أزمة التقاعد بالمغرب.. إصلاح مؤجل و”قنبلة موقوتة” تتقاذفها الحكومات
في خطوة تعكس حجم الحرج الذي يحيط بملف إصلاح التقاعد، استجابت الحكومة لطلب مركزيات نقابية تأجيل اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بهذا الورش، الذي كان مرتقباً في 6 أبريل، إلى ما بعد انعقاد جولة أبريل من الحوار الاجتماعي.
ويأتي هذا التأجيل في سياق إعادة ترتيب أجندة التفاوض بين الحكومة وشركائها الاجتماعيين، حيث يرتقب أن تنطلق جولة الحوار يوم 17 أبريل الجاري بمشاركة النقابات الأكثر تمثيلية، إلى جانب ممثلي أرباب العمل.
وتُقرأ هذه الخطوة، في الأوساط النقابية والسياسية، على أنها مؤشر جديد على استمرار تغليب منطق التدرج في تدبير أحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الزمنية والمالية على أنظمة التقاعد، وتتعاظم كلفة تأجيل الإصلاح.
جذور الأزمة
لفهم عمق أزمة التقاعد في المغرب، لا يكفي تتبع تعاقب الحكومات أو رصد قراراتها الظرفية، بل يتطلب الأمر العودة إلى العوامل البنيوية التي تشكلت عبر عقود، وجعلت من النظام هشًا أمام التحولات الاقتصادية والديمغرافية.
يُعد العامل الديمغرافي أحد أبرز أسباب الأزمة. فقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في متوسط أمد الحياة، مقابل تباطؤ في نمو عدد النشيطين المساهمين في الصناديق.
هذا التحول أدى إلى تراجع ما يُعرف بنسبة الإعالة (عدد المساهمين مقابل عدد المتقاعدين)، وهي ركيزة أساسية في توازن أنظمة التقاعد. فبعدما كان كل متقاعد يُموَّل من طرف عدة منخرطين، أصبح العدد يتقلص تدريجيًا، ما يضع ضغطًا متزايدًا على الموارد.
ويتميز نظام التقاعد المغربي بتعدد صناديقه، من قبيل الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR).
هذه التعددية لا تعكس فقط اختلافًا في الفئات المستفيدة، بل أيضًا تفاوتًا في نسب المساهمة، وشروط الاستفادة، وطرق احتساب المعاشات. ومع غياب نظام موحد أو منسق برزت اختلالات هيكلية، حيث تعاني بعض الأنظمة من عجز حاد، بينما تتمتع أخرى بتوازن نسبي، دون وجود آليات فعالة لإعادة التوازن بينها.
من بين العوامل البنيوية أيضًا، إشكالية الحكامة. فقد طُرحت، على مدى سنوات، تساؤلات حول مردودية استثمارات صناديق التقاعد، وطرق تدبير الاحتياطيات المالية، فضلاً عن محدودية تنويع المحافظ الاستثمارية. هذه الأخيرة، لم تحقق في بعض الحالات العائد الكافي لضمان استدامة النظام، ما ساهم في تعميق الفجوة بين الموارد والالتزامات.
يعتمد جزء كبير من نظام التقاعد في المغرب على مبدأ “التوزيع”، حيث تُستخدم مساهمات الأجراء الحاليين لتمويل معاشات المتقاعدين. ويكون هذا النموذج فعالًا في حالة توازن ديمغرافي، لكنه يصبح هشًا عندما يتزايد عدد المتقاعدين ويتراجع عدد المساهمين.
وفي ظل التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب، أصبح هذا النموذج يواجه ضغطًا متزايدًا، ما يطرح تساؤلات حول ضرورة الانتقال نحو نماذج تمويل أكثر تنوعًا، تجمع بين التوزيع والادخار.
يزيد من تعقيد الأزمة الطابع غير المهيكل لجزء كبير من الاقتصاد المغربي، حيث نسبة مهمة من العاملين خارج أنظمة التغطية الاجتماعية، إلى جانب ضعف قاعدة المساهمين مقارنة بحجم السكان النشيطين، وهو ما يحرم صناديق التقاعد من موارد إضافية، ويحد من قدرتها على تحقيق التوازن المالي.
وعي مبكر وقرارات مؤجلة
تعود أولى التحذيرات الرسمية إلى أواخر التسعينيات، خلال حكومة عبد الرحمن اليوسفي، حيث بدأت الدراسات تشير إلى اختلالات هيكلية في أنظمة التقاعد، نتيجة تحولات ديمغرافية ومالية. تُعد هذه المرحلة (1998–2002) نقطة انطلاق فعلية في مسار التعامل مع أزمة التقاعد في المغرب، حيث انتقل النقاش من مستوى الصمت المؤسساتي إلى مستوى التشخيص العلني.
مع نهاية التسعينيات، بدأت الدولة تدرك تدريجيًا حجم الاختلالات التي تهدد استدامة أنظمة التقاعد. وقد تميزت هذه المرحلة بإطلاق أولى الدراسات التقنية حول توازنات الصناديق، مع بروز تقارير رسمية تحذر من عجز مستقبلي، وانطلاق نقاش عمومي حول ضرورة الإصلاح.
هذا التحول لم يكن معزولًا، بل جاء في سياق تحولات أوسع عرفها المغرب، خاصة على المستوى الديمغرافي والاقتصادي، والتي بدأت تكشف هشاشة النموذج القائم.
لكن، رغم وضوح الصورة، ومع أن المؤشرات ظهرت آنذاك، من اختلال ديمغرافي صاعد، وتعدد أنظمة، وهشاشة في التمويل، وضعف الحكامة، والتي كانت كافية لتبرير تدخل مبكر، بكلفة أقل مما هي عليه اليوم، لم يتم اتخاذ قرارات إصلاحية حاسمة، إذ لم تُترجم هذه المعطيات إلى قرارات إصلاحية حقيقية. فقد طغت على هذه المرحلة اعتبارات سياسية واجتماعية.
كان من أبر هذه المعطيات حساسية الملف اجتماعيًا وارتباطه المباشر بالقدرة الشرائية، والخشية من ردود فعل النقابات، فضلاً عن أولوية الحفاظ على التوازنات في سياق “التناوب التوافقي”.
وتكمن خصوصية مرحلة اليوسفي في هذه المفارقة. من جهة، كان هناك وعي واضح ومبكر بخطورة الوضع، ومن جهة أخرى، غابت الجرأة السياسية لاتخاذ قرارات قد تكون مكلفة على المدى القصير.
وهي مفارقة ستتكرر لاحقًا في تجارب حكومية أخرى، ما جعل من هذه المرحلة لحظة تأسيسية ليس فقط في تشخيص الأزمة، بل أيضًا في تكريس منطق تأجيل الإصلاح.
زمن الفرص الضائعة
مع تنصيب حكومة إدريس جطو (2002–2007)، عرف ملف التقاعد مفارقة تمثلت في كون المؤشرات الاقتصادية العامة تعيش استقراراً نسبياً يسمح بهامش مناورة واسع، بحسب مراقبين، بينما استمر نهج “التأجيل الممنهج” للإصلاح الهيكلي. ورغم تحول التحذيرات من تقارير تقنية باردة إلى “نواقيس خطر” تدق في مؤسسات وطنية ودولية، إلا أنها لم تجد طريقها لتصبح سياسات عمومية ناجعة، لتضيع بذلك فرصة تاريخية للتدخل المبكر بأقل التكاليف الممكنة.
انتقل النقاش في عهد جطو من مرحلة “التشخيص الأولي” التي ميزت عهد اليوسفي إلى الإنذار. فقد رسمت التقارير الصادرة آنذاك مساراً بيانياً قاتماً يتوقع عجزاً مالياً تدريجياً، مع رصد اختلال متسارع في “نسبة الإعالة” (المساهمون مقابل المتقاعدين). لم تعد الأزمة مجرد احتمال بعيد، بل أصبحت “خطراً داهماً” يهدد قدرة الاحتياطيات على الصمود لسنوات إضافية.
رغم وضوح الرؤية، ظلت الجذور العميقة للأزمة تتمدد بعيداً عن مشرط الجراح. تراجعت أعداد المساهمين الجدد مقابل ارتفاع مطرد في أعداد المستفيدين، واستمرت فوضى الصناديق بتعددية أنظمة تفتقر للتنسيق والانسجام الهيكلي. يضاف إلى ذلك ضعف المردودية المالية لاستثمارات الاحتياطيات، واتساع رقعة “القطاع غير المهيكل” الذي ظل يشكل ثقباً أسود يحرم الصناديق من موارد بشرية ومالية حيوية
وتكمن خصوصية هذه المرحلة في تأسيس “اللجنة الوطنية لإصلاح نظام التقاعد” عام 2004، والتي ضمت فرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين. ورغم أنها كانت إطاراً مناسباً لبلورة توافق وطني، إلا أنها تحولت في نظر مراقبين إلى أداة لـ”مأسسة الانتظارية”. فقد غابت “الإرادة السياسية” للحسم في القرارات المصيرية، واكتفت الحكومة بتعديلات جزئية لم تلامس جوهر المشكلة في الصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، الذي استمر في استنزاف احتياطاته ببطء تحت وطأة الحسابات السياسية.
يمكن تفسير تردد حكومة جطو في اتخاذ قرارات في هذا الصدد بعدة اعتبارات، أبرزها الارتباط العضوي للملف بالقدرة الشرائية للموظين، وصعوبة الوصول إلى صيغة ترضي المركزيات النقابية وأرباب العمل والدولة في آن واحد، فضلاعن التخوف من دفع ثمن سياسي باهظ جراء قرارات “غير شعبية”.
إنقاذ ظرفي
تحت وطأة التقارير التي حذرت من “إفلاس وشيك”، اختار رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران المواجهة المباشرة، ومرر ما سمي بـ “الإصلاح المقياسي” في 2016، والذي شمل رفع السن (إلى 63 سنة) وزيادة الاقتطاعات. ورغم أن هذا الإصلاح أنقذ الصندوق من السكتة القلبية، إلا أنه اعتُبر “إصلاحاً محاسباتياً” على حساب الموظف، دون لمس بنية النظام المختلة.
فكان التحول الأول على مستوى هذه الأزمة مع حكومة عبد الإله بنكيران، لكنه ظل إصلاحا محدود الأثر، لأنه لم يمس البنية العميقة للنظام، بل اقتصر على تأجيل الأزمة.
في عهد حكومة سعد الدين العثماني، لم يحدث تحول نوعي في الملف، حيث استمرت المقاربة التدريجية دون الانتقال إلى إصلاح هيكلي شامل.
وظلت نفس الإشكالات قائمة؛ ويتعلق الأمر بتعدد الأنظمة وضعف الحكامة، وكذا اختلال التوازنات الديمغرافية.
استمرت حكومة سعد الدين العثماني في تدبير “تداعيات” إصلاح 2016، وسط ممانعة نقابية شرسة لأي زيادة جديدة في السن أو الاقتطاعات. ومع وصول عزيز أخنوش، انتقل الملف إلى مربع “الدولة الاجتماعية”.
أزمة تشتد
اليوم، تقف صناديق التقاعد أمام تحديات حقيقية، مع تزايد عدد المتقاعدين مقابل ضعف نمو عدد المساهمين، ما يهدد استدامة بعض الأنظمة.
لم يعد النقاش تقنيًا فقط، بل أصبح سياسيًا بامتياز، يضع الحكومات أمام خيارين أحلاهما مرّ إصلاح مؤلم اجتماعيًا أو تأجيل مكلف ماليًا.
إذا كان التاريخ قد سجل لحكومة بنكيران جرأتها في اقتحام “عش الدبابير” عبر الإصلاح المقياسي، فإن الولاية الحكومية الحالية برئاسة عزيز أخنوش ستُذكر في أرشيف السياسة المغربية بكونها “ولاية الرهان على الوقت”.
دخلت هذه الحكومة بشعار “الدولة الاجتماعية”، معلنةً أن إصلاح التقاعد هو العمود الفقري لهذا الورش الملكي، لكن المسار الفعلي كشف عن استراتيجية “التأجيل المزدوج” التي نقلت الملف من رفوف الاستعجال إلى سلة الانتظار.
كانت وعود عزيز أخنوش رئيس الحكومة الحالية والرئيس المنتهية ولايته لحزب التجمع الوطني للأحرار بخصوص التقاعد جزءًا من برنامجه الحكومي وشعارات “الدولة الاجتماعية”، وكان من بينها إصلاح شامل لمنظومة التقاعد التي تعاني من عجز واختلالات. كما أكد على أن الإصلاح لن يكون مفروضًا، بل سيتم عبر حوار اجتماعي مع النقابات للوصول إلى توافق.
أولى إشارات التأجيل ظهرت – مع بداية الولاية الحكومية الحالية في 2021 – بربط الملف بـ “مخرجات الحوار الاجتماعي”. ويرى مراقبون أن هذا الربط كان “تكتيكاً ذكياً” لامتصاص حماس النقابات، حيث تم تحويل الأزمة إلى “نقاش تفاوضي طويل النفس”. واستهلكت الحكومة نصف ولايتها في لجان تقنية ودراسات أعادت تأكيد ما كان معروفاً منذ عهد جطو.
ومع اقتراب سنة 2026، بدأت ملامح “التأجيل الثاني” تتضح. فبعد أن كان من المتوقع المصادقة على القانون الإطار للإصلاح في منتصف الولاية، تشير كل المعطيات السياسية الحالية إلى أن الحكومة اختارت حصر دورها في “وضع اللبنات الأولى” أو “التوافق على المبادئ العامة”، مع ترك التنفيذ الفعلي بتبعاته “المؤلمة” (رفع السن، وزيادة الاقتطاعات، ودمج الصناديق) للولاية التشريعية القادمة.
وتكم خطورة هذا التأجيل الذي أعلن عنه الأسبوع الجاري في اصطدامه بالواقع الحسابي القاسي. فتقارير الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) والمجلس الأعلى للحسابات تضع عام 2028 كأفق لنفاذ الاحتياطيات. وبما أن الولاية القادمة ستبدأ في نهاية 2026، فإن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام هامش زمني ضيق جداً (أقل من عامين) لتنزيل إصلاح معقد تقنياً وحارق اجتماعياً.
بموجب هذا السيناريو، تكون حكومة أخنوش قد نجحت في شراء “سلم اجتماعي” مؤقت لولايتها، لكنها وضعت الدولة أمام خيارين أحلاهما مر في غضون سنتين: إما تدخل استعجالي من ميزانية الدولة لإنقاذ المعاشات على حساب الاستثمارات العمومية، أو فرض إصلاح “قيصري” قد يكون أكثر قسوة من إصلاح 2016.
واستند التأجيل إلى جرد لـ “الأزمات المعيشية” التي تخنق الطبقة العاملة. ففي حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أكدت المستشارة البرلمانية عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، فاطمة زوكاغ، أن دواعي الطلب النقابي تأجيل اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد الذي كان مقرراً في 6 أبريل الجاري، تكمن في الارتفاعات المتتالية في أسعار المواد الاستهلاكية التي أهلكت القدرة الشرائية.
ونبهت زوكاغ كذلك إلى التأثير المباشر لأسعار الوقود على تكاليف الحياة اليومية للمواطنين. إذ تصر النقابات على أن أي نقاش حول الاقتطاع للتقاعد يجب أن يسبقه نقاش حول الزيادة في الأجور والمعاشات ضمن دورة الحوار الاجتماعي.
تصدير الأزمة
ومن جانبه، اعتبر المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، خالد السطي، أن تأجيل إصلاح نظام التقاعد إلى ما بعد جولات الحوار الاجتماعي يُعد تهرباً من المسؤولية، وتصديراً لأزمة هذا الملف إلى الحكومة المقبلة.
وأوضح السطي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذا التأجيل “يعكس عدم وفاء الحكومة الحالية بالتزاماتها الواردة في التصريح الحكومي”، مذكّراً بأن رئيس الحكومة عزيز أخنوش “سبق أن أكد مراراً عزمه الحسم في إصلاح التقاعد”، خاصة بعد الإصلاح المقياسي الذي تم اعتماده سنة 2016 خلال حكومة عبد الإله بنكيران.
وأشار المتحدث إلى أن التقديرات السابقة كانت تشير إلى بلوغ احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) حافة النفاد في أفق 2023-2024، غير أن هذا الأفق تم تمديده تقنياً إلى غاية سنة 2028.
وفي سياق متصل، سجل المستشار البرلماني غياب الإرادة السياسية في تنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، مشيراً إلى أن اتفاقي “أبريل 2022” و”2024” تضمنا التزامات واضحة، من بينها إحالة مشروع قانون تنظيم الإضراب، والشروع في إصلاح التقاعد، غير أن هذه الالتزامات لم تُفعّل، إذ مرّت سنة كاملة دون إحالة المشروع على البرلمان.
تأجيل يعرقل الإصلاح
يرى الخبير في الحماية الاجتماعية سعد الطاوجني، أن مؤسسات الدولة سبق أن قدمت تصورات واضحة للإصلاح، مبرزاً أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي اقترح إحداث قطبين أساسيين: قطب للقطاع العام وآخر للقطاع الخاص، إلى جانب حزمة من الإجراءات القابلة للتنزيل التدريجي، كما أصدر رأياً استعجالياً في الموضوع.
واعتبر الطاوجني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الإشكال لم يعد تقنياً بقدر ما هو سياسي، مشدداً على أنه “لا يمكن السماح للسياسة بأن تعرقل هذا الإصلاح”، في إشارة إلى استمرار تأجيل الحسم إلى ما بعد كل محطة انتخابية، دون تحقيق تقدم فعلي.
وأوضح أن هذا الوضع لا يخدم مصلحة أي طرف، لا الدولة، ولا صناديق التقاعد، ولا المتقاعدين الحاليين أو المستقبليين، ولا حتى فئة الشباب النشيط.
ولفت الخبير إلى معطى اجتماعي مقلق، يتمثل في أن نحو 70% من الأجراء يتقاضون أقل من 2000 درهم، متسائلاً: “كم سننتظر لزيادة 50 أو 100 درهم؟”، في ظل أوضاع صعبة يعيشها المتقاعدون، حيث إن فئة واسعة لا تتجاوز معاشاتها 1000 درهم، بينما يعتمد آخرون على دعم اجتماعي محدود لا يتعدى 500 درهم.
ووصف الطاوجني هذا الواقع بـ”المعضلة الاجتماعية العويصة”، مشدداً على ضرورة اعتماد مقاربة علمية صادقة، سواء على المستوى الاستراتيجي أو التدبيري.
ومن بين المقترحات التي طرحها، دعا إلى ضرورة الفصل بين نظام التقاعد ونظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO)، معتبراً أن لكل منهما خصوصياته وتحدياته، ما يستدعي تدبيراً مستقلاً.
كما أكد على أهمية التوجه نحو إحداث نظام أكثر توحيداً، عبر تجميع تدريجي لصناديق التقاعد في إطار قطبين، كما أوصى بذلك المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مع تجنب اللجوء إلى حلول ترقيعية.
وأثار المتحدث أيضاً إشكالية حكامة وتدبير الموارد المالية لهذه الصناديق، متسائلاً عن آليات المراقبة وكيفية اتخاذ القرارات الاستثمارية، خاصة في ظل ما أثير حول بعض صفقات “التمويل المبتكر”.
وشدد على أن هذه الأموال ليست ملكاً للدولة فقط، بل هي أموال مشتركة بين الأجراء وأرباب العمل، ما يستوجب تدبيرها بعقلانية وبمقاربة تشاركية تضمن استدامتها لفائدة الأجيال الحالية والقادمة.
وختم الطاوجني بالتأكيد على أن الإصلاح يتطلب انطلاقة سريعة وحاسمة، بدل استمرار منطق التأجيل، مذكّراً بأن هذا الورش يندرج ضمن مشروع ملكي أُعلن عنه في خطاب 29 يوليوز 2020، غير أن تحقيق أهدافه لا يزال متأخراً بشكل لافت، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مسار بناء “الدولة الاجتماعية”.
وبخصوص السيناريوهات المطروحة للإصلاح، أوضح خالد السطي، المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، أنها لا تزال تدور حول نفس الخيارات التقليدية، المتمثلة في رفع سن التقاعد، وزيادة الاقتطاعات، وتقليص الأجور، وهي خيارات ترفضها النقابة بشكل قاطع.
ودعا في المقابل إلى إصلاح يحافظ على المكتسبات، ويواكبه اعتماد إجراءات موازية، من قبيل تحسين القدرة الشرائية، والزيادة في الأجور، وتعزيز التعويضات العائلية. وأكد على أنه في حال إقرار مساهمة إضافية للمنخرطين، فإن الدولة مطالبة بدورها بتحمل مسؤوليتها، من خلال تحسين دخل الأجراء وضمان مستوى عيش كريم.
ضغط ديمغرافي متزايد
وكان التقرير الأخير للمندوبية السامية للتخطيط، قد أعاد في يناير الماضي، ملف شيخوخة السكان إلى واجهة النقاش العمومي، واضعاً الحكومة أمام معطيات ديمغرافية دقيقة لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
فوفق المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تجاوز عدد المغاربة البالغين 60 سنة خمسة ملايين شخص خلال سنة 2024، أي ما يقارب 14 في المائة من مجموع السكان، مع تسجيل وتيرة نمو لهذه الفئة تفوق بخمس مرات معدل النمو الإجمالي للسكان.
وتُظهر هذه المؤشرات، بحسب قراءات خبراء في السياسات الاجتماعية، أن المغرب يدخل مرحلة شيخوخة سكانية متسارعة، دون أن يستكمل بناء منظومة متماسكة للتقاعد والحماية الاجتماعية، ودون أن ينجح في توسيع قاعدة الشغل المهيكل القادر على ضمان استمرارية المساهمات.
ولا يقتصر التحدي على ارتفاع عدد المسنين، بل يمتد إلى طبيعة الشيخوخة نفسها، إذ تعيش فئات واسعة خارج أي نظام تقاعدي، نتيجة مسارات مهنية غير مهيكلة أو فترات طويلة من العمل غير المصرح به.
وتفيد المعطيات الرسمية بأن أقل من ثلث الرجال المسنين يستفيدون من معاش تقاعدي، فيما لا تتجاوز هذه النسبة 7 في المائة لدى النساء، ما يعني أن ملايين المغاربة مهددون بدخول سن الشيخوخة دون دخل قار، معتمدين على موارد أسرية هشة لا تصمد أمام ارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج.
في هذا السياق، لم يعد ملف التقاعد شأناً تقنياً معزولاً، بل تحول إلى عنوان لأزمة اجتماعية وسياسية مركبة. فالعجز المتراكم في بعض الصناديق، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، مقابل فوائض ظرفية في أنظمة أخرى، يعكس اختلالاً هيكلياً في نموذج تمويل لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الديمغرافية.
ورغم التحذيرات المتكررة، سواء من مؤسسات وطنية أو من بنك المغرب، تشير تحليلات متتبعة إلى أن المقاربة الحكومية ظلت محصورة في إصلاحات جزئية، ركزت أساساً على رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات، دون معالجة جوهر الأزمة المرتبط بضيق قاعدة المساهمين وضعف حكامة تدبير أموال الصناديق.
وبحلول سنة 2050، لن يقتصر التحدي على ارتفاع عدد المسنين، بل سيتحول السؤال الجوهري إلى طبيعة الحياة التي ستضمنها الدولة لملايين المغاربة بعد نهاية مسارهم المهني.
ففي حال استمرار التعامل مع الشيخوخة باعتبارها ملفاً قابلاً للتأجيل، ومع نظام التقاعد كعبء مالي يُدبَّر بمنطق محاسباتي ضيق، يحذر خبراء من أن المغرب قد يواجه أزمة اجتماعية عميقة، تتجاوز اختلالات الصناديق لتطال ثقة المواطنين في جدوى السياسات العمومية نفسها.
وتشير المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، مدعومة بتحليلات مؤسساتية وخبرات ميدانية، إلى أن ملامح هذه الأزمة أصبحت واضحة المعالم، ولم تعد مجرد سيناريوهات مستقبلية محتملة.
فالتشخيص اليوم شبه محسوم، والتحذيرات معلنة، ولم يعد الإشكال في نقص المعطيات أو الدراسات، بقدر ما يكمن في غياب قرار سياسي حاسم، قادر على تجاوز منطق التردد، ووضع أسس إصلاح يوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.