story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

الركراكي في ميزان التاريخ.. مدرب تنصفه الانجازات وتطارده الانتقادات

ص ص

في الوقت الذي انشغلت فيه منصات التواصل الإجتماعي وبعض وسائل الإعلام الدولية بالحديث عن نهاية حقبة وليد الركراكي مع أسود الأطلس، جاء الرد نافيا من داخل أسوار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ليؤكد أن الرجل الذي أعاد رسم خارطة الكرة المغربية وساوى بين المنتخب المغربي في ترتيبات أقوى المنتخبات العالمية باق مع المنتخب.

وإذا حدث ونال وليد الركراكي صفة المنتهي باستقالته سيبقى تاريخه ثابتا مذكورا، والتاريخ في عالم المستديرة يلبس دائما قميص الصدق. وأفضل مدرب في إفريقيا للعام 2023 بما فعله مع أسود الأطلس سيبقى مرتديا لقميص التاريخ، والأرقام كلها تلعب لصالحه.

بمعزل عن خسارة نهائي كأس أمم إفريقيا على أرض الوطن، سيبقى وليد الركراكي هو المدرب الأنجح والأكثر تأثيرا في مسار “أسود الأطلس” منذ الاستقلال وحتى الآن، فالظهير الأيمن السابق للمنتخب المغربي قفز برفقاء أشرف حكيمي من عادة المشاركة المشرفة إلى الإنجازات العالمية.

لقد دون وليد الركراكي إسمه بأحرف من ذهب، وجعل بصمته تتسيد مرحلة البناء والنهوض بالكرة المغربية منذ فجر الإستقلال حتى يومنا هذا.

مونديال 1970.. أول حضور عالمي

سجل المنتخب المغربي لكرة القدم أول حضور له في نهائيات كأس العالم خلال دورة المكسيك عام 1970، تحت قيادة المدرب الفرنسي غي كليزو، في محطة تاريخية دشنت الظهور العالمي الأول لأسود الأطلس.

وشارك المنتخب المغربي في النسخة التاسعة من المونديال، التي أقيمت ما بين 31 ماي وحتى21 يونيو من العام 1970 بمشاركة 16 منتخبا، حيث قدم المغرب أداء مشرفا وترك انطباعا إيجابيا، بفضل مجموعة من الأسماء البارزة، في مقدمتها الحارس علال بن قصو، إلى جانب أحمد فرس، إدريس باموس، سعيد غاندي ومحمد التيمومي، وغيرهم.

وتميزت هذه البطولة بكونها آخر نسخة يتوج فيها البطل بكأس جول ريميه (جول ريميه هو مؤسس بطولة كأس العالم عام 1930)، التي آلت إلى البرازيل بعد فوزها باللقب للمرة الثالثة، قبل أن يعتمد الاتحاد الدولي نسخة جديدة ابتداء من مونديال 1974.

وعلى مستوى النتائج، استهل المنتخب المغربي مشاركته بهزيمة أمام ألمانيا الغربية، بنتيجة هدفين لهدف واحد، ثم خسر أمام البيرو بحصة ثلاث أهداف دون رد، قبل أن يحقق تعادلا تاريخيا أمام بلغاريا بهدف لمثله في الجولة الثالثة، مسجلا بذلك أول نقطة للمغرب في تاريخ مشاركاته المونديالية.

1972.. “كان” الانطلاقة القارية

كانت النسخة الثامنة من كأس الأمم الإفريقية عام 1972 بدولة الكاميرون هي بوابة الظهور الأول للمنتخب المغربي في تاريخ البطولة القارية تحت قيادة الإسباني سابينو باريناغا، الذي لعب الملك الراحل الحسن الثاني دورا كبيرا لاستقطابه في بادئ الأمر لفريق الجيش الملكي، وأحرز معه كأس العرش، سيما وأن الملك كان عاشقا للفريق الإسباني ريال مدريد الذي كان باريناغا أبرز هدافيه التاريخيين.

وخلال تلك النسخة، لم يتجاوز المنتخب المغربي الدور الأول بعد احتلاله المركز الثالث في المجموعة الثانية برصيد ثلاث نقاط جمعها من ثلاثة تعادلات، أمام كل من الكونغو برازافيل، السودان، ثم الكونغو الديمقراطية.

سابينو الذي رأى النور عام 1922، دخل رفقة أسود الأطلس البطولة بتشكيلة واعدة يتقدمها أحمد فرس الذي سجل أهداف المغرب الثلاثة في البطولة، ثم بوجمعة بنخريف، ومصطفى شكري الملقب بـ “بيتشو”، إلا أنها كانت تنقصها الخبرة القارية، فغادر المغرب من الدور الأول مرفوع الرأس بعد أول مشاركة له في تاريخ البطولة.

1976.. اللقب اليتيم

هذا الطموح المشروع يرتكز أيضا على تاريخ طويل للمنتخب المغربي في البطولة، تاريخ يمتد لأكثر من نصف قرن، كان فيه للأفراح لحظة وحيدة عام 1976 بإثيوبيا، حين توج المنتخب المغربي بلقبه الأول والأخير حتى يومنا هذا.

في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا، كتب المدرب الروماني جورج مارداريسكو السطر الأثمن في تاريخ كرة القدم المغربية قاريا.

ابن العاصمة الرومانية بوخارست جاء خلفا للناخب الوطني آنذاك عبد الرحمان بلمحجوب، ولم يكن أشد المتفائلين يتوقعون أن يغير هذا الرجل ملامح أسود الأطلس، ويزرع فيهم تلك الروح التي صنعت مجدا يتيما في خزينة كرة القدم المغربية. لكن جورج مارداريسكو قاد جيلا أسطوريا يضم أحمد فرس وحسن أمشراط الملقب “بعسيلة”و عبد المجيد الظلمي، لاعتلاء منصة التتويج لأول مرة في التاريخ.

هذا الإنجاز تحقق بنظام المجموعة النهائية الرباعية، حيث حصد المغرب 7 نقاط متفوقا على غينيا ونيجيريا ومصر، ليظل مارداريسكو لسنوات طويلة “الأيقونة” التدريبية الوحيدة التي أهدت المغاربة ذهب إفريقيا.

1986.. حكاية مكسيكو

لا يمكن ذكر تاريخ الكرة المغربية دون الوقوف إجلالا للبرازيلي خوسيه فاريا، ابن قارة أمريكا الشمالية الذي حقق مع المنتخب المغربي ما عجزت عنه القارة بأكملها، حيث تصدر أبناء المدرب، الذي ترجل عن قطار الحياة عام 2013 بالرباط، مجموعة ثقيلة وصفت بمجموعة الموت آنذاك أمام كل من إنجلترا، البرتغال، وبولندا.

وكان فاريا الذي أعلن إسلامه لاحقا وغير إسمه للمهدي فاريا هو العقل المدبر لأول عبور إفريقي وعربي إلى أدوار خروج المغلوب، قبل السقوط المشرف أمام ألمانيا الغربية بصعوبة، بنتيجة هدف دون رد، مسجلا بذلك أول إنجاز عالمي يزن ذهبا في تاريخ مشاركات الأسود بالمونديال، وبات المغرب حينها أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ الدور الثاني من بطولة كأس العالم.

1988.. خيبة الأمل فوق تراب الوطن

استضاف المغرب البطولة القارية عام 1988، وكان الطموح هو إضافة النجمة الثانية لقمصان أسود الأطلس، فواصل خوسيه المهدي فاريا قيادة الفريق بعد العودة من مونديال المكسيك، ووصل به إلى نصف نهائي كأس أمم إفريقيا، لكن حلم التتويج تبخر أمام الكاميرون بخسارة مريرة على أرض الوطن، واكتفى الأسود بالمركز الرابع إفريقيا، وهو ما اعتبر حينها إخفاقا لجيل كان يرى نفسه الأفضل في القارة السمراء .

“كان” 2004.. العودة للمشهد الختامي

منذ تتويجه التاريخي عام 1976، ظل المنتخب المغربي قريبا من لقبه القاري دون أن يلمسه فعليا، حيث حصل على المركز الثالث في نيجيريا عام 1980، ثم اكتفى بالمركز الرابع في نسخة 1988 التي احتضنها المغرب تحت ضغط جماهيري هائل.

أما التسعينيات فشهدت غيابات وإقصاءات مبكرة، قبل أن يعود المنتخب المغربي في نسخة تونس عام 2004 لتأثيث المشهد الختامي تحت قيادة المدرب الوطني بادو الزاكي بتشكيلة لامعة ضمت نجوم كثر مثل مروان الشماخ ويوسف حجي وجواد الزايري، ووليد الركراكي، ونوالدين النيبت، وغيرهم، إلا أن بادو الزاكي خسر اللقب أمام أصحاب الأرض بنتيجة هدفين لهدف واحد.

ورغم الإخفاق في اعتلاء منصة التتويج، إلا أن الزاكي حقق إنجازا تاريخيا بإنهاء عقدة دامت 28 عاما، وأسس لمرحلة جديدة من العشق بين جماهير المملكة المغربية ومنتخبها الوطني.

مونديال 2018

بعد غياب طويل دام لعقدين من الزمن، عن أمجد وأعرق بطولة كروية في العالم، جاء الثعلب الفرنسي هيرفي رونار ليعيد المغرب إلى المحفل العالمي من بوابة كأس العالم في روسيا عام 2018، ورغم الخروج من الدور الأول بنتائج لم تعكس الأداء، إلا أن رونار نجح في بناء منتخب صلب تكتيكيا، وقدم كرة قدم حديثة جعلت العالم ينظر للمغرب باحترام كبير قبل عصر وليد الركراكي.

قطر 2022.. مونديال الإنجاز

تولى وليد الركراكي مهمة تدريب أسود الأطلس قبل ثلاثة أشهر فقط من مونديال الحالمين، فحمل أمانة تشريف الراية المغربية في ظرف استثنائي وكان بطل الدوري المغربي مع الوداد آنذاك، ظهر أسود الأطلس لحظة طلب الإستناد، وخلال توليه قيادة المنتخب المغربي رفع الاسم عاليا لكل مرتبط به ففعل ما لم يفعله الكثيرون.

صاحب 50 عاما بذكائه التكتيكي وروحه القتالية العالية التي استمدها من “نية” المغاربة، جعل أسامي الإنجازات تعدل في قطر، ويبقى المغرب أول من يحققها، أسود الأطلس أطاحوا بكبار منتخبات أوروبا في المونديال، كمنتخب إسبانيا و بلجيكا اللذان كانا من أبرز المرشحين للظفر باللقب.

كما تجدد النصر على البرتغال في ربع نهائي كأس العالم، فأصبح المغرب بقيادة وليد الركراكي أول منتخب عربي يفوز مرتين على نفس المنافس (البرتغال سنتي 1986 و2022)، فيما أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يحجز مقعدا في المربع الذهبي، وهو إنجاز تاريخي مرتبط باسم وليد الركراكي كأول مدرب عربي وإفريقي يحقق ذلك.

توالت السنوات بعد مونديال قطر عام 2022، فأصبح اسم وليد يتشكل على قلة أحرفه عندما قاد المنتخب المغربي لنهائي كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، بعد غياب دام 22 عاما، وهو إنجاز مكن المغرب من الحصول على المركز الثامن عالميا، لأول مرة في التاريخ، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز متقدما على منتخبات كبيرة كألمانيا وبلجيكا على الرغم من خسارته النهائي أمام السنغال.

هي إنجازات كبيرة لم تقف عند هذا الحد، بل حقق المنتخب المغربي بقيادة وليد الركراكي أطول سلسلة انتصارات متتالية في تاريخ كرة القدم الدولية، محققا بذلك 19 فوزا منذ يونيو عام 2024 وحتى 18 يناير 2025، حين انتهت السلسة بخسارة نهائي كأس أمم إفريقيا، ليحطم المنتخب المغربي الرقم السابق المسجل بإسم منتخب إسبانيا، حيث حقق منتخب “لاروخا” 15 فوزا متتاليا عام 2009.

المدير الفني لأسود الأطلس معروف أيضا بشخصيته القوية وجديته الكبيرة في العمل، بالإضافة إلى طريقته الرائعة في التعامل مع لاعبيه، فالمدرب الذي كرر ويكرر على مسامع تشكيلته “يجب عليكم القتال من أجل قميص المنتخب المغربي حتى آخر رمق”، وحده اليوم يقاوم التيار بنيران الإخفاق من نهائي أكبر بطولات القارة السمراء.

المؤمنون بوجود وليد الركراكي كمدير فني للمنتخب المغربي يريدونه أن يجدد فتح ذراعيه للمغرب تفاديا لأن يقال إن الجماهير المغربية لن تسمع مجددا عبارة “ديرو النية”.

*خديجة اسويس.. صحافية متدربة