اعليا: حرب الشرق الأوسط قد تدفع المغرب إلى موجة تضخم جديدة بسبب صدمة الطاقة
قال الخبير الاقتصادي ياسين اعليا إن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط قد يفتح الباب أمام أزمة طاقية جديدة قد تنعكس مباشرة على الاقتصاد المغربي، محذّرا من موجة تضخم محتملة إذا استمرت الحرب وتعطلت إمدادات النفط والغاز العالمية.
وأوضح اعليا، خلال برنامج “إيكوترند” الذي يبث على منصات صحيفة “صوت المغرب” أن المغرب من بين الدول الأكثر تأثرا بتقلبات أسعار النفط والغاز، بسبب مجموعة من العوامل البنيوية، أبرزها غياب احتياطيات محلية مهمة من الطاقة، إذ لا ينتج المغرب سوى نحو 10 في المائة من حاجته من الغاز.
و أضاف الخبير أن البنية الطاقية للمملكة تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، إذ كان الفحم يشكل في فترات سابقة ما يقارب 55 في المائة من إنتاج الكهرباء، إضافة إلى ارتباط الدرهم بسلة عملات، ما يجعل ارتفاع الدولار يرفع تلقائيا تكلفة واردات الطاقة.
وأشار المتحدث إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس أيضا على ميزانية الدولة عبر صندوق المقاصة، خصوصا مع استمرار دعم غاز البوتان، فضلا عن اعتماد المغرب شبه الكامل على الشحن البحري لتوريد الطاقة من الخليج.
واستحضر اعليا أبرز الصدمات النفطية التي عرفها العالم منذ سبعينيات القرن الماضي، بدءاً بأزمة سنة 1973 عقب حرب أكتوبر، حين أعلنت الدول العربية المصدرة للنفط حظراً على عدد من الدول الغربية، ما أدى إلى تضاعف أسعار النفط أكثر من أربع مرات خلال أشهر قليلة.
وتسببت تلك الأزمة في اضطرابات اقتصادية واسعة في الدول الصناعية، وظهور ظاهرة “الركود التضخمي”، التي تجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو الاقتصادي في الوقت نفسه.
ورغم أن المغرب لم يتأثر بشكل فوري بالصدمة النفطية الأولى، إلا أن آثارها ظهرت لاحقا، بحسب اعليا، إذ تزامن ارتفاع أسعار النفط مع تراجع أسعار الفوسفات نهاية السبعينيات، ما أدى إلى ضغط مزدوج على الميزان التجاري وارتفاع الدين الخارجي بشكل كبير.
كما أثرت الصدمة النفطية الثانية، المرتبطة بالثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية نهاية السبعينيات، على الاقتصاد المغربي الذي دخل بداية الثمانينيات مرحلة التقويم الهيكلي تحت إشراف المؤسسات المالية الدولية.
وأضاف اعليا أنه خلال تلك الفترة، شهدت البلاد إجراءات تقشفية شملت خفض الدعم وارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم.
وفي نفس السياق اعتبر اعليا أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية سنة 2008، عندما بلغ سعر البرميل 147 دولارا، شكل نقطة تحول في السياسة الطاقية للمغرب.
ولفت الخبير إلى أنه في تلك السنة، بلغت فاتورة الطاقة نحو 50 مليار درهم، ما دفع السلطات إلى إطلاق استراتيجية طاقية جديدة سنة 2009، تستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وحذّر اعليا من أن الأزمة الجيوسياسية الجارية قد تكون أكثر خطورة من سابقاتها، في حال توسعها لتشمل تعطيل طرق نقل الطاقة أو استهداف البنيات النفطية في الخليج.
كما أشار إلى أن نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية تمر عبر الممرات البحرية في المنطقة، ما يجعل أي اضطراب فيها قادرا على رفع الأسعار بسرعة كبيرة.
وأوضح أن سعر النفط تجاوز بالفعل 120 دولارا للبرميل بعد أيام من اندلاع الحرب، مع توقعات بإمكانية بلوغه 200 دولار إذا استمرت المواجهات وتعطلت الإمدادات.
أما على المستوى الداخلي، أشار اعليا إلى أن المخزون الاستراتيجي للمغرب من المحروقات لا يتجاوز نحو 18 يوما من الاستهلاك، وهو أقل بكثير من المستوى المستهدف الذي يقدر بنحو 60 يوما.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج والنقل، ما سينعكس على أسعار مختلف السلع والخدمات، في وقت يعاني فيه المواطنون أصلا من ضغوط الأسعار منذ سنوات.
كما أبرز أن ارتفاع كلفة دعم غاز البوتان قد يفاقم عجز الميزانية ويدفع الدولة إلى مزيد من الاقتراض، خاصة في ظل استمرار مشاريع استثمارية كبرى مرتبطة بالتحضير للاستحقاقات الدولية، من بينها استضافة كأس العالم 2030.
وخلص اعليا إلى التأكيد على ضرورة استخلاص الدروس من الأزمات السابقة، عبر تعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي للطاقة وتنويع مصادر التزود، بما يمنح المغرب هامش مناورة أكبر في مواجهة التقلبات الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية.
لمشاهدة الحلقة كاملة المرجو الضغط على الرابط