story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

مزراوي أو “الحاج”.. منتوج الكرة الشاملة الذي أعاد تعريف الدور الدفاعي

ص ص

قد نسأل كل مدربي كرة القدم في مستواها الإحترافي العالي، عن أفضل الأدوات التي يتمنون التوفر عليها داخل فريقهم، سيكون الجواب الأول بدون تردد.. أريد لاعبين يجيدون اللعب في مراكز متعددة داخل الملعب.

فهذه النوعية “الجوكير” تعفي الطواقم التقنية من التفكير في البدائل المناسبة لكل مركز، إضافة إلى أنها تعطي هامشا للمدرب في ضم لاعبين إضافيين للمراكز التي تعرف ضعفا، وتوفر له التغييرات وسط المباريات، وتمنح حلولا في “الكوتشينغ” بتغيير منظومة اللعب خلال فترات التباري دون اللجوء إلى البدلاء، بالإضافة إلى أن هذه العناصر تكون متوفرة على أعلى درجات القوة الذهنية والذكاء التكتيكي المستمد من تكوين علمي صلب خلال مرحلة الأكاديمية.

في كأس إفريقيا للأمم الحالية، قليلون هم لاعبو هذا الصنف الذين حافظوا على مردودهم الجيد طيلة المباريات وعرفوا استقرارا في آدائهم رغم تغير الخصوم ومستوى المنتخب الذي يلعبون له، وعلى رأس هؤلاء نجد لاعب المنتخب الوطني المغربي نصير مزراوي.. ففضلا عن أن “الحاج” خاض المباريات الخمس في المسابقة داخل مركزين مختلفين، فقد نال تنقيطا عاليا فيها جميعا، وساهم خلالها بفعالية في كل الإنتصارات المحققة، وكان عنصرا يخلق الفارق باستمرار وأعطى الثقة والأمان لزملائه، مما جعله حاضرا في التشكيلة المثالية لأفضل لاعبي الدور الأول خلال البطولة.

هولندا المنشأ

في يوم الجمعة 14 نونبر من سنة 1997 داخل بلدة صغيرة بغرب هولندا تسمى لايدردوب، كانت لمصطفى مزراوي المهاجر المغربي القادم من منطقة جبالة بضواحي مدينة تطوان، فرحة كبيرة رفقة زوجته خديجة بازدياد ابنهما الثاني نصير بعد ست سنوات من ولادة نجلهما البكر نوفل، كانت أسرة بسيطة يكد الأب في أعمال حرة خارج البيت، فيما الأم تكفلت بالأشغال داخله وتربية أبنائها على الإستقامة والإجتهاد في الدراسة وفي احترام المحيط الصغير و الكبير، وفي مواكبتهم في الأنشطة الترفيهية الطفولية التي يختارونها.

نصير الذي أصبح الإبن الأوسط بين إخوته بعد ولادة أخته الصغرى فاتن، جذبته كرة القدم منذ طفولته المبكرة، حيث كان يجلس مبهورا أمام التلفاز لمشاهدة مبارياتها، عكس أقرانه الذين كانوا يفضلون سلسلات الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو الخاصة بالأطفال، ولم يكد يصل إلى سنته الثانية في المدرسة القريبة من البيت حتى انخرط في ناد صغير للفئات العمرية وبدأ يرافق والده إلى الملاعب الشهيرة في هولندا لمتابعة كبريات الأندية وهي تخوض مباريات دوري “الإيريديفيزي”، وكان لذلك أثر بالغ في إزالة الرهبة من الجمهور والتعود على الأجواء الصاخبة التي تدور فيها المباريات الكبيرة.

وعندما لاحظ والده موهبته الكروية الفذّة منذ الصغر، لما رآه من إبداعاته الكروية حينما كان يلاعب رفاقه في الحي، قرر تسجيله في أقرب ناد، وهو نادي ألفين، ولم يكن نصير مزراوي مميزًا في كرة القدم فحسب، بل كان مجدًّا في دراسته، وراوده كثيرا حلم ممارسة مهنة المحاماة، فتعلم اللغات الألمانية والإنجليزية والعربية، إضافة إلى الهولندية التي يتقنها، ثمّ درس العلوم التربوية بهدف إكمال دراسته في القانون، ليحقق حلمه بأن يصبح محاميًا، لكن كرة القدم وعوالمها السحرية جذبته إليها وصرفته عن حلمه الصغير.

مشوار كروي مع الكبار

يعتبر نصير مزراوي من أفضل اللاعبين في العالم حاليا بمركز الظهيرين، ناهيك عن خط الوسط، ذكاؤه التكتيكي متقد طوال المباراة، وقدرته على التوقع فائقة، وتحركاته في مركزه مدروسة بدقة مبهرة، سريعٌ وقوي بدنيًا رغم ما يبدو عليه من تثاقل، وله إجادة لافتة فيما يتعلق بالتمرير في المناطق الواعدة من الملعب، هذا بالإضافة إلى تطبيقه لمبدأ “السهل الممتنع” في طريقة لعبه والتي تشكل أبرز مقومات اللاعب العصري في كرة القدم الحديثة.

نمّى نصير مزراوي موهبته الكروية في نادي “ألفين”، إلى أن استقدمه أجاكس أمستردام إلى صفوفه حينما كان يبلغ التاسعة من العمر، وهناك تدرّج مع فئات أكبر وأشهر ناد في هولندا، فلعب في فئات الفريق العمرية وتدرّج فيها، لكنّه حينما وصل إلى فئة الفريق تحت 17 عامًا شعر بالتهميش، فلم يكن يتم إشراكه كثيرا في مباريات فئته، وهنا كاد أن يتخذ قرارًا يغيّر كل حياته، وهو ترك كرة القدم والتفرّغ لدراسته من جديد.

يقول نصير مزراوي عن هذه الفترة: “إلى جانب كرة القدم، كنت أيضًا في المدرسة حيث أدرس العلوم التربوية، كان هدفي هو مواصلة دراستي ودراسة القانون لكي أصبح محامياً لأنني أحببت هذه المهنة النبيلة، في كثير من الأحيان، خلال هذه الفترة السيئة، سألت نفسي سؤالاً حول ما إذا كان الاستمرار في لعب كرة القدم فكرة جيدة”.

لكنّ أحد مدربيه في الفئات السنية “مارسيل كيزر” نصحه بالاستمرار في لعب كرة القدم، وعدم السماح للظروف التي يعيشها بأن تثبط عزيمته، و بعد ذلك غادر فريق أجاكس تحت 18 عامًا، والتحق بالفريق الرديف لأجاكس “يونغ أجاكس” والذي يدرّبه مارسيل كيزر نفسه.

نصير مزراوي أثبت نفسه بالفريق الذي يلعب بالدرجة الثانية، وآمن بموهبته الكروية، فلعب موسمين مع الفريق، وأبدع بمركز صانع الألعاب والظهير الأيمن، إلى أن لفتت موهبته الفريق الأول لناديه الأم أجاكس أمستردام، فاستعاده في بداية عام 2018.

في هذه الفترة أتى لأجاكس أمستردام المدرّب إيريك تين هاغ، والذي بنى لاحقًا فريقًا مميزًا صال وجال في الملاعب الأوروبية، حيث اكتشف موهبة نصير مزراوي، واستدعاه إلى الفريق الأول، يقول إيريك تين هاغ عن هذه المرحلة: “عندما بدأت مع أجاكس في يناير، كنت أعرف نصير بالاسم ولكني لم أعرف كل صفاته، لقد تغير ذلك بسرعة، لأنه في الأسبوع الأول خلال المعسكر التدريبي في البرتغال، ترك بالفعل انطباعًا جيدًا جدًا عندي، وفي ذلك الوقت، كان من الواضح أنه لا يزال في حاجة إلى الكثير من العمل البدني، لذلك بدأنا العمل في الأشهر التالية بالتشاور مع الطاقم الطبي. وقد تم وضع خطة جيدة حتى يتمكن من التطور بدنياً ويصبح أكثر قوة، سارت هذه العملية بشكل جيد”.

غيّر تين هاغ بشكل تدريجي مركز نصير مزراوي، فحوّله من صانع ألعاب إلى ظهير أيمن، ليصبح واحدا من نجوم الفريق الشاب، والذي فاز بالدوري الهولندي، ووصل لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا، قبل أن يودّع البطولة في مباراة حارقة ضد توتنهام هوتسبيرز.

استمر نصير مزراوي بمسيرته الناجحة مع أجاكس أمستردام، وحاز على العديد من الألقاب والجوائز جماعيًا وفرديًا، إلى أن نجح بايرن ميونيخ في استقطابه صيف عام 2022، ليصبح تاريخيًا ثاني دولي مغربي يوقع مع النادي البافاري بعد المهدي بن عطية.

وفي موسمه الأول، غاب المزراوي عن البايرن لأسابيع بسبب الإصابة، لكنه سرعان ما استعاد مركزه في تشكيلة ناغلسمان والمدرب التالي توماس توخيل، ليساهم مع الفريق بالتتويج الدرامي بالدوري الألماني، حينها خطف البايرن الصدارة في الدقيقة الأخيرة من الأسبوع الأخير، وتوج باللقب على حساب بوروسيا دورتموند.

التميز الذي أنهى به الموسم  مع باييرن ميونيخ جلب إليه أنظار مدربه وصاحب الفضل الكروي عليه إيريك تين هاغ، الذي لم يكن ليجد أفضل من لاعبه القديم ليخوض معه تحدي إعادة البريق لمانشستر يونايتد، فانتقل بصحبة رفيقه دي ليخت ليرمما دفاع النادي الإنجليزي العريق، وليندمج بسرعة في أجواء “البريمييرليغ” من خلال ظهوره المبهر كأساسي في مركز الظهير الأيمن خلال المباريات الأولى ل”الشياطين الحمر”.

ورغم ذهاب تين هاغ ومجيء روبير أموريم لم تتغير وضعية نصير مزراوي في “المان يونايتد”، حيث ظل ذلك اللاعب الذي تُمنح له الثقة دائما في كل المباريات وخصوصا الكبيرة منها، لما أصبح يتوفر عليه من تجربة وتمرس على مواجهة الأندية العريقة، ومن عطاءات مستقرة دائما ما تكون لها نسب كبيرة في ربح النقاط بالنسبة لفريقه.

مزراوي المغربي

في عام 2018 زاره رونالد كومان مدرب منتخب هولندا الأول، في محاولة لإقناعه باللعب في صفوف منتخب “الطواحين”، لكنّ مزراوي كان وقتها لم يحسم في وجهته الدولية بعد، حيث قال مزراوي عن ذلك: “قدم لي السيد كومان مشروعًا كبيرًا وطموحًا لاختيار المنتخب الهولندي، أنا ممتن حقًا وأشعر بالتحقق من صحة أفعاله. هولندا هي بلدي ولكن المغرب كذلك، الأشخاص الذين يعرفونني يعرفون أنني هولندي فخور ومغربي فخور. لقد ولدت ونشأت هنا”.

نصير مزراوي تغلبت أصوله على مشاعر الإنتماء لبلد المنشأ، واختار في الأخير حمل قميص المغرب، وتعرّض للكثير من الضغوطات عبر وسائل الإعلام الهولندية بسبب اختياره، فيما دافع مدربه إيريك تين هاغ عن قراره، حينما أوضح أن تمثيل المزراوي لمنتخب المغرب يعتبر قرارًا شخصيًا اتخذه بالتشاور مع عائلته ووكيله.

أوّل مباراة لنصير مزراوي مع المنتخب المغربي كانت في 9 غشت 2018 ضد مالاوي، ضمن إقصائيات كأس أمم أفريقيا، مع المدرب الفرنسي هيرفي رونارد، وشارك بعد ذلك في كأس أمم أفريقيا 2019 بمصر، والخروج الشهير أمام بنين بضربات الجزاء.

انتماء مزراوي للمنتخب الوطني تخللته فترة غياب طويلة مع مجيء المدرب وحيد خاليلوزيتش ، بسبب خلاف بسيط حول قنينة ماء دفعت المدرب البوسني لعدم استدعائه للمعسكرات اللاحقة.

يقول مزراوي عن هذه الواقعة: “كنا في حصة تدريبية، وكان من المفترض أن نأخذ استراحة كل خمس دقائق لشرب الماء لأن الجو كان حارا، وكنت قد شربت الكثير من المياه، لكن المدرب أراد إجباري على ذلك، رغم تدخل رومان سايس تم طردي مباشرة من التدريب ولم يتصل بي بعدها “.

بعد أشهر من هذه الحادثة، وبوساطة من فوزي لقجع، سافر خاليلوزيتش إلى لندن للقاء مزراوي وتذويب الخلاف معه والترتيب لعودته للفريق الوطني، لكنّ الجامعة الملكية المغربية أقالته، وتعاقدت مع وليد الركراكي، ليتولى زمام المنتخب المغربي قبل 3 أشهر فقط من كأس العالم 2022 بقطر.

نصير مزراوي سجل إسمه ضمن قائمة المشاركين في الإنجاز التاريخي في المونديال القطري، بعدما شارك في مباراة كرواتيا الافتتاحية، وبعد ذلك أمام بلجيكا، ومن ثم كانت مواجهة كندا، قبل أن يلعب في لقاء إسبانيا ويساهم مع زملاءه بالفوز الكبير على “الماتادور”، لكنّه غاب عن لقاء البرتغال في ربع النهائي بسبب الإصابة، وشارك أمام فرنسا في نصف النهائي، إلا أن الإصابة حرمته من لعب مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع أمام كرواتيا.

ورغم مشاركته المتأخرة مع الفريق الوطني في كأس إفريقيا للأمم بالكوت ديفوار 2023، والتي انتهت بخروج مبكر لأسود الأطلس أمام جنوب إفريقيا، وأيضا غياباته الكثيرة عن تشكيلة وليد الرگراگي بسبب الإصابة، أو بسبب ظروف شخصية خلال العامين الماضيين، إلا أن استعادته لتنافسيته وجاهزيته قبل “الكان” الحالي، سمحت له بتوقيع مشاركة جد متميزة حتى الآن مع زملائه في الطريق إلى التتويج بلقب يراهن عليه المغاربة كثيرا منذ نصف قرن من الزمن.