“من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد”.. كتاب بووانو يرصد اختلالات دعم استيراد الماشية
أصدر عبد الله بووانو، النائب البرلماني ورئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، كتابا تحت عنوان “أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد”.
و يوثق هذا العمل تحليلا نقديا لسياسات الدعم الحكومي الموجهة لقطاع استيراد الماشية خلال سنوات 2022-2025، حيث يجادل الكتاب بأن الإجراءات الحكومية لم تستهدف مصلحة المستهلك بقدر ما خلقت “ريعا” لجهات بعينها.
وقد أثار هذا الكتاب جدلا واسعا يوم مناقشة حصيلة الحكومة داخل المؤسسة التشريعية، حين طالب رئيس الجلسة، رشيد الطالبي العلمي، بووانو بسحب الكتاب، إلا أن هذا الأخير تمسك بالمؤلف مؤكدا أنه جزء من العمل البرلماني بعد إفشال تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول ملف دعم المواشي واستيرادها.
ربح على حساب المواطن
و قد جاء في الكتاب الذي اطلعت عليه صحيفة “صوت المغرب” أن دعم استيراد الماشية لم ينجح في خفض أسعار اللحوم للمواطن، و إنما تحول إلى ريع منظم لفائدة فئات معينة من المستوردين.
وأوضح بووانو بناء على بيانات محاسباتية، أن هامش الربح الصافي للمستورد في عملية استيراد النعاج يصل إلى 2406 درهم للرأس الواحد، وهو رقم يعكس ضخامة الأرباح المحققة من المال العام.

وأضافت الوثيقة أن الدعم الحكومي يغطي فعليا 84% من ثمن الشراء في الخارج، مما يرفع عائد استثمار المستوردين لأكثر من 2500% في بعض العمليات.
ولفت الكتاب إلى أن استيراد الخرفان يحقق بدوره هامش ربح يتجاوز 108% من التكلفة الفعلية للاستيراد، مؤكدا أن هذه الأرباح الفاحشة مضمونة ومدعومة بأموال الدولة دون أي مخاطر تجارية تذكر.
هندسة لضمان “الريع”
وأوضح الكتاب أن دفاتر التحملات الخاصة باستيراد الأبقار الموجهة للذبح، تضمنت شروطا وإجراءات تقنية معقدة فُرضت لتقييد المنافسة الشريفة بين الفاعلين في السوق.
وأضافت الوثيقة أن شرط إيداع الملف قبل 5 أيام من تاريخ الشحن، في ظل آجال زمنية ضيقة جدا، كان وسيلة تقنية مقصودة لإقصاء المنافسين الصغار والمستقلين.
ولفت بووانو إلى أن فرض “فاتورة مبدئية” Pro-forma ضمن ملفات الاستيراد، يمنح أفضلية مسبقة لأشخاص محددين يملكون المعلومة قبل إعلانها رسميا للعموم.
وفي هذا السياق أكدت الوثيقة أن هذه الإجراءات جعلت الحصول على الموافقة أشبه بسباق محصن يخدم فقط المقربين من صناع القرار، مشددة على أن هذه المساطر لم توضع لتنظيم السوق و إنما لحماية رخص الاستيراد.
برلمانيون في قلب “الكعكة”
من جهة أخرى أوضح الكتاب أن استغلال النفوذ السياسي تجلى بوضوح في وجود 8 برلمانيين من الأغلبية الحكومية خلال الولاية التشريعية الحالية ضمن لائحة المستوردين المستفيدين من الدعم.
وأضاف أن التوزيع الحزبي لهؤلاء يشمل 3 برلمانيين من حزب التجمع الوطني للأحرار،ثم 3 برلمانيين من حزب الأصالة والمعاصرة و اثنان من حزب الاستقلال، وبرلمانيا واحدا عن حزب الاتحاد الدستوري، مما يضعهم في وضعية تضارب مصالح صارخة.

ولفت بووانو إلى أن هؤلاء المسؤولين يجمعون بين موقع القرار السياسي وبين الاستفادة المباشرة من الامتيازات الريعية، مؤكدا أن بعض المسؤولين الحزبيين المجاليين قاموا ببيع حصصهم من الدعم بعد أن تم التأشير عليها .
وأشارت الوثيقة إلى أن هذه المعطيات تفسر التهافت الكبير لتعديل الأنظمة الأساسية لشركات غير متخصصة في استيراد و تسويق و تسمين الحيوانات الحية لتصبح شركات استيراد بين عشية وضحاها لاقتناص الدعم.
طفرة الشركات
و في نفس السياق أوضح التقرير أن لائحة المكتب الوطني للحبوب والقطاني ضمت 100 شركة مستوفية لشروط استيراد الحيوانات الحية، لكن في المقابل استفادت فعليا 277 شركة دون دون صدور إعلان رسمي شامل يوضح تفاصيلها أو معايير اختيارها حسب المؤلف .
وأضافت الوثيقة أن 51% من الشركات المستوردة تم تأسيسها بعد عام 2022، وهو تاريخ تزامن بالضبط مع انطلاق برامج الدعم العمومي المكثف للحيوانات الحية ،ما يعني أن التأسيس جاء خصيصا للإستفادة من برامج الإستيراد و الدعم العمومي.

ولفت بووانو إلى لجوء شركات كبرى ومتعددة الأنشطة لتعديل أنظمتها الأساسية لإدراج نشاط استيراد الحيوانات لاقتناص الدعم، مما أدى لاحتكار كامل للسلسلة من الاستيراد إلى التسمين ثم التوزيع.
وأكد الكتاب أن إحداث شركات خلال سنتي 2023 و2024 خصيصا للاستفادة من الدعم العمومي، يعد مؤشرا قويا على وجود ريع مؤسساتي لا صلة له بالتطوير المهني.
تكريس الغلاء
و شدد بووانو على أن الفشل في خفض أسعار اللحوم بالأسواق الوطنية ليس صدفة اقتصادية، و إنما هو نتيجة لهيكلة متعمدة حوّلت الدعم إلى آلية لتراكم الثروات السريعة لدى ما يسمى “الفراقشية”.
وأضافت الوثيقة أن الإعفاءات الضريبية والدعم المالي استُغلا لمضاعفة هوامش الربح الخاصة للمستوردين بدل تخفيف العبء عن المواطن، وهو ما يكرس حسب الكتاب غلاء الأسعار.
ولفت بووانو إلى أن مقارنة أسعار الشراء من الأسواق الأوروبية بأسعار البيع النهائية للمستهلك المغربي تكشف زيف مبررات الغلاء التي يتم التسويق لها.
وخلص الكتاب إلى أن السياسة المتبعة و الشروط الإقصائية نجحت في خلق ريع محصن بامتيازات قانونية، مما أضر بالمنتج الوطني وبالقدرة الشرائية للأسر المغربية، وتحولت إلى أداة لمضاعفة الثروات الريعية بشكل غير مسبوق.