بعد الزلزال.. “ترانسبرانسي” تنتقد منهجية الدولة في إعادة إعمار الأطلس الكبير
ساءل الكاتب العام السابق للجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرانسي المغرب”، سعد الطاوجني، منهجية الدولة في تدبير برنامج إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة الأطلس الكبير يوم الثامن من شتنبر عام 2023، منتقداً تحميل أسر فقيرة مسؤولية بناء مساكنها رغم هشاشة أوضاعها الاجتماعية وضعف إمكانياتها التقنية والمالية.
وأوضح الطاوجني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، على هامش ندوة صحافية خُصصت لتقديم التقرير السنوي لسنة 2025 لمرصد برنامج إعادة الإعمار لما بعد الزلزال، أن هذا الأخير اعتمد في عمله على تقارير أولية أُنجزت السنة الماضية، قبل تطوير منهجية تشاركية شملت تكوين باحثين ميدانيين من أبناء المناطق المتضررة، وإعداد استمارة لجمع المعطيات بتنسيق معهم.
وشملت هذه المعطيات مؤشرات اجتماعية واقتصادية دقيقة، من بينها المسافة التي كان يقطعها السكان قبل إعادة الإسكان وبعده، وقيمة الدعم الاجتماعي، والدعم المخصص لإعادة البناء، إضافة إلى معطيات حول الأطفال والوفيات والأيتام والأرامل المعيلات للأسر، حيث تراوحت نسبة الأرامل في بعض المناطق بين 16 و17 في المائة.
وسجل المتحدث وجود إشكالات على مستوى الإحصاءات الرسمية، مشيراً إلى أن “نسبة الانهيار الكلي للمساكن أُعلنت في البداية في حدود 32 في المائة، قبل أن تُراجع لاحقاً إلى 10 في المائة”، ما يطرح، بحسبه، تساؤلات حول مصير نسبة مهمة من الحالات التي لم يُحسم وضعها بشكل واضح.
كما أكد أن عدداً كبيراً من المتضررين لم يستفيدوا من الدعم المخصص للانهيار الكلي والمحدد في 140 ألف درهم.
وفي العينة التي شملها البحث، والتي ضمت 454 حالة، “لم يتجاوز عدد المستفيدين فعلياً من مبلغ 140 ألف درهم 17 شخصاً، فيما استفادت باقي الحالات من مبالغ متفاوتة تراوحت بين مليون وأربعة وستة ملايين سنتيم”.
وأضاف الطاوجني أن بعض الأسر التي حصلت على دعم جزئي وأتمت أشغالاً أولية “أُخرجت من الخيام، رغم أن مساكنها ظلت غير مكتملة ودون تجهيزات أساسية”.
كما انتقد الفاعل الحقوقي آلية صرف الدعم، موضحاً أن بعض الأسر الفقيرة المسجلة في السجل الاجتماعي الموحد مُنحت دفعة أولى قدرها 20 ألف درهم، على أن تُصرف الدفعة الثانية بعد إنجاز مرحلة محددة من البناء. غير أن تعثر الأسر في استكمال الأشغال “يحرمها من الدفعة الموالية، ما يجعلها تتحمل تبعات عدم إتمام المشروع” في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المنطقة.
وتوقف المتحدث أيضاً عند وضعية المرافق الاجتماعية، مسجلاً صعوبات في الولوج إلى المدارس والمراكز الصحية، حيث يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة عبر مسالك صعبة، مع وجود خصاص في الأطر الطبية والتجهيزات والأدوية.
ودعا الطاوجني إلى اعتماد مقاربة بديلة، مستحضراً نماذج دولية ووطنية سابقة، خاصة في مدينة أكادير، حيث “تكفلت الدولة ببناء مساكن وتسليمها مباشرة للأسر الفقيرة”، متسائلاً عن أسباب عدم تعميم نموذج يضمن الكرامة والنجاعة ويخفف العبء عن الأسر الهشة.
وقال: “هذا هو السؤال الأخير الذي نوجهه إلى الدولة؛ لماذا لا يتم اعتماد مقاربة مماثلة، تضمن الكرامة والنجاعة، وتخفف العبء عن الأسر الهشة بدل تحميلها مسؤولية تفوق قدراتها؟”
وتأتي هذه المبادرة، التي تقودها “ترانسبرانسي المغرب”، بتعاون مع المؤسسة الألمانية هاينريش بول، في سياق النقاش المتواصل حول حصيلة برنامج إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الأطلس الكبير، الذي ضرب المغرب في شتنبر 2023 وخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، خصوصاً في القرى والمناطق الجبلية النائية.
وتعرض الجمعية تقريرها حول مراقبتها لهذا البرنامج سنوياً من خلال المرصد، بمساهمة عدد من الباحثين وأبناء المناطق المتضررة.
وقد أطلقت الدولة برنامجاً استعجالياً لإعادة الإعمار وتأهيل البنيات التحتية، مع تخصيص دعم مالي للأسر المتضررة وفق درجات الضرر. غير أن تنزيل هذا البرنامج على أرض الواقع يثير تساؤلات حقوقية وسياسية بشأن نجاعة المقاربة المعتمدة، ومدى ملاءمتها لأوضاع الساكنة الهشة.