story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

هولاكو كاد يعود!

ص ص

نعيش في هذه اللحظات من صباح الأربعاء 8 أبريل 2026، بداية أسبوعين من وقف إطلاق النار بين إيران وخصميها الأمريكي والإسرائيلي، تم التوصل إليه بوساطة باكستانية، بعد أربعين يوما من حرب مفتوحة على كل الاحتمالات.

قد يبدو المشهد، في ظاهره، استراحة محمّلة بالأمل، لكن لا يمكن، أخلاقيا ولا سياسيا، أن نمرّ إلى هذه المرحلة وكأن شيئا لم يقع. لأن ما صدر في اليومين الماضيين عن رئيس الولايات المتحدة، زعيمة “العالم الحرّ”، لم يكن مجرد تهديد عابر، بل إعلان صريح عن استعداد لتدمير حضارة كاملة، وتبرير فجّ لاستهداف الجسور والبنيات المدنية، على أساس أن الإيرانيين “حيوانات” و”متوحشون” لا يستحقون الضمانات الممنوحة للإنسان.

بهذا لا يعود الحديث عن حرب، بل عن انزلاق خطير إلى خطاب شوفيني فاشي، يجرّد الإنسان من إنسانيته، ويحوّل التدمير إلى فعل مشروع، بل إلى ضرورة أخلاقية يخرج المسؤولون السياسيون لإعلانها بكل وقاحة.

هذه ليست زلة لسان، ولا مجرد انفلات في التعبير، بل امتداد واضح لخطاب رأيناه يطلّ برأسه في غزة، حين وُصف الفلسطينيون بـ”الحيوانات”، قبل أن تُقصف مستشفياتهم، وتُدمّر أحياؤهم، ويُحاصروا حتى في الماء والكهرباء والغذاء. فالتصريحات لم تكن مجرّد محتوى للاستهلاك الداخلي وإشباع تعطّش الرأي العام لسحق الآخر، بل كانت تمهيدا للقتل والفتك والتدمير.

من يجرّد خصمه من إنسانيته، يفتح الباب لتبرير أي شيء ضده.

وعندما يعلن رئيس أقوى دولة في العالم أن “حضارة كاملة سوف تفنى الليلة ولن تعود أبدا”، فهو لا يهدد نظاما سياسيا، بل يتوعّد شعبا وتاريخا وذاكرة. وحين يبرّر استهداف الجسور ومحطات الكهرباء، باعتبارها أهدافا مشروعة لأن هؤلاء “ليسوا بشرا مثلنا”، فإنه ينسف، بجملة واحدة، كل ما بني بعد الحرب العالمية الثانية من قواعد القانون الدولي، واتفاقيات جنيف، ومبدأ تحييد المدنيين عن النزاعات المسلحة. ونحن هنا لا نتحدث عن تجاوز، بل عن انقلاب كامل على فكرة “قوانين الحرب” وما يعرف ب”القانون الإنساني”.

والمفارقة أن هذا الخطاب لا يأتي في لحظة انهيار، بل في لحظة تفاوض. حين كان العالم يتجه إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث يفترض أن تناقش شروط إنهاء الحرب؛ كانت تطلق في الوقت نفسه تهديدات بالإبادة، وتقدّم مبررات لضرب البنية التحتية المدنية.

كأننا أمام يد تفاوض، وأخرى تلوّح بالنار والموت والدمار. وهذا ليس جديدا. فقد رأينا في غزة كيف قُصفت المستشفيات وسيارات الإسعاف ومراكز الإيواء، تحت ذرائع أمنية واهية، ورأينا في لبنان كيف تستهدف الجسور والطرق، كما لو أن المدنيين جزء من المعركة.

لا يمكن أن نفصل هذا الانفلات عن لحظة أعمق يعيشها العالم اليوم، وهي لحظة إفلاس أخلاقي. حين يصبح وصف الشعوب بـ”الحيوانات” خطابا رسميا ونتقبّله ونطبّع معه، وحين يقدَّم تدمير الحضارات كخيار مشروع؛ فإننا لا نكون أمام حرب فقط، بل أمام انحدار في المعايير التي تنظّم العالم.

والأسوأ من ذلك، أن هذا الخطاب لا يبقى محصورا في دائرته، بل ينتج مفاعيل من بينها توفيره ما يكفي من مبررات لكل متطرف وإرهابي في العالم، وما يكفي من ذرائع ومصوّغات، لاقتراف الجنون ب”ضمير مرتاح”.

قد يقال إن هذه مجرد ورقة ضغط تفاوضي، أو جزء من لعبة سياسية أكبر. لكن التاريخ يعلّمنا أن اللغة تسبق الفعل. وأن كل المجازر الكبرى بدأت بكلمات صغيرة، ثم كبرت حتى ابتلعت كل شيء. وهنا، يستحضر التاريخ صورة أخرى، من زمن آخر، لكنها تحمل الدرس نفسه في المنطقة نفسها، وإن كانت هناك أمثلة ونماذج أخرى أقرب إلينا من الناحية الزمنية.

هذه الصورة تنطوي على درس وعبرة واضحة لمن يدفعون نحو افتراس “الثور الإيراني الأبيض” ظنا منهم أنهم سيتمتّعون بالرفاه والسعادة بعد ذلك، علاوة على صور الوحشية في الغزو والتدمير.

فحين اجتاح جيش المغول بقيادة هولاكو بلاد الإسلام، كانت دولة خوارزم من أوائل المناطق التي سقطت. وكانت على خلاف مع الخلافة العباسية، أو لنقل شبه متمردة على سلطانها.

وتقول بعض الروايات إن الخليفة العباسي المستعصم بالله لم يظهر حزنا كبيرا لسقوطها، وربما رأى في ذلك خلاصا من خصم سياسي. لكنه لم يكن يدرك أن سقوط خوارزم لم يكن نهاية التهديد، بل بدايته. وأن الجيش الذي دمّر ذلك الجزء الخارج عن السيطرة السياسية، كان في طريقه إلى بغداد نفسها. وحين وصل، لم يفرّق بين متمرّد ومطيع، ولا بين خصم وحليف.

سقطت المدينة، وسقط معها الحكم، وسقط الخليفة نفسه.

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يذكّر. وما نراه اليوم، من لغة تبرّر تدمير الحضارات، واستهداف المدنيين، وشيطنة الشعوب، ليس مجرد انحراف في خطاب سياسي، بل إنذار موجّ للجميع. لأن العالم الذي يسمح بهذه اللغة، هو عالم يقترب خطوة أخرى من لحظة يفقد فيها السيطرة على نفسه.

قد يكون وقف إطلاق النار فرصة لالتقاط الأنفاس، وقد تكون المفاوضات فرصة لإعادة ترتيب التوازنات. لكن ما قيل لا يمكن أن يمحى، وما كشف لا يمكن تجاهله.

أخطر ما في هذه الحرب، ليس ما دمّرته من جسور ومحطات، بل ما كشفت عنه من استعداد لتدمير فكرة أن للحرب حدودا، وأن للإنسان قيمة، حتى وهو عدو.

وهذا، تحديدا، ما يجعل هولاكو لا يبدو بعيدا كما نظن.. ولحسن الحظ أنه لم يعد هذه الليلة!