عادل خالص: بطالة بنسبة 13% ليست تحسّنا بل جرس إنذار!
في الوقت الذي تراجع فيه معدل البطالة بشكل طفيف إلى 13 في المائة سنة 2025، واعتبر البعض في ذلك إشارة إيجابية، يقول آخرون إنه مجرد استقرار هش.
ومن أجل تحليل الموضوع بعمق، أجرينا حوارا مع الخبير الاقتصادي والمتخصص في سوق الشغل، عادل خالص، الذي يقدم قراءة نقدية للأرقام الرسمية وآفاق سنة 2026.
س: تراجع معدل البطالة إلى 13 بالمائة سنة 2025، هل يمكن الحديث عن تحسن مقارنة بالوضع السابق؟
ج: يجب أن نكون واضحين، 13% ليست إنجازا، بل مستوى مقلق. هذا الرقم يعني أن أكثر من 1.6 مليون شخص بدون عمل، فيما تبلغ بطالة الشباب 37.2، وبطالة النساء 20.5 حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط. وبالتالي لا يمكن الحديث عن تحسّن حين يكون أكثر من شاب واحد من كل ثلاثة خارج سوق الشغل.
إن التراجع بـ 0.3 نقطة مقارنة بسنة 2024 لا يغير من طبيعة المشكلة. فالمغرب يعيش منذ سنوات في نطاق بطالة من رقمين، ما يعكس عجزا هيكلياً عن استيعاب الضغط الديمغرافي والتدفق المتزايد لحاملي الشهادات.
س: لكن هناك 193 ألف منصب شغل تم إحداثه، ونسبة نمو بلغت 4.7 في المائة؟
ج: صحيح أنه تم إحداث 193 ألف منصب شغل وبلغ النمو نسبة 4.7 في المائة، لكن ينبغي تجاوز الأرقام الإجمالية.
أولا، هذا الرقم يظل غير كاف لاستيعاب الضغط الديمغرافي ومخزون العاطلين.
ثانيا، ارتفع معدل الشغل الناقص إلى 10.9%، ما يعني أن عدداً مهما من العاملين يوجدون في وظائف هشة أو غير ملائمة لمؤهلاتهم.
أي أننا أمام وهم إحصائي يتمثل في استقرار اختلال قائم وليس نهاية له.
س: أين تكمن الاختلالات الأساسية برأيك؟
ج: لا يواجه سوق الشغل المغربي أزمة ظرفية، بل اختلالا وتجذراً في بنيته.
أولا، هناك طلب على الشغل، في سوق محدود هيكليا. فبنية النمو الاقتصادي لا تفرز عددا كافيا من مناصب الشغل المستدامة والمؤهلة، والنسيج الإنتاجي ما زال يهيمن عليه نشاط ذو قيمة مضافة ضعيفة وكثافة تشغيلية محدودة بالنسبة للمهارات العالية.
ورغم أن الاستثمار يدعم النشاط الاقتصادي، فإنه لا يحدث تحولا عميقا في قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل مستقرة على نطاق واسع.
ثانيا، عرض الشغل غير ملائم بشكل مستمر، بحيث يعاني العرض من عدم تلاؤم مزمن مع حاجيات النسيج الإنتاجي.
فمنظومة التكوين لا تنتج دائما كفاءات تستجيب لمتطلبات المقاولات، في حين تعرف بعض القطاعات خصاصاً في الكفاءات التقنية المتوسطة، ويؤدي هذا الوضع إلى مفارقة واضحة، ببطالة مرتفعة من جهة، وصعوبات في التوظيف من جهة أخرى.
باختصار، يظل المشكل هيكليا. وما لم يرتق الاقتصاد في سلاسل القيمة، وتتحسن ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل سيظل السوق تحت ضغط مستمر.
س: هل يمكن للسياسات العمومية، من خلال خارطة الطريق الجديدة التي أطلقتها الحكومة في مجال التشغيل، أن تصحح هذه الاختلالات وتحدث تحولاً حقيقيا في سوق الشغل؟
ج: لقد تم الإعلان عن خارطة طريق للتشغيل بطموح واضح، وكان يفترض أن تشكل نقطة تحول في تنسيق السياسات العمومية وتسريع الاصلاحات الهيكلية.
غير أنه وبعد مرور سنة كاملة، لا تزال وتيرة التنفيذ دون مستوى التطلعات. فالإشكال لا يتعلق فقط بالوقت اللازم للإصلاح، بل بضعف التنفيذ وغياب قيادة استراتيجية واضحة. إذ أن التنسيق بين القطاعات الحكومية يظل مجزأ، والمسؤوليات غير محددة بدقة وآليات الوساطة ضعيفة الفعالية.
كما أن سياسات التشغيل النشيطة لم تشهد نقلة نوعية، ولا تحسناً ملموساً في الاستهداف. ويظل التأطير الفردي للباحثين عن الشغل محدوداً، كما تبقى العلاقة بين التكوين والمقاولة وآليات الوساطة غير متينة.
وفي ظل بطالة هيكلية مرتفعة، فإن البطء أو الجمود في التنفيذ ليس أمرا محايداً، بل يكرس الاختلال ويؤجل كلفته الاجتماعية إلى الأجيال الشبابية.
وبالتالي هناك سيناريوهان ممكنان في سنة 2026:
أولا: سيناريو متفائل يتمثل في تحسن طفيف. أي أن القيمة المضافة الفلاحية قد تعرف تحسنا ملحوظا، وتواصل الأنشطة غير الفلاحية ديناميتها، خاصة في قطاعات الخدمات والبناء.
وفي هذا السياق، قد يسجل معدل البطالة تراجعاً طفيفاً. غير أن هذا التحسن، إن تحقق، سيظل هشا وسيعكس ظرفية اقتصادية مواتية أكثر مما يعكس تحولاً هيكليا عميقاً.
ثانيا: سيناريو متشائم عنوانه ركود مقلق. فقد تستمر دينامية سوق الشغل في حالة حدوث ركود مقلق. وقد يظل الاستثمار موجها نحو أنشطة ضعيفة من حيث خلق فرص الشغل، بينما تبقى الإصلاحات المتعلق بالعرض غير مكتملة.
في هذه الحالة، قد يظل معدل البطالة مستقرا عند مستواه الحالي أو يسجل ارتفاعا طفيفا في حال حدوث صدمة خارجية أو تباطؤ اقتصادي.
وسيواجه الشباب ما أصفه ب”العجز التوأم في مجال التشغيل”، والمتمثل في بطالة متواصلة مقرونة بخطر متزايد للإقصاء المهني، وهو ما قد يجعل سنة 2026 سنة صعبة على مستوى الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
س: ما العمل برأيك؟
ج: لا يمكن إصلاح سوق الشغل بمجرد إضافة نقطة أو نقطتي نمو، فقد يرفع التحسن الظرفي المؤشرات موقتا، غير أن العوامل الهيكلية هي التي ترسم المسار طويل الأمد.
طالما لم يرتق النسيج المقاولاتي إلى بنية إنتاجية صلبة، وظلت ملاءمة التكوين مع سوق الشغل ضعيفة، وبقي الأداء العمومي دون المستوى المطلوب في التنفيذ والتدبير، فإن البطالة ستظل مرتفعة على نحو هيكلي.