story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

غضبة المحامين بين الحق في استقلال الدفاع وحقوق المتقاضين

ص ص

أعاد الإنزال الكبير الذي نفذه محامو المملكة بشارع محمد الخامس بالرباط، أمام البرلمان، على خلفية مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، نقاشا جوهريا حول موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وحدود التدخل الحكومي في مهنة ذات طبيعة دستورية خاصة، فالمحاماة، وفقا للفصل 120 من الدستور، تشكل أحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، إلى جانب استقلال القضاء وحق الدفاع، وهو ما يجعل أي تعديل تشريعي يمس تنظيمها واستقلالها موضوعا ذا بعد دستوري وحقوقي، وليس مجرد نقاش مهني تقني.

استقلال الدفاع وحصانته كأحد مقومات المحاكمة العادلة..

لا يمكن مقاربة مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة بمعزل عن الإطار الدستوري العام الذي يحكم العدالة بالمغرب. فالدستور، في فصله 120، لا يكتفي بإقرار الحق في محاكمة عادلة، بل يربط هذا الحق صراحة بضمانات أساسية، من ضمنها حق الدفاع. وهذا الربط لا يحمل بعدا شكليا، بل يعكس وعيا دستوريا بأن فعالية هذا الحق رهينة بوجود محام مستقل، قادر على ممارسة مهامه دون خشية ضغط مؤسسي أو تدخل إداري.

كما أن الدستور المغربي، في فصله 118، يقر حق كل شخص في الولوج إلى العدالة، وهو حق لا يمكن فصله عن وجود دفاع مستقل وفعال، قادر على ممارسة مهامه دون ضغط أو وصاية، ومن هذا المنظور، فإن التخوفات التي عبر عنها المحامون بخصوص بعض مقتضيات مشروع القانون، خاصة تلك المرتبطة بالمس بالتنظيم الذاتي للمهنة، تطرح إشكال الانسجام بين النص المقترح ومبدأ استقلال مهنة المحاماة، كما هو معمول به في العديد من الأنظمة المقارنة، وبالتالي، فإن الاحتجاج المهني للمحامين يعتبر فعلا يتجاوز الدفاع عن المصالح الفئوية، ليرتبط مباشرة بحماية حقوق المتقاضين وصيانة التوازن داخل منظومة العدالة.

ومن هذا المنظور، فإن استقلال المحاماة لا ينبغي التعاطي معه باعتباره مطلبا نقابيا أو امتيازا مهنيا، وإنما باعتباره شرطا أساسيا لتحقيق التوازن داخل الخصومة القضائية، خصوصا في مواجهة سلطة الاتهام أو الإدارة، وقد ذهبت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة من قبل الأمم المتحدة في الاتجاه نفسه، كما توصي بذلك المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين الصادرة عن الأمم المتحدة (هافانا، 1990)، حين أكدت على ضرورة تمكين هيئات المحامين من تدبير شؤونها باستقلالية، وضمان حمايتهم من أي تدخل غير مبرر في أداء مهامهم.

وهو ما يفسر جانبا من القلق الذي عبرت عنه هيئات المحامين بخصوص بعض مقتضيات المشروع، التي ينظر إليها على أنها تميل إلى تقليص هامش التنظيم الذاتي للمهنة، وتوسيع مجال تدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بما قد يخل بالتوازن الدقيق بين الدولة والمهن القضائية. فالإصلاح، مهما كانت دوافعه، يفقد مشروعيته حين ينظر إليه كمساس بجوهر استقلال الدفاع، وليس فقط بإجراءاته التنظيمية.

الاحتجاج المهني وحدود التأثير على حقوق المتقاضين..

إن لجوء المحامين إلى الاحتجاج، يندرج ضمن الحقوق الدستورية المكفولة بموجب الفصلين 25 و29 من الدستور، اللذين يضمنان حرية التعبير والاحتجاج السلمي. كما أن التاريخ المهني للمحاماة، داخل المغرب وخارجه، يؤكد أن هذه المهنة لعبت أدوارا مركزية في الدفاع عن الحقوق والحريات، ولم تتردد في الاحتجاج حين تعرضت مبادئ العدالة للخطر.

غير أن خصوصية مهنة المحاماة تجعل ممارسة هذا الحق محكومة باعتبارات إضافية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحقوق المتقاضين وحسن سير مرفق العدالة، فقد أدت مقاطعة الجلسات، في سياق الاحتجاج على مشروع القانون، إلى تأجيل عدد من القضايا، خاصة تلك المرتبطة بالأشخاص في وضعية اعتقال احتياطي، وهو ما يثير إشكالات حقيقية تتعلق بالحق في المحاكمة داخل أجل معقول، المنصوص عليه دستوريا، والمكرس أيضا في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي هذا السياق، يبرز المتقاضي، ولا سيما المعتقل، باعتباره الطرف الأضعف في أي توتر بين الفاعلين داخل منظومة العدالة، فبين دفاع يحتج دفاعا عن استقلاله وحصانته، وسلطة تنفيذية تحاول تمرير مشروع قانون اعتمادا على أغلبيتها العديدة وبدون اعتماد المقاربة التشاركية المطلوبة ، يجد المواطن نفسه متضررا من صراع لا يملك أدوات التأثير فيه، وهو ما يدعو إلى ضرورة التفكير في صيغ احتجاجية تراعي خصوصية القضايا الاستعجالية والحالات المرتبطة بالحرية الفردية، دون المساس بجوهر الحق في الاحتجاج، وهو ما يستدعي نقاشا هادئا ومسؤولا حول حدود الاحتجاج حين يتقاطع مع الحقوق الأساسية للغير..

مسؤولية الحكومة ومنطق الحوار المسؤول والتدبير التوافقي..

أمام هذا الوضع، تتحمل الحكومة مسؤولية مركزية في تدبير هذا الملف، ليس فقط من حيث مضمون مشروع القانون، بل أيضا من حيث المقاربة المعتمدة في إعداده وتمريره، فالإصلاح التشريعي، خاصة حين يتعلق بالمهن القضائية، لا يمكن أن ينجح بمنطق الانفراد أو المقاربة التقنية الضيقة، بل يفترض اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية، قوامها الحوار والإنصات والتفاعل.

ويُفهم هذا المطلب في ضوء الفصل 12 من الدستور، الذي يشجع على إشراك الفاعلين المهنيين في إعداد وتقييم السياسات العمومية، وكذلك الفصل 154، الذي يربط جودة المرفق العمومي بمبادئ الحكامة الجيدة، فالقانون المنظم لمهنة المحاماة ليس نصا عاديا، بل هو جزء من البنية المؤطرة للعدالة، وأي خلل في هندسته ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في القضاء.

وعليه، فإن تجاوز هذا التوتر يمر عبر مراجعة بعض مقتضيات المشروع محل الخلاف، وفتح حوار مؤسساتي جاد مع هيئات المحامين، بما يفضي إلى صياغة نص توافقي يحمي استقلال المهنة، ويضمن في الآن نفسه حقوق المتقاضين واستمرارية مرفق العدالة، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في ربح معركة تشريعية ظرفية، بل في بناء إصلاح مستدام يعزز دولة القانون ويقوي الثقة المجتمعية في العدالة.

والخلاصة..

إن النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون المحاماة ليس نقاشا تقنيا أو فئويا، بل هو نقاش حول جوهر العدالة وموقعها داخل البناء الدستوري. فاستقلال المحامي وحصانة الدفاع شرطان أساسيان لحماية الحقوق، كما أن صيانة حقوق المتقاضين واستمرارية العدالة شرط لشرعية أي احتجاج مهني. وبين هذين البعدين، لا يبدو أن هناك طريقا أكثر أمانا من الحوار المسؤول والتدبير التوافقي، باعتبارهما المدخل الحقيقي لإصلاح تشريعي يعكس روح الدستور، ويضع المواطن في قلب منظومة العدالة، لا على هامشها..