دخول “المسطرة المدنية” حيز التنفيذ.. براهمة: الأمن القانوني لا يستقيم بمجرد نشر شكلي
أثار نشر قانون المسطرة المدنية في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 فبراير 2026 جدلاً واسعًا في الأوساط القانونية والقضائية بالمغرب. القانون، الذي سيدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من النشر، سبق أن أحيل على المحكمة الدستورية، التي قضت بعدم مطابقة بعض مواده للدستور، فيما اكتفت بدراسة فصول محددة من النص.
وقد اعتمد المسار التشريعي لهذا القانون على مخرجات القرار رقم 255/25 الصادر عن المحكمة الدستورية بتاريخ 4 غشت 2025، وهو القرار الذي بتر مقتضيات اعتُبرت غير مطابقة للدستور. وبناء عليه، تمت إعادة النص إلى البرلمان والحكومة لتعديله وفق ملاحظات المحكمة، قبل أن يُعرض مجددًا للتصويت ويُشرع في مسطرة نشره النهائية.
وقد أثار القرار الدستوري التساؤل حول مدى شمولية المراجعة، إذ ذُكر في منطوق القرار أنه “من غير حاجة لفحص دستورية باقي مواد ومقتضيات القانون المحال”، ما يشير، بحسب مراقبين، إلى أن القانون بأكمله قد يحتاج إلى مراجعة شاملة لضمان مطابقته للدستور.
في هذا الصدد، قالت المحامية بهيئة سطات، سعاد براهمة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إنه بخصوص قانون المسطرة المدنية، فقد أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025، واعتبرت عدداً من المقتضيات غير مطابقة للدستور، خاصة تلك التي كانت تمنح النيابة العامة صلاحيات تمسّ باستقرار الأحكام القضائية، بما في ذلك المادة 17.
وأضافت أن القرار تناول أيضًا موادًا “تمس بحقوق الدفاع ومبدأ التواجهية وتقيد إمكانية التعقيب على بعض المستنتجات، وتمنح لوزير العدل صلاحيات يمكن أن تؤثر على استقلال السلطة القضائية، وتنقل بعض الجوانب التقنية المرتبطة بتدبير المحاكم إلى السلطة التنفيذية بشكل يمس مبدأ فصل السلط”.
وأوضحت براهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن الملاحظات الدستورية شملت أيضًا مبادئ مثل الأمن القضائي، وتكافؤ وسائل الدفاع، وضمانات الإجراءات، مشيرة إلى أن نشر المشروع بعد تعديل المواد التي اعتبرت غير دستورية جاء وفق المسطرة التشريعية بعد إعادة عرضه على البرلمان والحكومة.
كما أكدت على أن المحكمة أرجعت النصوص غير الدستورية إلى السلطة التشريعية لتعديلها ونشرها في الجريدة الرسمية بعد التصحيح، معتبرة أن هذه العملية يجب أن تشمل كل مشاريع القوانين التي يتم عرضها على المحكمة الدستورية لفحص مدى دستوريتها، خصوصًا أن بعض المواد قد تحمل خطورة على القانون المدني وتتطلب إعادة النظر فيها، لأنها تمس باستقرار الأحكام القضائية.
وأشارت براهمة إلى أن القانون المنشور في الجريدة الرسمية ليس النص الأصلي رقم 23.02 الذي اعتبرت المحكمة بعض مواده غير دستورية، بل هو النص المعدل رقم 58.25، لافتة إلى أن نشر القانون في الجريدة الرسمية وإن كان شرطًا لازمًا لدخوله حيز التنفيذ، تكريسًا لمبدأ الشرعية والأمن القانوني المنصوص عليه دستورياً، إلا أن الإشكال لا يتعلق فقط بمجرد النشر، بل بمدى وضوح النصوص ودقتها بشكل لا يقبل التأويل، وقابلية القواعد الإجرائية للفهم من طرف المتقاضين، وعدم إدراج مقتضيات قد تمس بحقوق التقاضي دون نقاش عمومي كاف.
وتابعت براهمة: “الأمن القانوني لا يستقيم فقط بمجرد نشر شكلي، بل يفترض إمكانية توقع القاعدة القانونية واستقرارها”، مشيرة إلى إمكانية مراقبة القانون ككل لاحقًا أثناء التطبيق والممارسة العملية، حيث قد تظهر بعض المواد التي تشكل عرقلة أو مشاكل أثناء التنفيذ، ما قد يقتضي إعادة عرضها على المحكمة الدستورية.
ومن المواد التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها وطلب تعديلها، اعتُبرت المادة 17 الفقرة الأولى مخالفة للدستور لأنها تمنح النيابة العامة سلطة طلب بطلان أحكام نهائية، وهو ما يمس جوهر مبدأ الأمن القضائي واستقرار الأحكام. كما اعتُبرت المادة 84 الفقرة الرابعة غير دستورية لافتقار آلية التبليغ فيها إلى يقين قانوني، مما يضر بحق الدفاع.
واعتُبرت المادة 90 الفقرة الأخيرة مخالفة لأنها تسمح بالمحاكمة الحضورية عن بعد دون ضمانات كافية لعلانية الجلسات وسرية المعطيات، وهو ما يمس مبدأ التواجهية والحق في الدفاع.
كما شملت الملاحظات الدستورية المواد 107 و364 التي تمنع التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي، والمواد 408 و410 التي تمنح وزير العدل صلاحيات تدخل في استقلال القضاء، فضلاً عن المواد 624 و628 التي تنقل إدارة النظام المعلوماتي للمحاكم إلى وزارة العدل، مما يمس مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء. وقد اعتُبرت هذه المواد غير دستورية لأنها تمس بمبادئ أساسية مثل استقلال السلطة القضائية، الأمن القضائي، وضمانات الدفاع.
مع ذلك، أشارت براهمة إلى أن هناك بعض المواد التي أثارت جدلاً واعتبر بعض الفاعلين المهنيين أنها مخالفة للدستور، لكنها اعتُبرت دستورية من قبل المحكمة.
وتشمل هذه المواد بعض القيود الشكلية وشروط قبول الطعون التي قد تثقل الولوج إلى العدالة وتمس الحق في التقاضي، وتوسيع صلاحيات النيابة العامة في بعض المواد المدنية بما اعتُبر مساسًا بتوازن الخصومة، إضافة إلى الرقمنة وإجراءات التقاضي عن بعد، مع تخوفات من تأثيرها على علنية الجلسات وضمانات الدفاع في حال غياب ضمانات تقنية كافية، وأيضًا بعض المقتضيات المتعلقة بإدارة الشأن القضائي أو النظام المعلوماتي التي اعتبرها فاعلون مهنيون ذات أثر غير مباشر على استقلال القضاء.
وأوضحت براهمة أن المحكمة لم تعتبر هذه المقتضيات مخالفة للدستور، ما يعني أنها أصبحت نافذة وواجبة التطبيق ما لم يثار بشأنها لاحقًا دفع بعدم الدستورية أثناء التطبيق في إطار الرقابة البعدية.
وأكملت براهمة قائلة إنه مع ذلك، ليس كل النصوص تم الرجوع إليها أو طلب تعديلها. هناك بعض المواد التي قد تعتبر أيضًا غير دستورية، ولكنها بطبيعة الحال لم تُراجع. لذلك، لا يُمكن في القرار اعتبار هذه المواد مطالبة بالتعديل أو أنها غير دستورية، ويجب الاكتفاء بما جاء في قرار المحكمة الدستورية بشأن المواد التي تم تحديد دستوريتها”.
وأكدت براهمة على أنه “لا يمكت إلا أن نثمن قرار المحكمة الدستورية”، مشيرة إلى أن هذه الرقابة ضرورية لضمان احترام المبادئ الأساسية، خصوصًا ما يتعلق باستقرار الأحكام القضائية وتكافؤ الفرص بين المتقاضين، وما يضمن الأمن القانوني وحقوق الدفاع. وأضافت أن هذه الرقابة يجب أن تكون شاملة ولاتقتصر على بعض المواد فقط، وأنه يجب التركيز على المواد الأساسية المؤثرة لتجنب أي خرق لمبادئ القانون المدني والأمن القضائي.
ويترقب المجتمع القانوني تطبيق القانون بعد ستة أشهر من النشر، وسط دعوات للحرص على وضوح النصوص وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين أثناء الإجراءات القضائية، بما يحقق استقرار الأحكام القانونية ويضمن أمن التقاضي.