول شخص الملك ووظيفته بلغ درجة غير مسبوقة في التاريخ المغربي الحديث، كما أن السياق الإقليمي والدولي لم يعد يشبه ذلك الذي كانت الملكيات تعيش معه تحت تهديد دائم، من الخارج أو من الداخل.

مع القرار الأخير الذي أعلنه الديوان الملكي، والقاضي بتعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، لم يعد ممكنا النظر إلى الأمر كخطوة بروتوكولية أو مؤسساتية معزولة. فنحن، في الحقيقة، أمام لحظة ذات حمولة أعمق: لحظة تؤكد أن “المملكة الثالثة”، التي بدأت يوم 9 يوليوز 1957، قد استكملت، اليوم، ترسيخ نفسها على قاعدة الانتقال الخطي للعرش من الأب إلى الابن الذكر البكر، ليس كنص دستوري فقط، بل كواقع سياسي ومؤسساتي مستقر ومحصّن.

فمعنى التعيين الملكي الأخير لا يكمن فقط في المنصب في خد ذاته، بل في سياقه ووجهته. فحين يُدخل الملك ابنه وولي عهده إلى صلب مؤسسة سيادية مركزية، سبق له هو نفسه أن مرّ عبرها عندما كان وليا للعهد، فإن الدولة لا تكتفي بالإشارة إلى ولي العهد باعتباره وارثا دستوريا للعرش، بل تبدأ في معاملته، بهدوء، كملك مقبل يجري إعداده من داخل مؤسسات الحكم الحساسة.

وإذا كانت مسألة انتقال العرش قد جرى، بهذا المعنى، تحييدها إلى حد بعيد عن القوى الداخلية التي كانت تؤثر فيها قديما، وعن القوى الخارجية التي كانت تتدخل فيها لاحقا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم لم يعد “من سيخلف من؟” بل “أي ملكية تتشكل أمامنا؟”، وما الشكل الذي ستتخذه في المستقبل، وقد استكملت تثبيت قاعدتها الوراثية الأساسية؟

يمكن التوقف عند مؤشرين اثنين بهذا الشأن، واحد صادر عن الدولة، والآخر صادر عن المجتمع.

أما مؤشر الدولة، فيوحي بأن المسار الغالب هو التقدم نحو ملكية تنفيذية أكثر، لكن بلبوس عصري. فمنذ دستور 2011 إلى اليوم، أبان السلوك الفعلي للدولة عن اتجاه واضح نحو تقوية قبضة الملكية على السلطات والاختيارات الكبرى، مع الحرص، في الوقت نفسه، على تحديث أشكال التدبير، وعصرنة الواجهات، وإحاطة ذلك كله بلغة الحكامة، والفعالية، والاستراتيجية، والتخطيط بعيد المدى.

لا يبرز هذا المؤشر في توزيع السلطات فقط، بل في طبيعة الحضور الملكي نفسه داخل الدولة، من الأمن والدفاع، إلى الدبلوماسية، إلى الملفات الاجتماعية الكبرى، إلى المشاريع الاستراتيجية، إلى الرهانات الدولية الكبرى من رياضة وثقافة وعمران.

أما المؤشر الثاني، الصادر عن المجتمع، فهو أكثر تعقيدا وربما أكثر حسما على المدى البعيد. ذلك هو المؤشر الذي قدمته، بدرجات مختلفة، الحراكات الاجتماعية المتعاقبة، وصولا إلى ما صار يسمى بحراك “جيل Z”. أي الجيل الذي لم يعد ينظر إلى الدولة والسلطة والشرعية بالعيون نفسها التي نظرت بها الأجيال السابقة.

لا يدخل هذا الجيل في خصومة مع الملكية، بل قد يكون أكثر تسليما بها من الناحية الرمزية، ولنتذكر طبيعة المطالب والخطاب اللذان أنتجهما الحراك الأخير، لكنه في المقابل أقل استعدادا لقبول أشكال الاختلال، والمحسوبية، وغياب العدالة، وضعف الفعالية، واستمرار الفوارق الفجة بين الخطاب والواقع.

جيل “الحسن الثالث”، إذا جاز هذا التعبير، قد يكون أكثر ارتباطا رمزيا بالمؤسسة الملكية، لكنه أيضا أكثر حساسية تجاه أسئلة العدالة الاجتماعية، والكرامة، والشفافية، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجودة الخدمات، والمعنى الفعلي للإنصاف داخل الدولة.

جيل لا يقيس الشرعية بالماضي والتاريخ والرموز فقط، بل أيضا بالقدرة على تحسين الحياة اليومية، وتخفيف الإحساس بالحكرة، وتقليص الفجوة بين من يقررون ومن يدفعون الضرائب.

بالتالي سيكون الرهان الحقيقي للمملكة الثالثة مستقبلا، بعد أن حسمت أكثر من أي وقت مضى مسألة الانتقال الخطي للعرش، هو الجواب عن السؤال الأصعب: كيف تتحول هذه الملكية المستقرة، والمحصنة، والمتجذرة، إلى ملكية أكثر قدرة على الاستجابة لمطالب مجتمع تغير عميقا، وارتفعت تطلعاته، ولم يعد يكتفي بالاستقرار بوصفه أفقا وحيدا؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأنظمة المستقرة هو الجمود. فحين تُحسم مسألة شكل النظام، وتُغلق أبواب العبث بها من الداخل والخارج، يصبح التحدي الحقيقي هو “ماذا بعد؟” و”أي نموذج لجعل الاستقرار منتجا؟”.