story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الكرةُ التي تلعبنا

ص ص

لم يعد ممكنا التعامل مع ما جرى خلال نهائيات كأس إفريقيا للأمم بوصفه حادثة “رياضية” انتهت بانتهاء المباراة. فالأثر الذي خلّفته تلك الليلة لم يكن مجرد إحباط جمهور أو غضب مؤقت، بل كان انكشافا لطبقة أخرى من الواقع، تفيد أن كرة القدم في إفريقيا لم تعد مجرّد لعبة، بل صارت ساحة تُستعمل فيها الرموز والانفعالات الشعبية كأدوات في التفاوض على المكانة، وفي اختبار النفوذ، وفي صناعة صورة الدول داخل الإقليم وخارجه.

الدول التي اختارت تحويل كرة القدم إلى ورقة في الدبلوماسية فعلت ذلك لأنها تعرف أن اللعبة لم تعد لعبة. لقد صار الفوز يساوي رصيدا سياسيا، ويترجم إلى شرعية رمزية، ويُستثمر في الداخل والخارج باعتباره دليلا على التفوق والتنظيم والقدرة على التحكم في التفاصيل.

كما صار الإقصاء أو الخسارة أو الشعور بالظلم مدخلا لتعرية نقطة ضعف، وإرباك استقرار معنوي، واستدراج جمهور واسع إلى ردّ فعل انفعالي يسهل توجيهه. لذلك لا داعي لأن نُقيم في منطقة الانفعال المستمر، ولا أن نُفرغ غضبنا في اتجاه خصم رياضي مباشر، لأن منطق الاستدراج يقوم أساسا على تحويل المشهد إلى شجار بين الشعوب بدل النظر إليه كصراع سرديات ومصالح تتحرك في الخلفية.

نحن أمام منطقة تعيد ترتيب توازناتها بسرعة، كما يجري في العالم كلّه. تنافس لا يدور حول الألقاب والبطولات فقط، بل على الممرات البحرية، وعلى الحضور في الساحل وغرب إفريقيا، وعلى الاستثمار، وعلى الزعامة الرمزية، وعلى شبكات النفوذ داخل المؤسسات القارية…

وفي مثل هذا المناخ، تصبح مباراة نهائية أكثر من تسعين دقيقة، وتتحول إلى واجهة صاخبة لصراع صامت حول الهيبة والترتيب والقدرة على فرض رواية واحدة لما جرى، وعلى تعبئة الداخل ضد الخارج، أو العكس، بحسب الحاجة.

لهذا بالضبط، فإن المعركة ليست في “شيطنة” السنغال، ولا في توجيه الاتهام إلى رئيس اتحادها أو جمهورها. فالأمم لا تُبنى على الخصومة مع الشعوب، ولا المصالح الكبرى تُدار بمنطق الضغائن.

ما ينبغي الانتباه إليه هو أن ما يحدث لا يتحرك داخل فراغ، وأن هناك مصالح تتقاطع وتخترق المجال الرياضي وتستعمله لتوسيع المكاسب أو لتعديل ميزان القوة، وأن هذا النوع من توظيف الكرة لا يتوقف عند بلد واحد ولا عند مباراة واحدة. إنه نمط جديد من الاشتباك.. اشتباك ناعم، وسريع الاشتعال والانتشار، ويُدار عبر الصور واللغة والتأويلات أكثر مما يُدار عبر البيانات الرسمية.

ولعلّ ما يُعطي لهذه القراءة سندا إضافيا هو ما وقع مباشرة بعد المباراة النهائية، حين ظهر أن اللجنة العليا المشتركة المغربية–السنغالية ستنعقد اليوم الاثنين 26 بناير 2026، وأن تاريخ انعقادها لم يُعلن عنه رسميا إلا يوم 21 يناير، أي غداة تلك الليلة المشحونة.

هذا التفصيل ليس صغيرا كما يبدو، لأنه يكشف أن المنطقة كانت تمشي فوق حقل ألغام وأن الجانبين كانا يديران اللحظة بحذر شديد.

ففي مثل هذه الحالات لا يكون تأخير الإعلان مجرد صدفة بروتوكولية، بل يصبح مؤشرا على وجود تفاوض عسير، وحسابات دقيقة لتجنب أن تنتقل حرارة الملاعب إلى المؤسسات، أو أن تتحول الحساسية الشعبية إلى ضغط سياسي يربك أجندة أكبر من كرة القدم.

بلاغ رئاسة الحكومة المغربية حول الاتصال الذي جمع رئيسي الحكومتين يومها، جاء مقتضبا ومؤسساتيا، وركّز على تثبيت موعد انعقاد اللجنة بالرباط يومي 26 و27 يناير، وأضاف نقطة عملية واحدة وازنة هي تنظيم منتدى اقتصادي مغربي–سنغالي على هامش الأشغال، مع التأكيد على رمزية العلاقة تحت قيادة الملك محمد السادس والرئيس باسيرو ديوماي فاي، وعلى عمقها الإنساني والديني والاقتصادي. وهذا النوع من اللغة يُفهم عادة بوصفه رسالة تهدئة وترتيب، لا رغبة في فتح ملفات جانبية في لحظة حساسة.

في المقابل، جاء تواصل داكار أكثر تفصيلا وتفسيرا، وأعاد إدخال السياق الملتبس إلى قلب الخبر نفسه. البلاغ السينغالي تحدّث عن انعقاد اللجنة بالرباط بصيغة زمنية مختلفة قليلا (26 إلى 28 يناير)، وأشار إلى أن آخر دورة كانت سنة 2013، وأن الدورة الجديدة كانت مبرمجة سابقا قبل أن تتأخر، ثم ختم بإدخال عنصر التوترات والتأويلات التي رافقت المرحلة والدعوة إلى الهدوء وتفادي التشويش.

هذه ليست مجرد اختلافات في صياغة بلاغين، بل اختلاف في وظيفة الخطاب. فحين يشعر بلد أن الرأي العام الداخلي قد ينفلت أو أن النقاش الشعبي قد يتحول إلى عبء على الدولة، فإنه يكتب بلاغه كأداة ضبط وتبريد وإغلاق لأبواب التأويل. وحين يكتب بلد آخر بلاغه ببرودة مؤسساتية، فهو يراهن على أن الملف أكبر من الضجيج وأن مصلحته في عدم الانجرار إلى منطق الردود.

وإذا كان الآخرون يملكون القدرة على تحويل المباراة إلى ورقة ضغط، فكيف نحمي أنفسنا من الاستدراج؟ وكيف نربح المباراة الأهم التي تُلعب خارج المستطيل الأخضر؟

أول الجواب هو أن الانفعال لا يبني قوة. ردّ الفعل العاطفي قد يمنح لحظة تنفيس، لكنه في الحسابات الكبرى يضر أكثر مما ينفع، لأنه يُحوّل المجتمع إلى كتلة قابلة للتوجيه بدل أن يكون كتلة قادرة على الفهم والتمييز. وهنا يصبح ضبط النفس جزءا من الأمن الوطني في معناه الرمزي، لا مجرد فضيلة أخلاقية. فحين يُستدرج الرأي العام إلى صراع مع “شعب” آخر، تضيع البوصلة، ويُنسى أن المصالح لا تُحمى بالصراخ، بل بالتماسك وبالعمل المؤسساتي وبوضوح الرؤية.

أفضل رد على توظيف الكرة في الصراع الجيوسياسي ليس إعلان الحرب على الجميع، بل رفع مناعة الداخل. لأن من يستهدف دولة لا يبدأ من جبهتها القوية، بل من خاصرتها الرخوة، ومن ثغراتها، ومن هشاشة مؤسساتها، ومن سوء تواصلها، ومن ضعف إعلامها، ومن ارتباك إداراتها، ومن قابلية جزء من مجتمعها للتأثر السريع بالشائعات.

لذلك فإن العبرة الأهم من هذه التجربة ليست فقط كيف خسرنا مباراة نهائية، بل كيف نمنع تكرار هذا النوع من الاستدراج عبر بناء جبهة وطنية صلبة في المعنى السياسي العميق. جبهة تقوم على جدية المؤسسات، وعلى قدرة الدولة على الاشتغال بكفاءة واحترام، وعلى إعلام مستقل يشرح ويكشف ويهدّئ بدل أن يلهث وراء الإثارة، وعلى مجتمع مدني فاعل لا يكتفي بالشعارات بل يراقب ويسائل ويقترح.

نحن لا نحتاج أن نتنازل عن حقنا في الدفاع عن فريقنا وعن عدالة المنافسة، ولا أن نبتلع الظلم باسم المصالح العليا. لكننا نحتاج، في المقابل، أن نفصل بين المطالبة بالحق وبين الوقوع في الفخ. الحق يُطلب عبر المساطر والمؤسسات، والكرامة تُحمى بالتماسك والثقة، أما الفخ فهو أن يتحول الظلم المزعوم أو الحقيقي إلى منصة لتخريب علاقتنا بالمنطقة وبأنفسنا، وإلى ذريعة لتشتيت انتباهنا عن الأسئلة الأهم: كيف نبني اقتصادا أقوى؟ كيف نُصلح المدرسة؟ كيف نرفع جودة الإدارة؟ كيف نُنضج ثقافة سياسية تحمي المجتمع من الانقسام السهل؟

في النهاية، ليست المشكلة في أن نخسر مباراة أو نشعر بمرارة ظلم رياضي، فذلك جزء من طبيعة اللعبة. المشكلة الحقيقية أن نسمح للمباراة بأن تخرج من حدودها وتتحول إلى أداة تُحرّكنا بدل أن نفهمها، وتستدرجنا بدل أن نُحسن تدبيرها. هنا تصبح الكرة هي التي تلعبنا، بدل أن نلعبها.