ما وراء المدرجات: كرة القدم كمرآة للمخيال الاجتماعي المغربيالمرتضى إعمراشا
ليست كرة القدم، في التجربة المغربية، لعبة تُستهلك في زمن المباراة ثم تُطوى مع صافرة النهاية، ولا حدثاً يُقاس بمنطق الفوز والخسارة وحده، بل هي لحظة كاشفة، يتعرّى فيها المخيال الجمعي دون استئذان، وتخرج الذاكرة من صمتها، وتتكلم الهوية بلغة الإيماءة والهتاف والاصطفاف العفوي، وما بدا لبعض الأصوات المصرية استغراباً من تشجيع جزء من الجمهور المغربي للمنتخب السنغالي في طنجة، لا يمكن فهمه إلا بوضعه في سياقه الرمزي العميق، لا بوصفه سلوكاً رياضياً شاذاً أو موقفاً عدائياً مستتراً، لأن القراءة السطحية هنا تُضلل أكثر مما تُفسر.
المغاربة لم يشجّعوا السنغال ضد مصر، فهذه الثنائية في حد ذاتها إسقاط خارجي لا ينتمي إلى منطق الوجدان المغربي، المغاربة شجّعوا السنغال لأنها حاضرة في ذاكرتهم حضور القريب لا حضور الخصم، شجّعوها كما شجّعوا مصر في لحظات أخرى، دون شعور بأي تناقض أو حاجة إلى تبرير، لأن العلاقة في هذا الفضاء لا تُبنى على منطق الاصطفاف الحاد، بل على منطق القرب الرمزي، السنغال ليست في المخيال المغربي منتخباً عابراً من جنوب بعيد، بل امتداد مألوف، جزء من الذات الموسّعة التي لا ترى في الجنوب هامشاً ولا في إفريقيا درجة أدنى من الانتماء.
الخيال المصري الحديث، كما تَشكّل منذ منتصف القرن العشرين، بُني حول مركز واضح، المشرق بوصفه قلب العروبة، واللغة بوصفها الرابط الأعلى، وسردية تاريخية تتجه بالذاكرة دائماً شرقاً، نحو الشام وما بعدها، وهذا خيال مفهوم في شروط نشأته، ومشروع في سياقه السياسي والثقافي، لكنه يظل خيالاً جزئياً، لا يستوعب كل الإمكانات، ولا يرى العالم إلا من زاوية واحدة، خيال يتوقف، في الغالب، عند موريتانيا، وكأن ما يليها فضاء غامض أو خارج الخريطة الوجدانية.
في المقابل، يتأسس الخيال المغربي على التعدد والعبور، لا على المركز الواحد، المغرب كيان تشكّل عند تخوم متداخلة، مشرقي أندلسي في ذاكرته، متوسطي أوروبي في جغرافيته، إفريقي صحراوي في عمقه، الجنوب في هذا التصور ليس خارج الوطن، بل أحد أعمدته الخفية، من شنقيط إلى تمبكتو، ومن حوض السنغال إلى السودان الغربي، نسج المغاربة عبر قرون شبكات معقّدة من التجارة والعلم والتصوف والرحلة والمصاهرة، علاقات لم تكن ظرفية ولا نفعية، بل تأسست على الاستمرار والتراكم، وهو ما تشهد به كتب الرحّالة والفقهاء وأسانيد الزوايا ومسارات القوافل.
الطريقة التيجانية ليست تفصيلاً دينياً عابراً في هذا السياق، بل ذاكرة حيّة، وجسر روحي ممتد بين فاس ودكار، بين المغرب والسنغال، حيث لا تُقاس المسافة بالأميال بل بتشارك المقاصد، وحين يقول مغربي إنه يشعر بألفة خاصة تجاه السنغالي، فهو لا يستدعي خطاباً عاطفياً عابراً، بل يعبّر عن ذاكرة جماعية راسخة، عن إحساس قديم بأن هذا القرب ليس وليد اليوم ولا صناعة المدرجات. ومن هنا تكتسب السياسة معناها حين تُقرأ خارج الحسابات التقنية، فاختيار الملك محمد السادس للسنغال فضاءً لخطاب موجّه إلى الشعب المغربي لم يكن مجرد ترتيب دبلوماسي، بل إشارة رمزية واضحة، تقول إن المغرب لا يتجه نحو إفريقيا كخيار استراتيجي مستجد، بل يعود إلى ذاته العميقة، إلى امتداده الطبيعي، ومن لا يرى هذا البعد، سيظل يتساءل باستغراب عن تصفيق جمهور، دون أن يسأل عن ذاكرته ومسارات تشكّله.
ما جرى في طنجة، في الشوارع وحول المدرجات، من احتفال مشترك بين المغاربة والسنغاليين، لم يكن مشهداً فولكلورياً للاستهلاك السريع، بل لحظة تماهي ثقافي نادرة، حيث سبقت الموسيقى اللغة، وتكلم الجسد قبل المفاهيم، ڭناوة والدقة وإيقاعات إفريقيا الغربية لم تكن زينة صوتية، بل لغة مشتركة، معرفة جسدية تتجاوز الترجمة، وقد لا يفهم هذا من تربّى على مركزية نمط ثقافي واحد، كما قد لا يفهم المغربي دقائق المقامات الشرقية، لكن الاختلاف هنا ليس نقصاً، بل علامة ثراء. الإشكال الحقيقي لا يكمن في عدم الفهم، بل في افتراض أن ما لا نفهمه غير موجود أو غير مشروع، وحين يُلام جمهور لأنه لم يتصرّف وفق انتظارات مسبقة، فإننا نكون أمام إسقاط خيال خاص على مجتمع آخر، وأمام نزعة مركزية ترفض الاعتراف بتعدد طرق الانتماء، وهو ما تفضحه كرة القدم حين تُقرأ بوصفها مرآة اجتماعية لا مجرد لعبة.
المغرب، في عمقه التاريخي، لم يكن دولة خط مستقيم ولا هوية أحادية، هو بلد الحركة والعبور وتعدد الجهات، دوله الكبرى قامت على وصل الشمال بالجنوب، والبحر بالصحراء، لا على الفصل بينهما، ولذلك لا يرى المغربي أي تعارض وهو يشجّع مصر في مباراة، ثم يحتفي بالسنغال في أخرى، العلاقات هنا لا تُبنى ضد أحد، بل مع الجميع، وفق منطق القرب والذاكرة لا وفق حسابات الاصطفاف. في هذا المعنى، يمكن القول إن السنغال ومصر تنتميان معاً إلى دائرة القرب الرمزي للمغرب، لكن كل واحدة من زاوية مختلفة، فالقرابة لا تُقاس بالكيلومترات ولا بالشعارات، بل بعمق التراكم التاريخي، ومن يصرّ على اختزال كرة القدم في صراع صفري، يفوته أن يراها عدسة تكشف تركيباً اجتماعياً معقّداً، وهوية مفتوحة، لا تقبل التبسيط.
في النهاية، نعم، هي كرة قدم، لكن كرة القدم حين تمر عبر مجتمعات ذات تاريخ كثيف، تتحول إلى أداة كشف، تكشف كيف نرى أنفسنا وكيف نتخيّل الآخرين، وربما كان الأجدر بنا جميعاً، مغاربة ومصريين وسنغاليين، أن نقرأ هذه اللحظات بمنطق الفهم لا العتاب، وبمنطق الاكتشاف لا الإدانة، لأن الاحترام الحقيقي لا يبدأ من مطالبة الآخر بأن يشبهنا، بل من الاعتراف بحقه الكامل في أن يكون مختلفاً، وأن يعبّر عن هذا الاختلاف دون وصاية.