بين الاحتفال والنضال.. نشطاء ببني ملال يخلدون رأس السنة الأمازيغية
في أجواء حماسية غنية بالدلالات الرمزية والسياسية، خلدت الحركة الثقافية الأمازيغية (موقع ءايت ملال) رأس السنة الأمازيغية 2976 أو “إيض يناير”، بالحي الجامعي “امغيلة” بمدينة بني ملال، ليس باعتباره طقسا احتفاليا ثقافيا عابرا، بل كنشاط فكري واعٍ يطرح أسئلة عميقة حول الأرض والإنسان والهوية والذاكرة والتاريخ، ويعمل على تفكيكها من أجل مستقبل أفضل؛ مغربٍ يتّسع لكل أبنائه، بعيدا عن كل أشكال الاستلاب الثقافي أو التقوقع العرقي.
وبيّن نشطاء الحركة الطلابية أن “إيض يناير” لا يُختزل فقط في طقوس الاحتفال بمنتوجات الأرض تفاؤلاً بسنة فلاحية جيدة، أو في الأهازيج والموسيقى وكل الأشكال الفنية الشعبيّة، بل يُعد مناسبة لإعادة طرح النقاش حول قضايا ترتبط بتشعّبات السياسة والإنسان والهوية، خارج بعض السرديات الرسمية السائدة.
وعن إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلةً وطنيةً مؤدى عنها في المغرب، أكد نُشطاء الحركة الثقافية الأمازيغية أن ذلك لم يكن منّة أو جودا من السلطة، وإنما هو اعترافٌ رسمي باحتفالات شعبية مرتبطة بهذه الأرض المباركة، وضاربة بجذورها في عُمق التاريخ، معتبرين أن هذا الاعتراف الرسمي جاء بفضل نضالات أبناء الأرض الذين جابهوا سياسة الإقصاء.
الانتظارات المؤجلة بعد ترسيم السنة الأمازيغية..
وفي هذا السياق، قال محمد الخطابي، ناشط في الحركة الثقافية الأمازيغية بموقع “ءايت ملال” وأستاذ لمادة الرياضيات، إن “إقرار الدولة المغربية رأس السنة الأمازيغية بشكل رسمي يقتضي تصحيح التاريخ، والتنازل عمّا يُسمى بـ12 قرنا، تفاديا للتناقض الملحوظ بينها وبين نفسها”.
وأوضح الخطابي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الاعتراف بعراقة أهل هذه الأرض وبالسنة الأمازيغية التي وصلت اليوم إلى 2976، وفي الآن ذاته الحديث عن 12 قرنا، يُشكّل تناقضا ملحوظا وواضحا، داعيا إلى مواصلة النضال لانتزاع تصحيح التاريخ وكتابته بأقلام موضوعية وطنية ونزيهة.
وأشار الخطابي إلى قضية أخرى تتعلق بالطوبونوميا، مؤكداً على ضرورة إعادة بعض المناطق إلى أسمائها الأصلية، بالإضافة إلى تسمية الشوارع والأحياء والأزقة والمؤسسات بأسماء مرتبطة برموزنا الوطنية وأمجادنا الأمازيغية التاريخية.
الإنسان سيد الأرض و”لا علاقة لنا بالعرق”..
وبعد أن شدّد المتحدّث على أهمية الرموز، أكد أن النضال الأمازيغي يستهدف إنصاف الإنسان ليعيش سيّدا على أرضه، موضحا أن “الإنسان لا يعني هنا الناطق باللغة الأمازيغية، بل القاطن على هذه الرقعة الجغرافية العريقة”.
وأضاف ناشط الحركة الثقافية الأمازيغية أنّ النضال الأمازيغي لا علاقة له بالعرق، ولا ينبني عليه، وإنما يرمي إلى تأكيد الهوية التاريخية للأرض بين الأمم، وجعل الإنسان سيدا فوقها يستفيد من ثرواتها.
وقال إنّ “إنصاف الإنسان الأمازيغي أي الإنسان المغربي، يعني تحقيق العدالة المجالية، والعدالة في التعليم، والصحة، والاقتصاد، وفي كل مجالات الحياة، لأننا لسنا دولة فقيرة، هذا مجرد شعار ترفع الدولة لتبرير فشلها”، مضيفا: “نحن دولة تمتلك موارد طبيعية نستطيع أن نبني بها دولة قوية وذات اقتصاد رفيع، ولكن، وللأسف، لم نصل بعد إلى دولة يُحترم فيها الشعب وتُعطى فيها مكانة للشعب”.
القضية الأمازيغية تتجاوز الاحتفالات الفولكلورية..
ومن جانبه، أورد قمر خنخوز، ناشط في الحركة الثقافية الأمازيغية، أن هذه الأخيرة، باعتبارها مكوّناً “طلابيا راديكاليا”، لا تقتصر نظرتها إلى القضية على زاوية الاحتفالات الفولكلورية أو الشعبية، أو ترسيم رأس السنة الأمازيغية، أو حتى دسترة اللغة سنة 2011، ثم إصدار القانون التنظيمي سنة 2019، مبرزا أن القضية الأمازيغية هي قضية شمولية.
وأوضح خنخوز في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن انتظارات أو أهداف الحركة تفوق “الفهم التقزيمي للأمازيغية في اللغة أو في الفولكلور، وتشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتشريعي.. من أجل تحقيق تغيير جذري والعيش في دولة أمازيغية حرة يُحترم فيها الإنسان وعراقة هذا الشعب”.
وفي هذا الإطار، وجه الناشط الأمازيغي نقدا لاذعا إلى صانعي السياسات العمومية بالمغرب فيما يتعلّق، مثلا، بتدريس اللغة الأمازيغية، “التي انطلقت منذ سنة 2003 ولم تصل بعد إلى 50 في المائة في التعليم الابتدائي”، كما انتقد الحضور المحتشم للأمازيغية في الإدارات المغربية وفي الإعلام.
إحداث مسالك للأمازيغية في الجامعات المغربية..
ويرى خنخوز أن فتح التكوينات الأمازيغية في الجامعات المغربية ما يزال ضعيفا، وهو ما يُعد شكلا من أشكال التهميش، مطالبا بإحداث مسلك للدراسات الأمازيغية في جامعة السلطان مولاي سليمان، خصوصا أن غالبية ساكنة جهة بني ملال-خنيفرة ناطقة بالأمازيغية.
يُذكر أن مسالك الدراسات الأمازيغية توجد فقط في جامعة ابن زهر بأكادير، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وجامعة محمد الأول بوجدة، بالإضافة إلى كلية متعددة التخصصات بالناظور.
وفي وقت سابق، كان نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان، المكلّف بالشؤون البيداغوجية، يوسف أُدراوا، قد أكد في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” على أهمية إحداث مسالك للغة الأمازيغية بالكلية.
وقال خنخوز إن أبناء الجهة في حاجة ملحّة إلى تخصص الأمازيغية، مشيرا إلى أن بعضهم يضطر إلى التنقل إلى جامعات أخرى، فيما يُقصى الطلبة الذين تعزّهم الإمكانيات ولا تسمح حالتهم الاجتماعية بتحمل مصاريف التنقل والكراء.
وأضاف أن الحديث عن جهة بني ملال-خنيفرة كنموذج جاء من منطلق الانتماء إليها، موضحا أن ما ينطبق عليها ينطبق على جامعات أخرى، مطالبا بإحداث مسالك للدراسات الأمازيغية في مختلف الجامعات، إذا كانت فعلا رغبة رسمية في إدماج الأمازيغية في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة.
ونبّه المتحدث إلى أنه «لا معنى أن نجد خريجين من تخصصات أخرى، كالفزياء أو الرياضيات أو الدراسات الإسلامية وغيرها، يستعدون لمباريات التعليم في مدة محددة، ويصبحون أساتذة لها، لأنه يصعب أن يُصبحوا متمكّنين منها».
جدير بالذكر أن الدولة المغربية أعلنت، في سنة 2023، إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية مؤدى عنها، شأنها شأن باقي العطل، وتم الاحتفال بها لأول مرة بشكل رسمي في 14 يناير 2024، بعدما واظب المغاربة على الاحتفال بها شعبياً منذ آلاف السنين.
المحفوظ طالبي