خبير: تفريغ مياه السدود نحو البحر ضرورة للحفاظ على التوازن البيئي والثروة المائية
في ظل الفيضانات الأخيرة التي شهدتها منطقة القصر الكبير والمناطق الشمالية بالمغرب، ومع امتلاء السدود ووصولها إلى طاقتها القصوى، شرعت السلطات في تفريغ المياه بشكل تدريجي، في إطار التدابير الوقائية للحد من مخاطر الفيضانات وحماية الأرواح والممتلكات.
ورغم ذلك، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي العديد من التدوينات التي طالبت بكبح المياه ومنع تفريغها، معتبرة أن هذه العمليات قد تعد هدرا للموارد المائية.
ويشير الخبراء إلى أن هذه المطالب، رغم انطلاقها من مخاوف بيئية واقتصادية، غالبا ما تفتقد للفهم العلمي لطبيعة تدفق الأنهار وأهمية وصول المياه إلى البحر، وهو ما يساهم في الحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي في المناطق الساحلية.
في هذا الصدد أكد المهندس عبد اللطيف سودو المتخصص في هندسة المياه، أن السيول التي تتجه نحو البحر بعد تفريغ السدود تلعب دورا بيئيا أساسيا، إذ تحمل معها مواد عضوية وأملاحا طبيعية من الجبال والهضاب، تمر عبر الوديان والأنهار قبل أن تصب في البحر، وهو ما يساهم في تعزيز الثروة السمكية، وتكاثر الأسماك، وتجديد المياه المالحة، ودعم التنوع البيولوجي، ومنح الحياة للمناطق الساحلية.
واعتبر سودو في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن الدعوات إلى كبح الوديان أو منع وصول المياه إلى البحر “تتعارض مع القوانين الطبيعية”، محذرا من أن ذلك قد يؤدي إلى زحف الملوحة من البحر نحو اليابسة، وتهديد الفرشات المائية والسهول والآبار بتداخل المياه المالحة من الأسفل، في حال لم يتم الحفاظ على التدفق الطبيعي للمياه العذبة.
وأوضح المهندس أن منع تصريف المياه نحو البحر لا يٌعتمد إلا في حالات قصوى جدا، مستشهدا ببعض التجارب الدولية، مثل مدينة لوس أنجلوس، التي تلجأ إلى إعادة معالجة المياه العادمة واستعمالها حتى في الشرب، وهو خيار لا يعتمده المغرب حاليا، حيث تقتصر إعادة استعمال المياه المعالجة على السقي والمساحات الخضراء.
وأضاف أن إدارة السدود لا تترك الخزانات ممتلئة بشكل دائم، و إنما يتم تفريغها تدريجيا بمقدار يضمن استقرار السد ويقلل المخاطر المرتبطة بالفيضانات، مع الحفاظ على كفاءة التخزين وتلبية الاحتياجات المختلفة، مؤكدا أن هذا التوازن بين الحماية والاستعمال يمثل جوهر سياسة تدبير المياه في المغرب.
كما لفت المتحدث إلى تجربة مدينة ويندهوك، عاصمة ناميبيا، التي تعد أول مدينة في العالم تلجأ منذ سنة 1968 إلى معالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها كمياه صالحة للشرب، في سياق مناخي بالغ القسوة يتميز بندرة التساقطات وارتفاع معدلات التبخر، حيث لا تتجاوز الأمطار 250 ملم سنويا.
وأوضح أن هذه التجربة مكنت منذ سنة 2001، من اعتماد تقنيات متقدمة في المعالجة تحترم معايير منظمة الصحة العالمية، وأصبحت تغطي حوالي 35 في المائة من حاجيات العاصمة من الماء الشروب، لفائدة نحو 400 ألف نسمة، بطاقة إنتاج تصل إلى 21 ألف متر مكعب يوميا.
وأكد أن اللجوء إلى هذا الخيار يظل مرتبطا بغياب البدائل الأخرى، مثل تحلية مياه البحر أو توفر موارد مائية طبيعية، وهو ما يجعل إعادة استعمال المياه العادمة للشرب حلا اضطراريا يُعتمد فقط عندما تستنفد كل الخيارات التقليدية.
وأضاف أنه في حال واجه المغرب مستقبلا وضعية استثنائية تتمثل في تفريغ السدود دون تعاقب التساقطات المطرية، فقد يتم اللجوء إلى منطق أكثر تشددا في إعادة الاستعمال، “لكن ذلك يظل مرتبطا بظروف قصوى وليس قاعدة عامة”.
و في هذا السياق أكد سودو أن المغرب يُعد من بين الدول التي راكمت تجربة متقدمة في تدبير الموارد المائية، مشددا على أن هذا القطاع لا يُدار بعشوائية، و إنما يخضع لمنطق واضح قائم على التخطيط، التنسيق، وتحديد الأولويات.
وأوضح سودو أن سياسة بناء السدود في المغرب ارتكزت منذ بدايتها على ركيزتين أساسيتين، تتمثلان في تعبئة الموارد المائية وحماية الأرواح من الفيضانات، مع اعتماد سلم أولويات دقيق في توزيع المياه، يضع مياه الشرب في المقام الأول، تليها سقي المواشي، ثم الاستعمالات الفلاحية.
وأشار المتحدث إلى أن تدبير السدود، بما في ذلك عمليات التفريغ، يتم في إطار تنسيق محكم بين مختلف المتدخلين، من لجان اليقظة، ومهندسي المياه، ووكالات الأحواض المائية، والسلطات المحلية، بما يضمن التحكم في المخاطر وتفادي أي ارتجال في القرارات.
وخلص الخبير بالتأكيد على أن سياسة بناء السدود التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني كانت ناجحة، وأن الملك محمد السادس يواصل النهج نفسه مع تركيز أكبر على حسن التدبير والنجاعة، معتبرا أن سياسة المغرب في تدبير السدود ونقل المياه بين الأحواض المائية تُعد خيارا استراتيجيا صائبا، حرص عليه الملكان لضمان الأمن المائي للبلاد.