story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

كلنا قصراوة!

ص ص

عاش سكان مدينة القصر الكبير الليلة الماضية، الاثنين إلى الثلاثاء 02-03 فبراير 2026، أسوأ وأصعب لياليهم منذ بداية عملية الإخلاء التدريجي لأحياء المدينة تحسبا لتدفق السيول جراء الأمطار والتفريغ الاضطراري للسدود.

فبينما يعيش عشرات الآلاف ممن تم إجلاؤهم محنة “اللجوء”، صدرت أوامر مفاجئة لعدد من الأحياء الشعبية في عز الليل، تدعو من تبقى من السكان إلى حمل ما خفّ وزنه وثقلت قيمته والمغادرة بشكل فوري، وهو أصعب ما يمكن أن يُطلب من إنسان يفترض أنه آمن في بيته.

هذه ليست إجراءات إدارية نقرأها على الورق، بل ارتجاج نفسي عميق. أن يُسحب منك الإحساس بالثبات فجأة، وأن تُنتزع من سريرك على صوت مكبرات لا تفاوض، وأن تتعلم في لحظة واحدة معنى أن يكون البيت ـ الذي هو عنوان الكرامة ـ قابلا لأن يصير مصيدة ماء.

ما من شك في أن السلطات لديها ما يبرّر هكذا خطوة وقرار، من خلال ما يجتمع لديها من معطيات حول حجم التساقطات المطرية وحقينة السدود وحمولة الأودية، لكن ما يجري الآن لا ينبغي أن يبقى مشكلة “قصراوية” فقط.

نحن أمام واقعة يجب أن تُعيد ترتيب خريطة التضامن الوطني من جديد. المدينة التي كانت تعيش أيّامها مثل باقي المدن، وجدت نفسها فجأة في وضعية لجوء داخل الوطن، ولأسباب لا تمنحك حتى ترف ترتيب حقيبة.

تحدّثت بعض المصادر، من بينها وكالة رويترز، عن إجلاء أكثر من 50 ألف شخص، أي ما يقرب من نصف سكان المدينة، مع نشر وحدات إنقاذ وطواقم طبية ومعدات، ومنع الدخول إلى المدينة. وهذا الرقم وحده كاف ليُنهي أي نقاش من نوع الأمر تحت السيطرة بمعناه الذي يثبّط العزائم.

السيطرة هنا لا تعني الرفاه، بل تعني أن الخطر كبير لدرجة أن الدولة اختارت أصعب الحلول: إخلاء مدينة كاملة من ناسها.

لا يمكن أن يترك أمر هذه الكارثة التي حلّت بساكنة القصر الكبير للدولة وحدها. لسنا في الموسم الصيفي، والمراكز السياحية القريبة، الخالية وغير المستعملة في هذه الفترة من السنة لماذا ستصلح إن لم تصبح فضاء للإيواء بكرامة وتخفيف الضغط على المدن المجاورة؟

هل نعي معنى أن يخرج المرء من بيته ليلا ودون سابق تحضير تحت البرد والمطر ونطلب منه أن يختار الوجهة المجهولة التي يريد؟

هل نعرف مرارة أن تضع أمٌّ طفلها في حضنها وتخرج، لا لأن بيتها احترق، بل لأن الماء قد يأتي من حيث لا يُرى، وأن تُسلِّم ظهرها للظلام وتمشي وهي لا تعرف أين ستنام، ولا كيف ستؤمّن خبز الغد، ولا إن كانت ستعود إلى بيتها كما تركته أم ستعود إلى أثره فقط؟

مع ذلك، ينبغي أن نمتلك شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الصراخ. وعلينا أن نعي أن هذه الدولة التي نشاهد بأعيننا هذه الأيام جديدة ومختلفة عن السابق.

الدولة التي تقوم بالإخلاء بشكل استباقي وبهذا التنظيم والحزم والحرص الشديد ليست هي الدولة التي كانت تحجم حتى عن إخبارنا بالعواصف الرعدية بشكل مسبق حرصا منها على النظام العام وتجنبا ل”الفتنة” وال”السيبة” والسرقات.

لقد حصلنا أخيرا على تلك الدولة التي تنزل بجيشها وعتادها وأمنها ورجال ونساء سلطتها لتنتزع المواطن من مخالب الموت وتسهر على تأمين بيته (ما لم تمسّه الكارثة لا قدّر الله).

دولة تمنح الأولوية لإنقاذ الأرواح وتدبّر بتوازن دقيق تدفّق مياه السدود وتدفّق الموجات البشرية المُجلّاة عن بيوتها، مكسب ثمين علينا أن نسجّله في حينه ونثمّنه. فالجرأة لا تكون في النقد والصدح بالانتقاد فقط، بل بالاعتراف بالمنجز وتحيته أيضا.

لكن هذا لا يكفي. هذا ليس شأن الدولة وحدها. وعقل السلطة الذي استطاع استيعاب منظومة الإنذار المبكر والنشرات البرتقالية والحمراء… عليه أن يستوعب أيضا منطق الانفتاح على المجتمع وإشراك قواه وتوزيع العبء عبر التضامن الوطني الذي يجعل الجميع يقتسم كلفة الأزمات والفواجع.

الإخلاء حين ينجح في إنقاذ الأرواح، يبدأ بعده امتحان آخر لا يقل قسوة، هو امتحان العيش بكرامة، وامتحان المال والغذاء والدواء والدفء والكرامة. وحين تُغلق البنوك ويختفي النقد، وحين تُقطع الماء والكهرباء عن أحياء، يصبح الخوف مضاعفا. خوف من الفيضان، وخوف من “الحصار” الذي يخنق الناس وهم أحياء، لا وهم غارقون.

المنتجعات السياحية التي يحج إليها الملايين في موسم الصيف لن تعجز عن استيعاب جزء من ساكنة مدينة لا يصل مجموعها حتى إلى 125 ألفا حسب الإحصاء الأخير، سواء بالتطوّع أو بمقابل رمزي يغطي كلفة تشغيل هذه البنيات لبضعة أيام.

لا يمكن أن نطلب من الناس أن تفرّ من الموت المحتمل إلى العراء الحتمي. ولا يمكن أن نقبل أن يختبر مواطنٌ مغربي معنى التهجير في وطنه، ثم نقول له: اصبر، لأن الدولة تفعل ما تستطيع.

نعم الدولة تفعل ما تستطيع، لكن المجتمع حين يصمت يُحوّل ما تستطيعه هذه الدولة إلى سقف، بينما التضامن يستطيع أن يرفع هذا السقف أكثر.

وحتى نكون منصفين إلى النهاية: هذه الأزمة تُظهر أن الدولة تعلمت شيئا مهما، لكنها تُظهر أيضا أن المجتمع لم يتعلم بعد سرعة التحول إلى “جبهة” إنسانية منظمة.

نحن بارعون في التعاطف، لكننا أقل براعة في البناء. بارعون في الدعاء، وأقل براعة في تحويل الدعاء إلى شاحنات غذاء، مدروسة لا عشوائية، وأغطية وأدوية وبنيات إيواء.

في لحظة كهذه، لا قيمة للعبارات الجميلة إن لم تُترجم إلى فعل مباشر، أي فتح مرافق خاصة للإيواء، ومبادرات من المقاولات لتوفير النقل والغذاء والدفء، وتعبئة جمعيات الأحياء والجامعات والنقابات والأندية، وتنسيق تبرعات شفافة ومعلنة، وخطوط مساعدة واضحة لمن فقدوا المأوى في ساعات.

إذا كانت هذه الليالي القاسية قد علمتنا شيئا، فهي أن القصر الكبير ليست مدينة بعيدة نسمع عنها في الأخبار، بل مثال لما يمكن أن يصيب أي مدينة أخرى في زمن تطرف جوي يتقدم.

لذلك فإن النداء اليوم يجب أن يكون واضحا: استنفارٌ وطني حقيقي، ليس ببلاغات المواساة، بل بفتح الإمكانيات، وتعبئة المساعدات، وتقاسم الكلفة، حتى لا يتحول الخوف إلى عادة، ولا يتحول الإخلاء إلى مشهد مألوف، ولا تتحول الخيمة إلى مصير.

هذه لحظة لإنقاذ الأرواح، نعم، لكنها أيضا لحظة لإنقاذ معنى أن المغاربة، حين تُضرب مدينة، لا يتركونها وحدها.