السردين.. من “سمك الفقراء” إلى عبء على موائد المغاربة
يبدو أن “سمك الفقراء” لم يعد وفيا لاسمـه، ضمن الأطباق التي تزين الموائد المغربية، وذلك بعدما سجلت أسعار سمك السردين قفزات قياسية تراوحت ما بين 20 و25 درهما للكيلوغرام الواحد.
هذا الارتفاع أثار موجة من الاستياء لدى الأسر التي باتت تجد صعوبة بالغة في اقتناء مادتها الغذائية الأساسية خاصة بمناسبة شهر رمضان الكريم.
وفي ظل هذا الوضع، يجمع مهنيو قطاع الصيد البحري والحقوقيون على أن سمك السردين بدأ يتحول تدريجيا إلى “سمك للأغنياء”، مرجعين هذا التحول إلى تظافر عوامل عدة، تبدأ من “تراجع وفرته وصولا إلى فوضى المضاربات وتعدد الوسطاء” الذين يلهبون الأسعار بعيدا عن أعين الرقابة.
وعلاقة بذلك، دق رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، شادي بوشعيب، ناقوس الخطر بشأن الارتفاع “غير المنطقي” وفقا لتعبيره في أسعار السردين، محذرا من تراجع مهول في الوفرة يهدد القدرة الشرائية للمواطنين.
تراجع الثروة السمكية
أوضح شادي بوشعيب في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن التقارير العلمية تشير إلى تراجع مقلق في المنتوج، خاصة في المناطق الواقعة جنوب “سيدي الغازي” نواحي مدينتي بوجدور والداخلة.
وعزا رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة هذا التدهور إلى تظافر عوامل طبيعية ومناخية، إلى جانب “عوامل بشرية ساهمت في تدمير الثروة السمكية”، رغم وجود قوانين تنظيمية تهدف للحفاظ عليها.
وطالب المسؤول المهني بضرورة تمديد فترة الراحة البيولوجية للسردين لضمان استدامة المخزون، متسائلا عن الجدوى من شعارات “تثمين المنتوج” التي ترفعها الوزارة الوصية في ظل ندرة تجعل من الصعب توفير السمك بأسعار في متناول الجميع.
“سمك الأغنياء“
وفي تشخيص واقعي للسوق، لفت رئيس الكونفدرالية وصول ثمن الكيلوغرام الواحد للسردين في أسواق التقسيط (بأكادير مثلا) إلى 20 درهما، وهو ما وصفه بـ “غير المنطقي”.
إلى جانب ذلك، أشار المتحدث إلى أن السردين تحول من “سمك الفقراء” إلى “سمك الأغنياء” بفعل أسعاره الملتهبة، حيث باتت العائلات المغربية تجد صعوبة بالغة في اقتنائه، خاصة بالتزامن مع شهر رمضان الذي يشهد ذروة الطلب.
وحول مبادرة “الحوت بلادي بثمن معقول”، أكد شادي بوشعيب أن هذه الخطوة تبقى غير كافية ولا تستطيع تغطية كافة التراب الوطني، في ظل الضعف العام للإمكانيات المادية للمستهلك وغياب الوفرة.
واختتم رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة تصريحه بالإشارة إلى تضرر تجار السمك أنفسهم، كاشفا عن غموض يلف مسار المنتوج؛ “فبينما يسجل سوق الجملة أحياناً أثمانا بخسة، إلا أن المواطن المغربي لا يستفيد من هذا الانخفاض”، مما يطرح تساؤلات حول “السر الخفي”، وفق تعبيره في سلسلة التوزيع والمطالبة بفتح تحقيق يضمن وصول السمك للمغاربة بثمن معقول.
تعدد الوسطاء
وفي سياق ذاته، عبرت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك عن قلقها الشديد إزاء الارتفاع الصاروخي في أسعار سمك السردين، مؤكدة أن هذا المنتوج الذي ظل لعقود “ملاذا للفقراء” وقيمتهم الغذائية الأساسية، بات اليوم بعيداً عن متناول الأسر ذات الدخل المحدود بسبب اختلالات بنيوية وممارسات غير مشروعة في السوق.
وفي هذا الصدد، أوضح رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك علي شتور، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن التحريات الميدانية كشفت عن تداخل عدة عوامل أدت إلى هذه القفزة السعرية، “منها تراجع العرض بسبب فترات الراحة البيولوجية لحماية الثروة السمكية، إلى جانب الضغط الكبير على السردين كبديل للحوم والدجاج (المرتفعة أصلاً) بمناسبة شهر رمضان”.
“إضافة إلى تعدد الوسطاء والسماسرة الذين يعملون على تضخيم هوامش الربح بين سعر البيع الأول بالميناء وسعر التقسيط”، يضيف المتحدث نفسه، الذي شدد على أن مبدأ “حرية الأسعار والمنافسة” المنصوص عليه في القانون 104.12 لا يعطي الضوء الأخضر لترك المستهلك فريسة للاحتكار أو الندرة المصطنعة.
وطالب في هذا الإطار، بضرورة تفعيل آليات المراقبة المنصوص عليها في القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، مؤكدا حق المواطن في الحصول على معلومة واضحة حول الأسعار.
وفي غضون ذلك، دعت الجمعية الجهات المسؤولة إلى تعزيز الرقابة داخل أسواق الجملة والتقسيط من جهة، ومن جهة أخرى وجهت نداء للمواطنين بضرورة الاقتناء من نقاط البيع التي تحترم إشهار الأسعار، وتفادي الإفراط في شراء كميات غير مبررة، والتي تساهم بشكل مباشر في رفع الطلب وبالتالي زيادة الأسعار.
وخلص شتور إلى التأكيد على أن حماية المستهلك هي “مسؤولية مشتركة” تهدف في النهاية إلى ضمان سوق متوازن يحفظ كرامة المواطن وقدرته الشرائية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.