إفريقيا التي تحبنا: المغرب وإفريقيا.. علاقة تاريخ لا يهزها خبث في مباراة
قد تربك بعض نتائج كرة القدم المشاعر، وقد تستثمر لحظات التوتر الرياضي لإثارة الانفعالات، وتنفيذ الأجندة الممرضة من طرف المتربصين بالمغرب واشعاعه ونجاحاته، لكن اختزال علاقة المغرب بإفريقيا في مباراة أو منافسة كروية وبناء سردية حاقدة، يظل قراءة سطحية لا تصمد أمام عمق التاريخ وامتداد الجغرافيا وتشابك المصالح والمصير المشترك.
نعلم حجم المؤامرة من أطراف متعددة أحرجها نجاح المغرب في التنظيم المعجز والذي كان سيتعمق بالتتويج، لذا اشتغلت دينامية هدم العرس منذ مدة، ورغم ما وقع فشل السيناريو وانهزم المحرك لكل ما وقع، فالمغرب لم يكن يوما بلدا عابرا في إفريقيا، بل كان – ولا يزال – فاعلا أصيلا في تشكيل وعيها الديني والثقافي والإنساني.
علاقة المغرب بإفريقيا جنوب الصحراء سبقت الدولة الوطنية الحديثة، وتأسست على الزوايا، والعلم، والتجارة، والرحلة، والتصوف، حيث امتدت الطرق الصوفية المغربية، وعلى رأسها الطريقة التيجانية، في عمق القارة، حاملة خطابا دينيا معتدلا، ومؤسسة لروابط روحية لا تقطعها السياسة ولا تعكرها المنافسة الرياضية.
وفي التاريخ السياسي، ظل المغرب وفيا لاختياراته الإفريقية. فمنذ الاستقلال، دعم حركات التحرر الوطني، واحتضن قادة الكفاح الإفريقي، واعتبر القارة مجالا طبيعيا لانتمائه الاستراتيجي. وحتى حين اختار المغرب الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، لم يكن ذلك انسحابا من إفريقيا، بل موقفا مبدئيا من قضية عاد إليها لاحقا من باب أقوى: باب الشراكة، والاستثمار، والدبلوماسية الهادئة.
عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 لم تكن عودة شكلية، بل إعلانا عن إفريقيا جديدة ومرحلة جديدة من الحضور الفاعل: شراكات اقتصادية رابح–رابح، استثمارات في البنية التحتية، الأبناك، الفلاحة، التكوين، والصحة، إلى جانب تكريس الدبلوماسية الدينية والإنسانية التي تحظى بثقة واسعة لدى عدد كبير من الدول الإفريقية.
أما كرة القدم، فرغم رمزيتها القوية، تظل مجالا للتنافس المشروع، تحكمه العاطفة واللحظة، وقد تشهد توترا أو استفزازا للشعور الوطني الجماعي لجمهور الكرة، لكن الوعي الإفريقي – الشعبي والرسمي – يميز جيدا بين الرياضة كحدث والعلاقات كمسار تاريخي. وهو ما جسده التئام قادة المغرب والسينغال مؤخرا.
والمغاربة حين أبدعوا في كأس العالم سنة 2022 بقطر ورفعوا اسم إفريقيا عاليا، لم يفعلوا ذلك ضد القارة، بل باسمها، وهو ما جعل ملايين الأفارقة يرون في المنتخب المغربي فريقًا إفريقيًا بامتياز.
إفريقيا التي تحب المغرب ليست إفريقيا الانفعال العابر، بل إفريقيا الذاكرة الطويلة، والمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل. هي إفريقيا التي تعرف أن المغرب لم يأت إليها طارئا، ولم يبحث فيها عن مكاسب ظرفية، بل تعامل معها كشريك في المستقبل، لا كمجال للمنافسة العقيمة.
لذلك، ستبقى المباريات تلعب وتنسى، وستظل العلاقة بين المغرب وإفريقيا أقوى من صافرة حكم، وأعمق من نتيجة، وأقوى من حقد جار أو غباء نظام، لأنها علاقة تاريخ وهوية ومصير مشترك.