“عدوٌ” تضطر لدعمه
منحت إيران جيرانها كل الأسباب لإظهار العداء لسلوكها في الإقليم. صعبٌ ابتلاع ما فعله الحرس الثوري في العراق وسورية واليمن، وأكثر من بلدٍ عربي. طبقاتُ “أوهام ثورية” بعضها فوق بعض حكمت عقل إيران حين قرّرت أنّ أمنها القومي يبدأ من أكثر من بلد عربي، فأنشأت دويلات داخل دولٍ، واعتبرتها خط دفاع متقدم.
ذلك النفور من إيران “الثورة الإسلامية” مبرّرٌ، وقد يصل إلى العداء الصريح بالنسبة لمن هم ضحايا القتل والترهيب بسلاح المليشيات الطائفية في العراق وسورية. أما العبث بوحدة أوطانٍ بعيدة فضمن الممجوج والمرفوض بكل لغة.
لكن، هل هذا يُبرّر، الآن، اختيار الموقف الأسهل والأكثر راحة بالتمترس خلف خطايا إيران بما يُعفي من النظر لخلفية ومخاطر العدوان الإسرائيلي الأمريكي؟
هل فظاعاتٌ إيرانية في الإقليم مسوِّغٌ كافٍ لإغماض العين عن انتهاك القانون الدولي والتطويح بالشرعية الدولية فقط لأن “رئيس مجلس السلام” دونالد ترامب رآها حربا أخلاقية وشرعية، وضرورة للأمن القومي الأمريكي والسلام العالمي، وأخذ معه (أو أخَذَه معه، وهذا الراجح) مجرم الحرب مرتكب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، رئيس وزراء حكومة المتطرفين في إسرائيل، بنيامين نتنياهو؟
هل يملك أحدُنا، أيضاً، أن يبقى على الحياد وإيرانُ تمنحنا كلّ دليلٍ معقول حول دعمها الفلسطينيين في كفاحهم ضد الاحتلال الصهيوني الوحشي، وهذه ميزةٌ في إقليم جرّب كل أنواع التواطؤ مع الاحتلال. لكنها إيران نفسها تعرِض كل الدلائل للقول بخطورتها وهي تدعم الحوثيين لاختطاف صنعاء وقصف الجوار بالباليستي، وحين تمكِّن للطائفة في العراق لمصادرة قرار الدولة عبر “الحشد الشعبي” الذي صار جيشاً موازياً يأتمر بأمر مرجعية النجف لا بقرار الحكومة. أما سوريا فملتقى “خير وشرّ إيران”: دعمت نظاما وحشياً دموياً ضد شعبه، وحوّلت البلد مسلخاً، لكنها في المقابل اتخذته ممرّا لتسليح المقاومة الفلسطينية وحزب الله لمحاربة الاحتلال الإسرائيلي. وفي لبنان أيضا، زاغت وجهة السلاح الإيراني الموضوع في يد الحزب الشيعي، مرّات، من الجنوب حيث إسرائيل إلى استعمالٍ مُدانٍ في الداخل كما في “أحداث أيار” 2008، حين أُطلق الرصاص في شوارع بيروت والجبل، بعد قرار حكومة السنيورة حينها اعتبار شبكة اتصالات اتصالات حزب الله “غير شرعية”، وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت.
تنظر في التاريخ القريب، ممّا عشناه لا ما سمعنا عنه، لتحاول محاكاة نهاية بشأن هذه الحرب. في الشرق الأوسط نماذج كثيرة للاستشهاد بأن حروب أمريكا، التي ترفع شعارات التحرير للشعوب، وتخوِّف من مخاطر جسيمة ( الأسلحة النووية والبيولوجية والكيمياوية..)، وتبرّر بحماية المصالح، تنتهي بدمار الدول المستهدفة. حدّثني عن التدخل الدولي ومآلاته المأساوية في العراق وسورية وليبيا. خرابٌ واحدٌ واضح.
تحريض ترامب الإيرانيين على استغلال “فرصة قد لا تتكرر لأجيال” لتولي زمام الأمور يعني تفجير البلد وتقسيمه، وتمنحُ تسريبات استخباراتية وإعلامية قرائن على تمويلات وتسليح إسرائيلي أمريكي لأقليّات لإطلاق يد الفوضى والتفتيت.
حرب إيران تحمل مخاطر أكثر ممّا حملت كل الحروب السابقة: خليجٌ مهتزٌّ يحاول أن يستوعب الجاري وقد حوّلت إيران قواعدَ واشنطن المنتشرة في المنطقة من ضمانة أمن لهذه الدول إلى عبء وسبب عدم استقرار. صادراتُ طاقة هي مورد دول الخليج تتراكم في المخازن تهدّد بتوقف الإنتاج إذا لم يتمّ تصريف المخزون.
داخل إيران أو في محيطها، أكثر من طرف ينتظر بروز مؤشرات ضعف في الدولة المركزية لتفجير نزوعات انفصالية تغلي منذ عقود، وقد بدأ الأكراد تسخينات على الشريط الغربي، من نافذة إقليم كردستان. فيما تركيا، المعنية أيضا بالتطوّرات، تراقب الوضع بتحّسسٍ عالٍ من نشوء “دويلة كردية” هي تهديد جسيم في ميزان أنقرة.
تقسيم إيران هدفٌ إسرائيلي، لتجريب “تغيير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد”، بما يفتح الباب لدخول المنطقة الزمن الإسرائيلي عبر “تحييد عدو خطير”، والحَبْلُ على الجرّار.. والقادم تركيا.
الحرب على باب تركيا، المتمتّعة بامتياز عضوية الناتو، لكنّها تدركُ أن واشنطن تهدم الناتو نفسه فوق رأس الحلفاء، وأن إسرائيل في قرار أمريكا، المختطفة من تيار الصهيونية المسيحية، مُقدَّمةٌ على أي شريك في حلفٍ عسكري يُدمن ترامب على التشكيك في ضعفه، ويناقش جدواه، ويُلزم أعضاءه برفع ميزانيات الدفاع، للشراء من شركات السلاح الأمريكي.
كل حروب واشنطن وحلفائها لم تُضعف الدول المستهدفة فقط، بل أضعفت كل الإقليم، وحوّلته منطقة شاسعة من الفشل والاستبداد والطائفية، والتهجير والتطرف. لم تتحمّل واشنطن أبداً تكاليف كل حروبها في الشرق الأوسط، ولا الشعب الأمريكي دفع فاتورتها. وحدها شعوب المنطقة تجترّ المأساة في كل حربٍ، ثم تأتي إدارة جديدةٌ لتعترف أن التهديد لم يكن بالمستوى الذي صُوّر به، ولتقول تقارير الاستخبارات عكس كل البروباغندا التهويلية التي تسبق كل عدوان، ثم تنطلق إدارة جديدة في كذبةٍ أخرى، لإطلاق حروب جديدة، تُؤبِّد ضعف المنطقة لإبقاء إسرائيل متفوّقة.
تقاوم إيران لأجل تاريخها، وشعارات الثورة، وتلك الحميّة الفارسية. تُدرك أن أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية أكثر من عملية عقاب مؤجّل ضد النظام إلى محاولة إسقاطه، وأيضا إسقاط الدولة، وهذا أخطر، لأنه يعني تفتيت الكيان المريض بالقمع وخنق الحريات، والتضييق على الأقليات بكافة أشكالها.
لا خيار من منظور طهران إلا أن تصمد، ولا تحتاج لتعلن الفوز بالحرب غير أن يبقى نظام الولي الفقيه واقفاً، وألا تتحوّل دويلات أو صِفْراً على شمال الحِسبْة الأمريكية الإسرائيلية. يملك ترامب فائض ثرثرة ليتحدث عن غاية الغايات من هذه الحرب، أي عن “حقّه في اختيار المرشد الإيراني”، كما فعل في فنزويلا. في الجوهر يتحدث عن تشكيل نظام جديد طوْع يديْه، وتحت جناح إسرائيل. نظاماً خانعاً، هذا وحده عنوان إعلان واشنطن النصر في هذه الحرب.
أخطر في ما سلوك إيران العسكري بعد أسبوع من الحرب هو تحلّلها منذ اللحظة الأولى من قواعد مواجهة كلاسيكية إلى التصرّف كقوة مسلحة تملك موارد دولة. يقيّم الغرب الضربات الإيرانية بـ”العشوائية” ويتخوّف منها، ويحاول أن يُفسّرها بالفوضى في الأداء ضمن تبعات الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي للتسلسل القيادي، لكن قراءةً دقيقةً في تصريحات أركان الدولة الإيرانية والمكتوب في أوراقها يُظهر أن هذا الأسلوب خيارٌ، يحاول التكيّف مع ضغوط حرب تقودها أمريكا. تميّز إيران جيّداً بين مواجهة إسرائيل وإمكانية تحقيق نوع من الردع معها، وبين الصدام مع الجيش الأمريكي المتفوّق بمسافات، لهذا لا تتردّد في تدفيع الأثمان لكل ما له صلة بواشنطن في المنطقة، في ظل استحالة ضرب أمريكا على أراضيها.
وأن يفلت النظام الإيراني هذه المرّة سيعني إيران أكثر تشدّداً، ولربما إيران نووية، وقد اغتالت أمريكا وإسرائيل صاحب فتوى “تحريم السلاح النووي” علي خامنئي، وهاجمت مرّتين في خضّم مفاوضات نووية ظهر أنها غطاء للعدوان. ستملك طهران حافزاً لتحويل ما تملكه من مخزون يورانيوم وتقنية وخبرة بشرية إلى سلاح نووي يهدد دول المنطقة أكثر مما كان التهديد يوماً، بما سيُطلق سباق تسلّح محموم، وقد صارت الرياض وأبو ظبي والدوحة والمنامة والكويت ومسقط تحت النار.
ستفكر السعودية في سلاح رادع موازٍ، وكذلك ستسعى تركيا المتوجّسة من انفلات إسرائيل النووية، ومن الاهتزاز الذي يستحكم في عقل واشنطن الاستراتيجي بشأن المنطقة، حتى صارت تُجَرُّ إلى حربٍ لا يقدر ترامب ولا كل أركان على إقناع الأمريكيين بأنها حرب أمريكا، ويُدرك كثيرٌ منهم، حتى من داخل المؤسسة، أنها حرب إسرائيل.
قصارى القول
هل تمتلك مقولة (اللهم اضرب الظالمين بالظالمين) الوجَاهَة لاعتمادها موقفاً في هذه الحرب؟. قد ينفع هذا التموقع لو (أُخرجنا من حرب الظالمين سالمين). لكن من اليوم الأول لم يبقَ أحد من دول جوار إيران سالماً، وتلك الصواريخ والمسيّرات التي تطير فوق الرؤوس ولا تميّز بين هدف عسكري وهدف مدني، ومرّات لا يُعرف من يضرب من، في لعبة شديدة القذارة، غرضها واضح: جرّ دول عربية إلى أتون حرب تتحمّل فيها عن إسرائيل وأمريكا بعض أعبائها، وقد أظهر الإيرانيون أنهم “أكثر جنوناً” من ترامب وقد اختاروا تحويلها إلى مواجهة مفتوحة، بلا سقوف أو ممنوعات.
ترتيب موقف يتجنّب التحيّز الحِدّي قد لا يكون مسموعاً وسط أصوات الانفجارات، لكنه ضروري، للنظر في المآلات بأقلّ قدرٍ من الأوهام. إيران منهزمة أو رابحة، أيّاً كانت النتيجة، يعني واقعاً جديدا، يحمل مخاطر ممّا ذكرنا، وبما لا يُبقي أحداً غير معنيّ.