ذاكرة “اللوكوس” المنسية.. كيف يفسر التاريخ فيضانات القصر الكبير؟
لا يمكن فهم ما يحدث اليوم في مدينة القصر الكبير من فيضانات بمعزل عن تاريخها الجغرافي الطويل، بحسب الباحث في التاريخ المعاصر سعيد الحاجي. فالمنطقة ارتبطت تاريخياً بفيضانات وادي اللوكوس منذ قرون.
ولفك شفرات هذه الظاهرة، تواصلت صحيفة “صوت المغرب” مع سعيد الحاجي، الباحث في تاريخ المنطقة وأستاذ التاريخ المعاصر بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، الذي يرى أن هذه الفيضانات ليست أحداثاً استثنائية، بل هي ظواهر طبيعية تتكرر كلما توفرت شروطها، مما يجعل “المعطى التاريخي” أداة أساسية لفهم السلوك المتكرر للمجال وتصحيح أخطاء التوسع العمراني.
ويعود الحاجي بالقارئ إلى أواخر القرن التاسع عشر، سنة 1883 تحديداً، حين أعد الجيش الإسباني خرائط دقيقة للمنطقة تحضيراً لاحتلالها، مستنداً على معطيات تاريخية ووثائق تعيد رسم ملامح الأزمة.

وتُعد هذه الخرائط الإسبانية من أهم الوثائق التي تُبيّن بشكل دقيق موقع مدينة القصر الكبير والمجالات المحيطة بها، وقد أظهرت بوضوح أن المساحات التي التهمها التوسع الإسمنتي لاحقاً كانت في الأصل تفرعات لوادي اللوكوس.
ويشير الأستاذ الحاجي إلى أن الفيضانات ليست “حدثاً طارئاً” على المدينة. فالمصادر التاريخية، المغربية منها والأجنبية، تربط بين القصر الكبير والفيضانات منذ ما قبل القرن السادس عشر. فالزوار الذين قصدوا المنطقة، خصوصاً منذ القرن التاسع عشر حيث بدأت الزيارات تتكثف، “كانوا يشيرون بشكل أو بآخر إلى الفيضانات أو إلى الحجم الكبير للمستنقعات المحيطة بالمدينة، وهي في الأصل سهول فيضية ناتجة عن فيضانات متكررة”.
غير أن الفيضانات في السابق لم تكن تصل دائماً إلى نواة المدينة القديمة، أي قبل فترة الحماية، إلا في المواسم التي تعرف تساقطات مطرية غزيرة جداً. أما في محيط المدينة، فحتى في المواسم العادية “كان من الممكن أن تتشكل مجالات فيضية، غير أن هذه المناطق كانت تُستغل فقط في الأنشطة الفلاحية، ولم تكن تحظى بأهمية كبيرة لدى السكان، باعتبارها خارج المدار الحضري بالمفهوم التقليدي”، يضيف الحاجي.
أما اليوم، يقول الحاجي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”: “أصبحت هذه المجالات نفسها مناطق آهلة بالسكان، وشهدت توسعاً عمرانياً ملحوظاً، في حين أن طبيعتها الأصلية المرتبطة بالمجاري المائية لم تختفِ، رغم تغيّرات ناجمة عن بناء السدود أو فترات الجفاف”.
ومع ذلك، فإن ظروفاً مناخية معينة، تتميز بتساقطات قوية، “قد تؤدي إلى عودة المياه إلى تلك الأودية التاريخية العميقة، التي أصبحت حالياً تمر عبر أحياء سكنية”.
وجدير بالذكر أن أغلب الأحياء المتضررة من الفيضانات أحياء حديثة النشأة. ويرجع ذلك إلى طبيعة التوسع العمراني للمدينة، إذ يحدها من جهة المجال الجبلي، الذي يمثل بداية مرتفعات الريف، “مما يقيد التوسع في هذا الاتجاه”، بحسب الحاجي، “بينما يتجه العمران نحو المجال المنبسط والسهل الفيضي المرتبط بالوادي”.
فالمجال الممتد في اتجاه الشمال، على سبيل المثال، يُعد مجالاً فيضياً بامتياز، وهو مجال منبسط وضعيف الانحدار، مما يجعل المياه تتجمع فيه ولا تجد مساراً واضحاً للتصريف، فتظل راكدة إلى أن تجف بفعل حرارة الصيف أو عوامل طبيعية أخرى.
ويؤكد الحاجي أن المعطى التاريخي “مهم جداً لفهم تكرار الفيضانات بالمدينة، إذ لا يمكن اعتبارها أحداثاً استثنائية أو طوفانات نادرة، بل هي ظواهر معروفة تاريخياً، تتكرر كلما توفرت شروطها الطبيعية”.
ويضيف قائلاً: “من هذا المنطلق، بصفتي باحثاً في تاريخ المغرب وتاريخ المدينة على وجه الخصوص، لم أنظر إلى الفيضانات حدثاً غريباً، لأن المنطقة تاريخياً مرتبطة بفيضان وادي اللوكوس”.
وتساءل: “لا أعلم إلى أي حد يستحضر المهندسون المادة التاريخية في عملهم، لكني أرى ضرورة تكاملها مع التقنيات الحديثة لتحديد صلاحية المناطق للتعمير من عدمها، لبناء حاضرنا على أسس أكثر أماناً”.
ويشير إلى أن المصادر التاريخية، رغم اعتمادها على أساليب وصفية قديمة، “تحمل مؤشرات مهمة حول السلوك الطبيعي للمجال، ويمكن الاستفادة منها في التخطيط العمراني”. ويضيف: “المعطى التاريخي مهم أيضاً للمواطنين ليتعرفوا على طبيعة مدينتهم، لأن الفيضان الأخير ليس حدثاً استثنائياً، بل كان معروفاً في المدينة لعقود تحت ظروف معينة”.
وفي مقارنة مثيرة بين الماضي والحاضر، أوضح الحاجي أن الاحتلال الإسباني سنة 1911 أظهر ذكاءً طبوغرافياً لافتاً. فقد اختار الإسبان إقامة حاميتهم العسكرية في منطقة “دوار العسكر” (المحلة حالياً) لكونها منطقة مرتفعة ومشرفة على المدينة وغير معرضة للفيضانات.

وقد تم التوسع العمراني في تلك المرحلة بشكل تدريجي ومدروس، “انطلاقاً من المدينة القديمة في اتجاه دوار العسكر، مع مراعاة المعطيات الطبوغرافية والطبيعية”. وهذه المنطقة اليوم غير معنية ببلاغات التحذير والإخلاء.
ويطرح الحاجي تساؤلاً مهماً: “هل نسير اليوم في اتجاه تراجعي مقارنة بما كان عليه الوعي بالمخاطر الطبيعية في الماضي؟ كيف حدد الإسباني الأجنبي الوضع وراعاه، بينما يُفترض أن يكون العكس؟”.
وأكد الأستاذ الجامعي في التاريخ المعاصر أن “الظواهر الطبيعية لها تاريخ وسلوك متكرر”، مشيراً إلى أن التاريخ مادة أساسية للفهم والتفسير والمساعدة، ومهم في توفير معطيات للانطلاق على الأقل.
ويرى أن الطبيعة قد تتغير ملامحها بفعل تدخل الإنسان، لكن سلوكها الأساسي يظل قائماً. فالوديان لها مسارات، “وإذا بلغ الماء مستوى معيناً، فإنه يستعيد مجراه الطبيعي، إلا إذا وُجدت منشآت ضخمة ومجهودات هندسية كبرى، كالسدود والخزانات، التي تبقى من الوسائل القادرة على التحكم النسبي في هذه الظواهر”.
