المغرب.. الإحساس الثقيل بالغموض والانتظارية
ثمة شيء غير مريح في المشهد السياسي المغربي هذه الفترة، حيث لا صخب معهود، ولا انفجارات خطابية، ولا صراعات أو تقاطبات معلنة على نحو حاد، كما جرت بذلك العادة قبيل كل انتخابات.
وربما هذا ما يفسر شعورا عاما، بأن البلاد تعيش على إيقاع أزمة سياسية صامتة، قد لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تستشفّ في التصريحات الضبابية لمن يتحدث مِن السياسيين، وبين سطور ما يكتبه بعض الصحافيين، وتُحس كذلك في المزاج العام، وفي لغة الناس في الشارع، وفي الإحساس الثقيل بالغموض والانتظارية.
يبدو وكأن البلاد تتجه نحو مرحلة انتقالية بلا إعلان مسبق، فالحكومة تعيش عمليا آخر أيامها السياسية، حتى وإن كانت تتجه زمنيا إلى نهاية ولايتها الدستورية، ورئيس الحكومة، الذي يُفترض أنه قائد للأغلبية، لم يعد يقود حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تصدّر انتخابات المرحلة المنتهية، وهو معطى سياسي لا يمكن التقليل من دلالاته، لأن فقدان رئاسة الحزب بالنسبة لرئيس حكومة، يضعف مركزه التفاوضي، ويجعل موقعه داخل الحكومة وداخل التحالف أقل صلابة، ويغذي الانطباع بأن “القيادة السياسية” للحكومة فقدت تماسكها الداخلي.
والأكثر دلالة أن الحزبين الآخرين المشكلين للأغلبية، وهما الاصالة والمعاصرة والاستقلال، دخلا مبكرا في منافسة محمومة على احتلال المرتبة الأولى في انتخابات 2026، وفي خضم هذا السباق، بدا أن الالتزام السياسي مع الحليف الحكومي تراجع إلى الخلف، وتوارت لغة الإنجاز المشترك، وحلت محلها لغة التمايز والتموقع، والخطاب الذي يُفترض أن يكون تضامنيا، تنحى لصالح حسابات التموضع الانتخابي، في محاولة تنكُّر ناعم للحكومة، دون إعلان قطيعة رسمية معها.
في المقابل، لم يظهر بديل سياسي مختلف وجاهز، إذ لا معارضة قادرة على تقديم عرض متكامل ومقنع، ولا تيار سياسي يملك دينامية قوية، يمكن أن تتحول إلى رافعة جماهيرية، رغم ما يبديه حزب العدالة والتنمية الذي ترأس الحكومة في الفترة ما بين 2012 و2021، من مظاهر استعادة العافية والمكانة السياسية وإن بـ13 مقعد برلماني فقط، ما جعل المشهد السياسي في المغرب، يبدو أقرب إلى فراغ ممتد، تؤتثه أغلبية منهكة، ورئيس حكومة منسحب، ومعارضة مفككة وغير قادرة على التقاط اللحظة بإنتاج سياسي لافت، وناخب حائر يراقب من بعيد، وصحافة تائهة ومنكفئة على ذاتها ومشغولة بمشاكلها التدبيرية.
يُضاف إلى عناصر هذا المشهد، المؤشرات الاجتماعية التي لا تساعد على تهدئة القلق والإحساس الثقيل بالغموض والانتظارية، حيث البطالة في تزايد (أكثر من 13 %)، خاصة في صفوف الشباب، والأسعار تواصل منحاها التصاعدي، ما يضغط على القدرة الشرائية ويعمق الإحساس بعدم اليقين، ومع ضعف التسجيل في اللوائح الانتخابية، الذي لم يصل عتبة 383 ألف مسجل جديد، خلال فترة التسجيل القانونية، تتكرس حالة قلق أخرى، تتجلى في تراجع الثقة في جدوى الانتخابات ذاتها، لأنه حين يعزف المواطن عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، فهو لا يحتجّ بالشعارات والصوت العالي، بل بالانسحاب الصامت، وهذه أخطر أشكال الرسائل السياسية التي تمس مشروعية السلطة.
كل ذلك يحدث في سياق داخلي وخارجي مليء بالتحديات، ما بين تحولات اقتصادية عالمية، وتوترات جيوسياسية، ورهانات تنموية كبرى، وضغوط اجتماعية متزايدة.
إن البلاد تحتاج إلى وضوح سياسي، وإلى خطاب مسؤول يعترف بالصعوبات بدل الهروب إلى الأمام، وإلى تعاقد أخلاقي جديد بين السلطة من جهة، وبين الفاعلين السياسيين والمجتمع.
بكلمة، الأزمة الصامتة ليست قدرا، لكنها إن تُركت بلا علاج، قد تتحول إلى فجوة عميقة بين السياسة والمجتمع، والمطلوب اليوم ليس فقط تدبير ما تبقى من الولاية الحكومية، بل استعادة المعنى، معنى الالتزام السياسي، ومعنى التحالف، ومعنى المسؤولية المشتركة، ومعنى الديمقراطية، فالدول لا تتعثر فقط حين تعلو فيها الأصوات بالمطالب الاجتماعية والسياسية، بل أيضا حين يسود فيها الصمت.