محامون وحقوقيون يحمّلون الحكومة مسؤولية تهديد استقلالية الإعلام والمحاماة بالمغرب
يرى العديد من المحامين والحقوقيين أن استقلالية الإعلام والمحاماة تواجه “تهديدات حقيقية” في المغرب، وذلك “في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز قيم الحرية والعدالة”.
جاء ذلك خلال ندوة نظمتها منظمة “حريات الإعلام والتعبير”، اليوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، حول موضوع “الإعلام والمحاماة وفصل السلط”، والتي جمعت محامين و إعلاميين و فاعلين حقوقيين لمناقشة انعكاسات للقرارات الحكومية الأخيرة على الحقل الإعلامي ومهنة المحاماة.
وشدد المشاركون على أن التراجعات المسجلة في الإعلام والمهنة القانونية “لا تؤثر فقط على المؤسسات، و إنما تمس أيضا حقوق المواطنين والمواطنات في مجتمع يقوم على العدالة والشفافية والمساواة”.
الإعلام تحت الضغط
في هذا السياق أكد عبد الإله بن عبد السلام، المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن الإعلام والمحاماة يمران “بمرحلة حرجة” تتطلب وعيا ومجهودا مكثفا لمواجهة التراجعات المسجلة في هذين القطاعين الحيويين.
وأوضح بن عبد السلام أن التجارب الإعلامية الفتية، التي حاول فيها شباب صحفيون بناء إعلام مهني ومستقل منذ نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، “تعرضت لمحاولات الإجهاض من قبل السلطات، عبر الحصار المالي والتشهير وتلفيق التهم وحتى السجن، إضافة إلى دفع بعض الطاقات الإعلامية إلى المنفى”.
وأضاف أن “فضيحة التسجيل الصوتي المسرب حول الصحفي حميد المهداوي كشفت تجاوزات مؤسسية تتنافى مع قواعد الحياد والنزاهة، مما يضعف الثقة العامة في المؤسسات المهنية ذات التنظيم الذاتي ويهدد مصداقية المجلس الوطني للصحافة، في وقت يحتاج فيه الإعلام الوطني إلى تعزيز المهنية وإشعاع قيم الحرية والمسؤولية”.
وشدد على أن “الانتهاكات” لم تقتصر على الإعلام، بل طالت هيئة المحامين، التي تعد ركيزة العدالة ومؤسسة الضمان للحق في الدفاع، حيث تم المساس بمكانتها الدستورية، وهو ما يعكس “تراجعا غير مسبوق” في مستوى الخطاب داخل المؤسسات الرسمية.
كما لفت إلى أن “التكتل الديمقراطي لاستقلالية الإعلام يمثل ردا مجتمعيا على هذه التراجعات”، معتبرا أن قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة يمكن أن يكون مقدمة لإصلاح شامل يدمج المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية في الحوار الوطني حول استقلالية الإعلام.
وأشار بن عبد السلام إلى أن مشاريع قوانين عدة، مثل مشروع تجريم الإثراء غير المشروع، ومشروع احتلال الملك العمومي، بالإضافة إلى القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية، تهدف إلى الحد من دور المجتمع المدني في مواجهة الفساد وتعزيز القبضة الأمنية على القوى المجتمعية الساعية للتعبير السلمي عن آراءها.
وأوضح أن مشروع القانون رقم 23.66، الذي ينظم مهنة المحاماة، يشكل “انحرافا تشريعيا” يهدد استقلال المهنة ويضع المواطنين في مواجهة عدالة غير مستقلة، مؤكدا أن هذا الأمر دفع أكثر من 18 ألف محام ومحامية إلى الإضراب، ودفع المجتمع المدني إلى تأسيس الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلالية المحاماة، بمساندة أكثر من 43 هيئة سياسية وحقوقية ونقابية وشبابية وجمعوية.
وخلص عبد الإله بن عبد السلام إلى التشديد أن الإعلام المستقل والعدالة المستقلة هما الدعمتان الأساسيتان لبناء دولة الحق والقانون، وأن القوى المغربية المناضلة مدعوة للعمل المشترك لضمان مجتمع يقوم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان للجميع.
المحاماة مهددة
من جهته شدد عمر محمود بنجلون، المحامي بهيئة الرباط وعضو جمعية هيئات المحامين بالمغرب على أن الوضع الحالي لمهنة المحاماة “كارثي”، مشيرا إلى أن “التوجه الحكومي يرتكز على المال والتحكم بشكل كبير”، وهو ما وصفه ب”طابع فاشي سياسي” يهدد استقلالية القطاع.
وأوضح بنجلون أن مشروع القانون الجديد للمحاماة سيحول التمثيلية داخل الهيئات إلى منطق مالي، بحيث ستسيطر المكاتب ذات رأس المال الكبير على منصب النقيب وتوجيه القطاع، مؤكدا أن هذا المنطق يقوّض أخلاقيات المحاماة ويحولها إلى “مهنة تابعة للمال وليس للحق والعدالة”.
وأضاف أن مشروع القانون يسعى إلى تحويل المغرب إلى بلد “عدالة بدون دفاع”، عبر إخضاع المحامين للسلطة التنفيذية والقضائية، مما يهدد استقلاليتهم ويقوّض قدرتهم على الدفاع عن الموضوعية والحق والمسؤولية، ويمنعهم من ممارسة دورهم كسلطة موازية مستقلة أمام القضاء.
وشدد على أن استقلالية المحامي تبدأ من التكوين والولوج إلى المهنة، مشيرا إلى أن القانون الحالي يمنح وزارة العدل إشرافا مباشرا على هذين الجانبين، في مخالفة للتجارب الدولية الفضلى التي تؤكد أن هيئة المحامين المستقلة هي المسؤولة عن الامتحانات والتكوين لضمان استقلالية المحامي وهوية مهنية حقيقية.
كما لفت إلى أن مشروع القانون جاء بـ”بدعة قانونية وبيداغوجية” تتمثل في إنشاء معهد للمهن القانونية يضع المحامين تحت وصاية السلطة القضائية، “بما يحد من استقلالية المهنة ويقوّض مفاهيم حصانة المرافعة والسر المهني”، وهي الضمانات التي تحمي المجتمع والمواطن أمام أي قرار سلطوي.
وخلص بنجلون إلى التأكيد على أن استمرار هذا النهج يعني “ترسيخ التبعية” داخل قطاع المحاماة، وهو ما يحتم على المجتمع المدني والهيئات المهنية مواصلة الدفاع عن استقلالية المهنة وحماية العدالة وحقوق المواطنين.